عبدالسلام فاروق يكتب.. حكمة الخليج

في السياسة، كما في الحياة، النصر له آباء كثيرون، والفشل يتيم لا أب له. بعد كل أزمة، وبعد كل حرب، وبعد كل وقف لإطلاق النار، نجد أنفسنا أمام موكب من المدعين، كل يشرح كيف كان هو العقل المدبِر، وكيف كانت خطته هي التي أوصلت المنطقة إلى بر الأمان.

لكنني، وقد قضيت عمري أرصد تناقضات هذه المنطقة وأحلل تعقيداتها، أستطيع أن أقول بثقة، النصر الحقيقي ليس ما يعلن في المؤتمرات الصحفية، ولا ما تزين به البيانات الرسمية. النصر الحقيقي هو ذلك الشيء الصامت، غير المرئي، الذي لا يلاحظ إلا عندما يفتقد. إنه مثل الهواء النظيف، لا تشعر بقيمته إلا عندما يختفي.

وهذا تحديداً ما فعلته المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي في الأسابيع والأشهر الماضية.

دعوني أقولها صراحة . كنا جميعاً، وأنا واحد منكم، ننتظر الأسوأ. المنطقة برمتها كانت على شفا جرف هائل. حروب في مكان، وتهديدات في مكان آخر، وأياد خفية – نعرفها جميعاً ولا حاجة إلى تسميتها – كانت تعمل ليلاً ونهاراً على هدف واحد، خلط الأوراق. ليس لأنهم يحبون الفوضى لمجرد الفوضى، لكن لأن الفوضى هي التي تخلق الفرص، والفوضى هي التي تخفي الجرائم، والفوضى هي التي تسمح لمن لا يملكون مشروعاً حقيقياً بأن يمارسوا سياسة الابتزاز الإقليمي.

كانوا يريدون توسيع رقعة الحرب. حرب كانت قد توقفت مؤقتاً، لكنها كانت تنتظر شرارة واحدة لتعود بقوة مضاعفة. والجميع كان يعرف ذلك. القنابل كانت مشحونة، والأعصاب متوترة، والإقليم كان مثل برميل بارود ينتظر عابثاً يلقي فيه عود ثقاب.

ثم جاء الرد الخليجي. وهنا يختلف المحللون. بعضهم قال إن الرد كان ضعيفاً، وبعضهم قال إن الخليج تخلى عن حلفائه، وآخرون قالوا إن الصمت الخليجي كان خطأ استراتيجياً فادحاً.

وأنا أقول لكم كل هؤلاء مخطئون. ليس لأنهم أغبياء، بل لأنهم يفكرون بمنطق الاندفاع لا بمنطق الحكمة.

لماذا؟ لأن الرد الخليجي لم يكن صاروخاً مقابل صاروخ. لم يكن حرباً مفتوحة، ولا إرسال دبابات إلى حيث لا ينبغي أن تذهب الدبابات. الرد الخليجي كان.. ضبط النفس.

وهنا تكمن المفارقة التي لا يفهمها كثيرون في الشرق الأوسط. حيث تقاس الرجولة غالباً بحجم السلاح وقصر زمن الانتقام، ينظر إلى ضبط النفس على أنه ضعف. وهذا خطأ كبير. إنما هو أكبر خطأ استراتيجي يمكن أن يقع فيه محلل.

ضبط النفس، في السياسة الدولية، هو أقوى الأسلحة. لماذا؟ لأنه يحرم خصمك من هدفه الأساسي. خصمك يريد أن يجرك إلى مستنقع. يريد أن يجعلك تقاتل في توقيته، وعلى أرضه، ووفق القواعد التي يضعها. عندما ترفض، عندما تقول لا، عندما تختار ألا تمنحه ما يريد، فإنك لا تكون ضعيفاً. بل تكون ذكياً. تكون الشخص الذي قرأ اللعبة أفضل من الآخرين.

دعوني أعطيكم مثالاً بسيطاً من الحياة اليومية. عندما يستفزك أحدهم في الشارع محاولاً إيقاعك في مشاجرة، من يكون الأقوى؟ أمن يندفع ويضرب؟ أم من يبتعد ويترك المستفز وحيداً مع غضبه؟

في السياسة، كما في الحياة، الانضباط هو علامة القوة الحقيقية.

