الذكاء الاصطناعى و تمويل الإرهاب وغسل الأموال

لواء د / طارق جمعة-باحث فى مجال الحركات الاسلامية والذكاء الاصطناعى
يعتبر الذكاء من أهم الصفات التي يتميز بها عقل الإنسان، فهو صفة ميز الله سبحانه وتعالى بها الإنسان عن سائر مخلوقاته، وتدخل هذه الصفة في معظم العمليات والأنشطة التي تحـدث داخل العقل البشري من عمليات حسابية، وذهنية، وفكرية، ويضم مجال واسع من التخصصات من تحليل، واستنتاج، وابتكار، وتحكم في الحركة والحـواس والعواطف، ويقـوم العقل البشري بواسطة ما وجد فيه من ذكاء، بهذه العمليات والأنشطة المختلفة بناء على الظروف المحيطة به، أو كردود فعل، أو استجابات تحدث مع هذا الإنسان، ويمكن لهذا العقل البشري أن يؤدي المهام الموكلة إليه، بدافع بشري بحت دون الاعتماد على غيره من الأدمغة البشرية.
مفهوم الذكاء الاصطناعي
قام جون مكارثي John McCarthy، الملقب بأبي الذكاء الاصطناعي، بصك هذا المصطلح في عام 1956. ووفقًا له، فإن الذكاء الاصطناعي هو علم هندسة إنشاء آلات ذكية، وبصورة خاصة برامج الكمبيوتر، أي أنه علم إنشاء أجهزة وبرامج كمبيوتر قادرة على التفكير بنفس الطريقة التي يعمل بها الدماغ البشري، تتعلم مثلما نتعلم، وتقرر كما نقرر، وتتصرف كما نتصرف. وبهذا المعنى، فإن الذكاء الاصطناعي هو عملية محاكاة الذكاء البشري عبر أنظمة الكمبيوتر، فهي محاولة لتقليد سلوك البشر ونمط تفكيرهم وطريقة اتخاذهم القرارات، والتي تتم من خلال دراسة سلوك البشر عبر إجراء تجارب على تصرفاتهم ووضعهم في مواقف معينة ومراقبة رد فعلهم ونمط تفكيرهم وتعاملهم مع هذه المواقف، ومن ثم محاولة محاكاة طريقة التفكير البشرية عبر أنظمة كمبيوتر معقدة.
واستطاع الذكاء الاصطناعي تغيير أنماط حياة البشر، حيث أصبح الانسان يعتمد بشكل رئيس في إنجاز معاملاته اليومية على استخدام محركات البحث مثل “جوجل”، أو المنصات الرقمية كـ”الفيس بوك”، أو “الميتا فيرس”، و”أمازون”، و”أوبر”، والتي تستخدم بدورها خوارزميات التنبؤ لتقديم توصيات للعملاء، بناء على بياناتهم الشخصية وتاريخ معاملاتهم على تلك المنصات الرقمية، فضلًا عن الانتشار المضطرد للطائرات المسيرة ذاتيًا والسيارات ذاتية القيادة كالسيارات التي طورتها شركتا جوجل وتسلا، والتي تعتمد على خوارزميات رسم الخرائط والبيانات التي تحصل عليها من خلال أجهزة استشعار متعددة مدمجة بها لتحديد مسار الطريق، والتي تمكنها من تحديد المواقع الجغرافية عن طريق نظام GPS ونظام التعرف البصري على الأشياء.
مفهوم العملات الرقمية
نشأت تكنولوجيا (البلوك شين blockchain) التي طورها شخص تحت الاسم المستعار “Satoshi Nakamoto” في عام 2008 لإنشاء عملة البيتكوين (Bitcoin) المشفرة، وهي تتميز بنظام الدفع اللامركزي، الذي يمكن من خلاله إرسال النقد الإلكتروني من طرف إلى آخر دون المرور عبر مؤسسة مالية، أو وسيط موثوق آخر، مما يجعل المدفوعات غير قابلة للإلغاء.
ولم يتفق القادة الدوليون والوطنيون حتى الآن على تعريف العملة الرقمية، حيث أن مصطلح العملات الرقمية يمكن أن يشير إلى العديد من المصطلحات الأخرى، مثل: العملة المشفرة، أو الأصول الرقمية، أو العملة الافتراضية، أو الأصول المشفرة، ففي الولايات المتحدة يشير الاحتياطي الفيدرالي إلى العملة المشفرة على أنها “عملة رقمية”، ويستخدم مصطلحات “الأصول الرقمية”، والعملة الافتراضية، و”الأصول المشفرة” بالتبادل([1]).
ويمكن تصنيف العملات الرقمية إلى أربع فئات، هى:
(*) رموز التبادل (Exchange Tokens): هي العملات المشفرة الشائعة مثل البيتكوين والإيثريوم، وتُستخدم هذه الرموز للتبادل مقابل العملات الورقية، أو السلع، أو الخدمات الأخرى.
(*) رموز النقود الإلكترونية (E-Money Tokens): هي عملات مشفرة يتم إصدارها من قبل شركات مالية مرخصة، وتُستخدم هذه الرموز لتوفير خدمة الدفع الإلكتروني، مثل بطاقات الائتمان، أو الخصم.
(*) رموز الأمان (Security Tokens): هي عملات مشفرة تمثل ملكية في شركة، أو مشروع، ويمكن استخدام هذه الرموز لجمع الأموال من المستثمرين.
(*) رموز المرافق (Utility Tokens): هي عملات مشفرة تُستخدم لتوفير الوصول إلى خدمة أو منتج معين، ويمكن استخدام هذه الرموز لشراء السلع أو الخدمات الرقمية أو لدفع رسوم الاشتراك .
وتعمل العملات الرقمية كوسيلة للتبادل عبر الإنترنت من خلال السماح بتحويلات القيمة دون استخدام العملة، أو القنوات المصرفية الإلكترونية، وأحد أهم الأسباب الدافعة لاستخدام العملة الرقمية، هو سهولة المعاملات عبر الإنترنت، وسهولة شراء المنتجات والخدمات عبر الإنترنت باستخدام عملة واحدة فقط، بغض النظر عن عملة المشترى الأساسية أو العملة الأجنبية المتداولة في البلد الذي يشترون فيه. وهذه العملات عالمية، وترتبط أحيانًا بأسعار صرف المعادن الصلبة، مثل الذهب أو الفضة، أو غيرها من السلع.
ومن خلال ما سبق، فإن العملات الرقمية هي نوع من العملات التي يتم تمثيلها في شكل رقمي، وليس لها وجود مادي، ويتم إنشاء العملات الرقمية واستخدامها وتداولها باستخدام تقنية البلوك تشين، وهي نظام دفتر الأستاذ اللامركزي (DLT) الذي يسجل المعاملات.
ونظام دفتر الأستاذ اللامركزي (DLT) هو نظام تخزين بيانات رقمي يتم فيه توزيع المعلومات على عدد كبير من أجهزة الكمبيوتر أو العقد، ولا يتم تخزين البيانات على خادم مركزي واحد، مما يجعلها أكثر أمانًا ويصعب اختراقها ([2]). ويمكن استخدام نظام دفتر الأستاذ اللامركزي DLT لتخزين مجموعة متنوعة من البيانات، بما في ذلك المعاملات المالية، والعقود الذكية، والسجلات الطبية، وغير ذلك. ويتمتع نظام دفتر الأستاذ اللامركزي DLT بالعديد من المزايا مقارنة بأنظمة دفتر الأستاذ التقليدية، بما في ذلك
السلامة: لا يمكن اختراق نظام دفتر الأستاذ اللامركزي DLT بسهولة لأن البيانات موزعة على العديد من الأجهزة.
الكفاءة: يمكن أن يكون نظام دفتر الأستاذ اللامركزي DLT أكثر كفاءة من أنظمة دفتر الأستاذ التقليدية لأنها لا تتطلب خادمًا مركزيًا.
الشفافية: يمكن للجميع الوصول إلى البيانات المخزنة في نظام دفتر الأستاذ اللامركزي DLT، مما يجعلها أكثر شفافية.
وأحد أكثر الأمثلة شيوعًا على نظام دفتر الأستاذ اللامركزي (DLT)، هو عملة البيتكوين Bitcoin، وهي عملة مشفرة تعتمد على تقنية (blockchain) هي نوع من نظام دفتر الأستاذ اللامركزي DLT حيث يتم تخزين البيانات في سلسلة من الكتل، وترتبط كل كتلة بكتلة أخرى، مما يخلق سلسلة لا يمكن تغييرها.
وتتميز العملات الرقمية بالعديد من الخصائص التي تميزها عن العملات التقليدية، مثل:
(&) اللامركزية: لا يتم إصدار العملات الرقمية أو تنظيمها من قبل أي سلطة مركزية، مثل الحكومة أو البنك المركزي.
(&) التشفير: تستخدم العملات الرقمية التشفير لتأمين المعاملات ومنع التزوير.
(&) السرعة: يمكن إجراء المعاملات بالعملات الرقمية بسرعة وكفاءة، دون الحاجة إلى المرور عبر البنوك، أو المؤسسات المالية الأخرى.
(&) العالمية: يمكن استخدام العملات الرقمية في أي مكان في العالم، دون الحاجة إلى تحويلها إلى عملات أخرى ([3]).
العملات الرقمية وعمليات غسل الأموال، وتمويل الإرهاب
توفر العملات الرقمية آلية لغاسلي الأموال والإرهابيين لتحويل الأموال دوليًا، مع مخاطر اكتشاف أقل من التحويلات التي تتم عبر القنوات المصرفية التقليدية، التي تجعل اكتشاف التحويلات غير القانونية، والأنشطة الإجرامية المرتبطة بها أكثر احتمالًا.
جريمة غسل الأموال
غسل الأموال هو عملية تحويل الأموال التي تم الحصول عليها من خلال أنشطة غير مشروعة إلى أموال مشروعة، ويتم ذلك من خلال ثلاث مراحل:
(*) الإدخال: إدخال الأموال غير المشروعة في النظام المالي.
(*) التقسيم: تقسيم الأموال غير المشروعة إلى مبالغ أصغر وأكثر صعوبة في تتبعها.
(*) الدمج: دمج الأموال المغسولة في الاقتصاد المشروع.
وتجعل العملات الرقمية من الصعب الكشف عن غسل الأموال، حيث يمكن استخدامها لإنشاء حسابات مجهولة وإجراء معاملات غير مسجلة، ومن هنا يمكن استخدامها للمشاركة في أنشطة غير مشروعة، مثل الاتجار بالمخدرات أو الإرهاب. ومن أشد أنواع الجرائم الإلكترونية وأخطرها جرائم المال العام، حيث تلحق هذه الجرائم بالمجني عليهم خسائر مادية كبيرة، وتمتاز هذه الجرائم بالسرعة البالغة، وصعوبة الإثبات الجنائي، ومن هذه الجرائم جرائم غسيل الأموال الإلكترونية التي تتم عبر شبكات الإنترنت.
ونشاط غسل الأموال يأخذ في الغالب طابعًا دوليًا، بحيث توزع الأدوار فيه بين أكثر من دولة، أو توزع مراحل الغسل على أكثر من مؤسسة مالية أو مصرفية، كل منها تقع في دولة مختلفة. فإذا أخذنا في الاعتبار اختلاف التشريعات بشأن الاشتراك اللاحق على الجريمة، غدا منطقيا القول بإن عمليات غسل الأموال قد لا تخضع للتجريم في بعض الأحوال، ومرجع ذلك للمبدأ الأساسي الذي يحدد نطاق سريان النص الجنائي من حيث المكان، أي تطبيقه على كل جريمة ترتكب في الإقليم الذي يسري فيه النص. والقاعدة السائدة في القانون المقارن تقضي بأن الفعل الذي تقوم به المساهمة الأصلية في الجريمة هو الذي يحدد مكان ارتكابها، ويحدد بناء على ذلك القانون الذي تخضع له. أما الفعل الذي تقوم به المساهمة التبعية في الجريمة، فليس له هذا الشأن. ويعني ذلك أن تشريعات الدولة التي يتم فيها غسل الأموال قد لا تسري على هذا النشاط لكونه مجرد فعل من المساهمة التبعية. وفي ذات الوقت، فإن الدولة التي تقع الجريمة الأصلية على إقليمها قد لا تسري تشريعاتها على نشاط غسل الأموال، باعتباره واقعًا خارج حدودها.
ومن ناحية العملات الرقمية، فهناك مخاوف تتعلق بطبيعتها غير المكشوفة، حيث تجعل هذه الطبيعة العملات الرقمية جذابة للمجرمين الذين يرغبون في غسل الأموال، أو تمويل أنشطة غير مشروعة أخرى، فعلى سبيل المثال، يقدر اليوروبول أن ما بين 3 و4 مليارات جنيه استرليني، يتم غسلها باستخدام الأصول المشفرة كل عام في أوروبا. في حين أن هذه نسبة صغيرة من إجمالي غسيل الأموال في أوروبا، فإن تقريرًا صدر مؤخرًا عن مجموعة العمل المالي لمجموعة العشرين يشير إلى أن الإبلاغ عن المعاملات المشبوهة المرتبطة بمجموعات العملات الرقمية آخذ في الازدياد.
ومن الأمثلة على جرائم غسل الأموال، قيام اثنين من الوكلاء الفيدراليين السابقين في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2012، بسرقة ممتلكات حكومية، وسرقة عملات رقمية أثناء تحقيقهم في شبكة ويب مظلمة – طريق الحرير.
والعملات الرقمية هي أداة جذابة لغسل الأموال، وتمويل الإرهاب، لأنها توفر وسيلة مرنة، وغير قابلة للاكتشاف لتحويل الأموال، حيث تسمح معظم العملات الرقمية بتحويلات غير محدودة في القيمة، مما يجعل من السهل على المجرمين نقل مبالغ كبيرة من الأموال، بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما تكون هناك قيود جغرافية أقل على تحويل العملات الرقمية.
العملات الرقمية وتمويل العمليات الإرهابية
يستخدم الإرهابيون التقنيات المبتكرة لتوسيع عملياتهم، مما يجعل من الصعب على الحكومات، والمنظمات الدولية مواجهتهم، وتتضمن هذه التقنيات استخدام المنصات الافتراضية، مثل الشبكات الاجتماعية، والألعاب عبر الإنترنت، وتطبيقات الهاتف المحمول، لجمع الأموال وغسلها، ويرجع نجاح الإرهابيين في استخدام هذه الأساليب إلى عدم وجود آليات كافية لمراقبة الاستخدام غير القانوني لهذه التقنيات وتنظيمه، كما أن الحرية الممنوحة لعملة (الألعاب) الافتراضية، تجعل من الصعب السيطرة عليها، مما يساهم في تسهيل تنفيذ جرائم مثل غسل الأموال، وتمويل الإرهاب في بيئة افتراضية.
وتمثل التحويلات المالية غير الرسمية تحديًا كبيرًا لمكافحة تمويل الإرهاب، فبينما تركز الحكومات على تنظيم المؤسسات المالية الرسمية، يلجأ الإرهابيون إلى طرق أخرى لتحويل الأموال، مثل تجارة السلع والحوالات والعملات الرقمية، على الرغم من أن العديد العمليات الإرهابية لا تتطلب مبالغ كبيرة من المال، فعلى سبيل المثال، كلفت تفجيرات السفارة الأمريكية عام 1998، والتي أسفرت عن مقتل 224 شخصًا، 10000 دولار فقط، كما كلفت تفجيرات 18 أكتوبر 2002 في بالي، والتي أسفرت عن مقتل 202 شخصًا، حوالي 20 ألف دولار، وكلفت تفجيرات قطارات مدريد عام 2004، والتي أسفرت عن مقتل 191 شخصًا، حوالي 70 ألف دولار، وتفجيرات لندن في 7 يوليو 2005، والتي أسفرت عن مقتل 52 شخصًا، كلفت من عدة مئات إلى 8000 جنيه إسترليني (ما يصل إلى 15600 دولار).
كما تلقى تنظيم “داعش” الإرهابي تبرعات خارجية لمخيمات اللاجئين من خلال وسائل مختلفة، بما في ذلك الأصول الرقمية، التي يتم تحويلها إلى أموال نقدية عبر الحوالات، عن طريق مخيمات اللاجئين، كما يستخدم تنظيما داعش والقاعدة الأصول الرقمية، مثل البيتكوين، لتمويل أنشطتهما الإرهابية، حيث يمكن إرسال الأصول الرقمية مباشرة إلى المقاتلين في شمال سوريا، أو عبر تركيا، حيث يمكنهم الوصول إليها من خلال منصات تداول الأصول الافتراضية، ويستخدم التنظيمان أيضًا وسائل التواصل الاجتماعي لطلب التبرعات بالأصول الافتراضية. بالإضافة إلى ذلك، تستخدم الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة قسائم الأصول الافتراضية لتحويل الأموال إلى الأعضاء في سوريا.
ومثال ذلك عندما أدينت الأمريكية زوبيا شهناز (Zubia Shahnaz)، مواطنة أمريكية كانت تعمل في الولايات المتحدة الأمريكية كفني مختبر، أدينت بتحويل أكثر من 85000 دولار أمريكي إلى تنظيم “داعش” الإرهابي، وبعد أن حصلت على الأموال عن طريق قروض من البنك عن طريق إخفاء هويتها الأصلية، واستخدام العديد من بطاقات الائتمان، ثم استخدمت تلك الأموال لشراء العملة الرقمية، مثل البيتكوين، ثم نقلت شهناز العملة الرقمية إلى داعش عن طريق توجيهها إلى الأفراد الذين يعيشون في باكستان والصين وتركيا.
ومن خلال ما سبق، فيمكن استخدام العملة الرقمية لتمويل الإرهاب في أي دولة من خلال الخطوات التالية:
(&) الحصول على العملة الرقمية: يمكن للممولين الإرهابيين شراء العملة الرقمية من خلال منصات التداول عبر الإنترنت، أو من وسطاء العملات الرقمية.
(&) تحويل العملة الرقمية إلى عملة ورقية: تحويل العملة الرقمية إلى عملة ورقية من خلال صرافة عملات، أو مبادل سلع.
(&) استخدام العملة الورقية لتمويل أنشطة إرهابية: استخدام العملة الورقية لشراء الأسلحة، أو المعدات، أو الخدمات اللازمة لشن هجوم إرهابي .
دور الذكاء الاصطناعى في عمليات غسل الأموال، وتمويل الإرهاب
دعت مجموعة العمل المالي (FATF) إلى استخدام التكنولوجيا لتعريف وكشف أنشطة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، حيث تترك المعاملات المالية آثارًا إلكترونية، يمكن معالجتها وتحليلها من أجل تكوين نظرة ثاقبة حول السلوكيات المالية لأولئك المنخرطين في نشاط غير مشروع، أو حتى لإثبات الارتباط الإجرامي. عن طريق تقنية التعلم الآلي المتميز بها الذكاء الاصطناعى، في دعم برامج مكافحة غسل الأموال، حيث يمتلك التعلم الآلي قدرة على التعامل مع كميات كبيرة من البيانات، المنظمة وغير المنظمة، وقدرته على اكتشاف أنماط السلوك المالي التي يقوم بها أولئك المنخرطون في نشاط غير مشروع ([4]).
ويؤكد القرار رقم (14067)، الصادر عن وزارة الخزانة الأمريكية، بتاريخ 20 سبتمبر 2022، على أن الأصول الرقمية يمكن أن تستخدم لتمويل الأنشطة غير المشروعة، بما في ذلك غسل الأموال، وتمويل الإرهاب، الأمر الذى يلزم حكومة الولايات المتحدة باتخاذ إجراءات لمعالجة هذه المخاطر، بما في ذلك تحسين مراقبة المخاطر، والتعاون الدولي، وتعزيز اللوائح، وقد حدد هذا القرار خطة عمل هذه الإجراءات، والتى تشمل:
– رصد المخاطر من خلال جمع البيانات وتحليلها لتحديد المجالات التي قد يكون فيها الأصول الرقمية عرضة للاستغلال.
– العمل مع الشركاء الدوليين لتحسين التعاون بشأن تطبيق المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
– تعزيز اللوائح وأطر التشغيل الخاصة بالحكومة الأمريكية لمكافحة الأنشطة غير المشروعة.
– تحسين امتثال القطاع الخاص للقوانين واللوائح المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
– تحسين تبادل المعلومات بين الحكومة والقطاع الخاص.
– تبدأ خطة العمل بإلقاء نظرة عامة على مخاطر التمويل غير المشروع والجهود التي تبذلها الحكومة الأمريكية للتخفيف من هذه المخاطر قبل وضع هذه الإجراءات ذات الأولوية.
كما يمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي في تتبع الأموال المشتبه بها عبر الحدود، وذلك من خلال الإجراءات الآتية:
أولًا: تحليل البيانات ([5]):
يتمثل جوهر الذكاء الاصطناعى في القدرة على تحليل البيانات، أكثر من أداء أية وظيفة أخرى ، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل كميات كبيرة من البيانات المالية بسرعة وكفاءة. تتعلق هذه البيانات الضخمة بمجموعات البيانات المجمعة، التي يتم تحليلها بواسطة برمجيات التحليل الكمي باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومنها: (التعلم الآلي، والشبكات العصبية، والروبوتات).
ويتم معالجة البيانات عن طريق ترتيبها وتنظيمها وتحليلها بغرض الاستفادة منها، والحصول على نتائج معينة من خلال استخدامها. ويمكن استخدام قدرة الذكاء الاصطناعى على تحليل البيانات في تحسين عمليات الكشف عن الاستخدام غير المشروع للعملات الرقمة، وعمليات تمويل الإرهاب الخاصة بها، وعن طريق تحليل البيانات أيضا يمكن التنبؤ بتلك العمليات، وبالتالى المساعدة على اتخاذ قرارات خاصة بمنع تلك العمليات، ومواجهتها.
ثانيًا: التنبؤ بالعمليات غير المشروعة، وتتبع الأموال:
1- التنبؤ بالعمليات غير المشروعة
يمكن للذكاء الاصطناعى القيام بعملية التنبؤ بشئ سيحدث في المستقبل، وذلك باستخدام بيانات التاريخ، والتحليل الإحصائي، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي استخدام البيانات التاريخية لتدريب نماذج يمكنها بعد ذلك استخدامها للتنبؤ بالأحداث المستقبلية.
وقدرة الذكاء الاصطناعى على التنبؤ تأتى نتيجة لاستخدام التعلم الآلي، حيث يمكن للأنظمة الذكية تعلم أنماط البيانات باستخدام التعلم الآلي، ثم استخدام هذه الأنماط لتوقع الأحداث المستقبلية.
ويعتمد الذكاء الاصطناعى في التنبؤ بالعمليات غير المشروعة على نوعين من البيانات، هى:
– بيانات السلوك: يمكن استخدام بيانات السلوك، مثل بيانات المعاملات المالية وبيانات الاستخدام عبر الإنترنت، لتحديد الأنماط التي قد تشير إلى الاحتيال.
– بيانات المخاطر: يمكن استخدام بيانات المخاطر، مثل بيانات الجرائم السابقة، وبيانات التهديدات الأمنية، لتحديد الأشخاص، أو الأنشطة التي قد تكون غير مشروعة.
2- تتبع الأموال غير المشروعة
طريقة أخرى لاستخدام الذكاء الاصطناعي لتتبع الأموال هي استخدام التعلم الآلي، حيث يمكن للتعلم الآلي تعلم أنماط السلوك المالي من البيانات السابقة، التي قام بتحليلها، والتعلم التلقائي (التعلم الآلي) Machine Learning هو أحد فروع الذكاء الاصطناعي (AI) التي تهتم بتصميم، وتطوير خوارزميات، وتقنيات تسمح لأجهزة الحاسب الآلي بامتلاك خاصية “التعلم”، والتطبيقات البرمجية تصبح أكثر دقة في تنبؤ النتائج دون القيام ببرمجتها بشكل صريح.
والقدرة على التعلم ليست مجرد خوارزمية تحقق هدفًا معينًا، بل هي اكتساب المعلومات، ووضع قواعد استخدام هذه المعلومات، وخلق علاقات بينها، اتخاذ قرارات بناء على عملية تحليل المعلومات.