على محمد الشرفاء يكتب.. القرآن مرجع العبادات وميزان الحق

حين نعلن أننا مسلمون، فإن أول مقتضيات هذا الإعلان أن نجعل القرآن الكريم المرجع الأعلى، والحاكم على كل قول، وكل فتوى، وكل ممارسة تعبدية.
فالقرآن ليس كتاب مواعظ مجردة، ولا نصوصًا تُتلى في المناسبات، بل هو كتاب تشريع وهداية وميزان يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. قال تعالى: ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ﴾ الإسراء 9، وقال سبحانه: ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ﴾ النحل 89.
فإذا كان القرآن تبيانًا لكل شيء في أمر الهداية والتشريع، فكيف يجوز لمسلم أن يبحث عن حكم عبادة في غيره قبل أن يرجع إليه؟ وكيف نقبل أن تتحول الروايات والأقوال البشرية إلى مرجع يزاحم كلام الله أو يعلو عليه؟
إن المنهج الحق يقتضي أنه متى سمعنا أو قرأنا أمرًا يتحدث عن عبادة أو يحدد حكمًا شرعيًا، فعلينا أن نعرضه على كتاب الله. فإن وجدنا له نصًا صريحًا أو أصلًا واضحًا في القرآن التزمناه طاعة لله، وإن لم نجد له أصلًا في كتاب الله وجب التوقف وعدم نسبته إلى التشريع الإلهي. لأن الله سبحانه حذر من الافتراء عليه فقال: ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ الأعراف 33. القول على الله بغير علم من أعظم الجرائم، لأنه ينسب إلى الله حكمًا لم يشرعه.
زكاة الفطر نموذج للمراجعة
من القضايا التي يكثر حولها الجدل مسألة قيمة وموعد زكاة الفطر. فإذا أردنا أن نحتكم إلى القرآن وحده وجب أن نسأل: أين النص الذي يحدد هذا الفرض باسمه ووقته ومقداره؟
إن القرآن حين تحدث عن الزكاة جاء بها في إطار عام مرتبط بالإنفاق والتزكية، ولم يربطها بموعد سنوي محدد ولا بمناسبة زمنية معينة. قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ﴾ البقرة 267. فالأمر هنا واضح: الإنفاق من طيبات ما كسبتم، أي إن مناط الأداء هو تحقق الكسب، فمتى وجد الكسب وجد موجب الإنفاق. ولم يقل سبحانه: أنفقوا مرة في العام، ولم يقل: انتظروا موعدًا بعينه، بل ربط الأداء بحصول الرزق.
ومن هنا يُفهم أن من يحقق أرباحًا متكررة، سواء من تجارة أو أسهم أو أعمال حرة، فإن باب الإنفاق مفتوح في كل وقت، لأن العطاء مرتبط بحصول النعمة. نسبة الزكاة في القرآن ورد في قوله تعالى: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ الأنفال 41. فهنا حُددت نسبة الخمس، أي عشرون في المائة من الغنيمة، والغنيمة هي ما يتحقق من كسب زائد.
فمن صدق إيمانه لن يستكثر على طاعة الله أن يُجنّب عشرين في المائة من مكاسبه تقربًا إلى الله، لأن المال في حقيقته ملك لله. قال تعالى: ﴿ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ﴾ النور 33. فالإنسان مستخلف، لا مالك حقيقي، فكيف يبخل العبد على مالكه بما أمره به؟ ثم إن الله سبحانه رفع الحرج عن غير المستطيعين فجعل الإنفاق بحسب القدرة: ﴿ لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها ﴾ الطلاق 7. فلا ظلم ولا مشقة في تشريع الله، بل رحمة وعدل وحكمة.
التحذير من اتخاذ غير الله مشرعًا
إن الخطر الأكبر حين يتحول البشر إلى مصدر تشريع ينافس كتاب الله، وحين يصبح كلام الشيوخ والعلماء مقدمًا على نصوص القرآن. قال تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يُدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ﴾ آل عمران 23، ثم بيّن سبب انحرافهم: ﴿ ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون ﴾ آل عمران 24. الافتراء على الله هو طريق الضلال، والاغترار بالروايات والأقوال دون ردها إلى كتاب الله هو مدخل الانحراف. ويؤكد الله ملكه المطلق وسلطانه الكامل بقوله: ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ﴾ آل عمران 26. فمن كان هذا وصفه فلا يشاركه أحد في التشريع.
كما حذر المؤمنين فقال: ﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ﴾ آل عمران 28، ﴿ ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد ﴾ آل عمران 30. فالتحذير الإلهي صريح، والمرجع واحد، والمصير إليه وحده.
شكوى الرسول من هجر القرآن
أخطر ما يمكن أن تقع فيه الأمة هو هجر كتاب ربها. وقد سجل القرآن شكوى الرسول نفسه: ﴿ وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا ﴾ الفرقان 30، وهجر القرآن ليس فقط بترك تلاوته، بل أخطر من ذلك ترك تحكيمه، وترك جعله المرجع الأعلى في التشريع.
إن العودة الصادقة إلى الله تبدأ من هنا: من رد كل قول إلى كتابه، ومن وزن كل عبادة بميزانه، ومن رفض كل حكم لا يقوم على نص قرآني واضح.
خاتمة
إن القرآن هو العهد بين الله وعباده، وهو الميزان الذي لا يختل، والنور الذي لا ينطفئ. فمن أراد النجاة فليلزم شرعة الله ومنهاجه، وليكف عن اتباع أقوال البشر إذا خالفت كتاب الله، وليعلم أن القوة والعلم والملك كله لله، وأن من يدّعون سلطة دينية لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا. قال تعالى: ﴿ إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ يوسف 40. فالواجب على كل من يدعي الإسلام أن يجعل القرآن أمامه، يحكمه في عباداته، وفي معاملاته، وفي تصوراته. عندها فقط تستقيم الأمة، ويعود للدين صفاؤه، ويتحقق وعد الله بالهداية لمن تمسك بكتابه: ﴿ فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ﴾ طه 123.