ما فعلته الرياض وأبوظبي والكويت والدوحة ومسقط والمنامة هو أنهم قرأوا الخريطة بشكل صحيح. أدركوا أن الرد الانفعالي السريع قد يمنحهم بعض اللحظات البطولية على شاشات التلفزيون، وقد يرضي الجماهير الغاضبة التي تريد دماً بدلاً من الدم، لكن ثمن هذا الرد سيكون فادحاً: حرب إقليمية شاملة، وأطراف جديدة تدخل الصراع، وأعداء الأمس قد يصبحون حلفاء اليوم والعكس صحيح، والفوضى التي يريدها الآخرون ستتحقق على أرض الواقع.

ثم حصل ما أراده العقلاء، توقفت الحرب. ليس لأن أحداً هزم عسكرياً، وليس لأن الأقوى استسلم للأضعف. توقفت الحرب لأن الجهة التي كانت تملك زمام المبادرة – أي الخليج – اختارت ألا تلعب اللعبة التي أراد لها الآخرون أن تلعبها. اختارت ألا تكون أداة في يد من يريدون حرق المنطقة فقط ليروا كيف تبدو النار حين تأكل كل شيء.

هذا هو النصر الحقيقي. نصر لا يكتب في كتب التاريخ العسكري حيث تخلد الانتصارات بعدد القتلى ومساحة الأرض. هذا نصر يكتب في تاريخ السياسة، في تاريخ الاستقرار، في تاريخ الحكمة الإنسانية. إنه نصر لا يقاس بالدبابات المدمرة، بل بالكوارث التي تم تجنبها.

كم عائلة لم تفقد ابناً؟ كم مدينة لم تقصف؟ كم طفلاً لم يصب بالصدمة؟

هذه هي المقاييس الحقيقية. لكن، للأسف، لا أحد يحتفل بها.

والأهم من كل هذا، أن هذا النصر يقطع دابر الفتنة. يقطع الطريق على من يريد أن يمدد الحرب، وأن يطيل أمدها، وأن يجعلها مفتوحة بلا نهاية. لأن الحروب، كما نعرف جميعاً، حين تطول تصبح هدفاً في حد ذاتها. تصبح صناعة، ومصدر رزق للبعض، وإدماناً يصعب التخلص منه.

هناك نقطة أخرى لا ينبغي أن نغفل عنها. الحكمة الخليجية هذه لم تأت من فراغ. هي نتاج تراكم تجارب مؤلمة، ونتاج عقود من التعامل مع أزمات المنطقة، ونتاج إدراك عميق أن الشرق الأوسط لا يحتمل حرباً أخرى، وأن الخليج بالذات لا يحتمل أن يكون ساحة لهذه الحرب. هناك مصالح، استثمارات، رؤى مستقبلية، مشاريع عملاقة. كل هذه يمكن أن تتبخر في لحظة إذا انزلقنا إلى مستنقع الحرب.

وفي النهاية، التاريخ لا يسأل من كان الأقوى في لحظة الغضب؟

التاريخ يسأل سؤالاً آخر، أعمق وأكثر أهمية من كان الأعقل حين كان الآخرون يفقدون صوابهم؟ من استطاع أن يضع يده على نبض اللحظة فيقرأها بشكل صحيح؟ من فضَّل المصلحة الاستراتيجية البعيدة على المكاسب التكتيكية القريبة؟

هذا سؤال – وأنا متأكد – أن إجابته ستكون مشرفة لأبناء هذه المنطقة. ليس لأنني متفائل بطبعي – وأنا لست كذلك كما يعرف قرائي – لكن لأنني رأيت بأم عيني كيف تعامل الخليج مع هذه الأزمة، وكيف خرج منها بأقل الخسائر وأكبر المكاسب.

هذه ليست مصادفة. هذه سياسة. هذه حكمة. وهذا، بكل معنى الكلمة، هو النصر الحقيقي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى