معايير تحديد الحد الأدنى للأجور

عبدالفتاح الجبالي

يعد من نافلة القول بأهمية وضرورة العمل على وضع حد أدنى حقيقي للأجور، يتناسب مع مستويات المعيشة، ويتحرك سنويا وفقا لمعدلات التضخم المعلنة من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، على أن يكون هذا الحد جزءا لا يتجزأ من عقود العمل الجماعية والفردية ويضمن الحفاظ على مستوى ملائم من العمالة فى المجتمع. ويظل التساؤل الأساسي هو كيفية تحديد الحد الأدنى للأجور؟
وقد احتل هذا الموضوع مكانة متميزة فى الحوارات الدولية والمحلية الخاصة بأسواق العمل، وكان من الطبيعي أن تهتم به المؤسسات الدولية وبصفة خاصة منظمة العمل الدولية، التي أصدرت الإتفاقية الخاصة بهذا الموضوع في يونيو 1970 ووضعت العديد من النصوص الكفيلة بضمان حصول العامل على حد أدنى للأجور. مع ضرورة أن تتعهد الدول بوضع نظام للمستويات الدنيا للأجور يغطى جميع العاملين بأجر»، وان هذا الحد لا يجوز تخفيضه، كما وضعت الإتفاقية العناصر التي يجب أن تؤخذ في الإعتبار عند تحديد هذا المستوى وهى احتياجات العمال وعائلاتهم مع مراعاة المستوى العام للأجور في المجتمع وتكاليف المعيشة وإعانات الضمان الإجتماعي ومستويات المعيشة بالنسبة للمجموعات الإجتماعية الأخرى. وكذلك العوامل الإقتصادية ومنها متطلبات التنمية الإقتصادية والإجتماعية ومستويات الإنتاجية والرغبة في بلوغ مستوى مرتفع من العمالة والحفاظ عليه.
وهو ما أخذ به المشرع المصري الذى كان حريصا على ضمان حصول العامل على الأجر العادل، مع وضع حد أدنى للأجور. ورغم ذلك ظلت المنظومة الأجرية في مصر تعاني التشتت الكبير في سياسة الأجور بين جداول مرتبات جامدة، وترك الحرية الكاملة لبعض المؤسسات والكيانات في تنظيم هذه العملية.
وهنا تطرح عدة تساؤلات: هل يتم وضع حد أدنى للأجور على مستوى الإقتصاد ككل بغض النظر عن القطاع الإقتصادي أم أن كل قطاع يمكن أن يوضع له حد أدنى مختلف؟ وثانيا هل يتم وضع حد أدنى على مستوى المجتمع ككل أم من الضروري التفرقة بين الأقاليم المختلفة؟ وعلى الجانب الآخر ماهى الجهة المنوط بها وضع هذا الحد هل هي الحكومة أو النقابات العمالية أو في الاتفاقات الجماعية؟
هناك العديد من العوامل التي تجعل كل قطاع يختلف عن غيره من القطاعات الأخرى، من حيث مستوى المهارات المطلوبة وطبيعة العمل ذاته، فالعمل في القطاع الحكومي يختلف كثيرا عن العمل في الصناعات التحويلية أو الإنتاجية وغيرها من القطاعات الإقتصادية الأخرى. وبالتالي يصبح من الأسلم وضع حد أدنى للأجور لكل قطاع على حدة، بحيث يختلف فيما بين القطاع الحكومي والقطاعات الأخرى. وذلك حتى يتناسب الأجر الذي يتقاضاه العامل مع الجهد الذي يبذله ومستوى مهارته (الإنتاجية). إلا أن الوضع الحالي فى مصر لا يسمح بانتهاج هذه السياسة فى الآونة الحالية وبالتالي حسنا فعلت الحكومة بوضع حد أدنى موحد لجميع القطاعات.
أما عن الجهة المنوط بها وضع هذا الحد فهي المجلس القومي للأجور، وهو ما يتطلب تفعيل دوره ليصبح الفاعل الرئيسي والذي يضع الاستراتيجية المناسبة للتعامل مع كافة الأمور المرتبطة بالأجور والمرتبات في المجتمع سواء كان قطاعا عاما أم خاصا، مع منحه الصلاحية الكاملة لتنفيذ ما يراه مناسبا من سياسات. وهو ما يتطلب بدوره إعطاء المجلس الصلاحية الكاملة في إقرار العلاوة السنوية وفقا لما يراه من متغيرات اقتصادية واجتماعية معينة وما يتوقعه من سياسات وإجراءات. وذلك بدلا من الوضع الحالي لأن ذلك أفقد المجلس أهم آليات التعامل فى هذه المسألة كما أن تحديد العلاوة بالأجر التأميني فقط فيه ظلم شديد للعاملين وبالتالي يجب أن يعطى المجلس الصلاحية الكاملة فى هذه المسألة. وهنا توجد عدة مناهج أساسية لتحديد قيمة هذا الحد الأول يركز على الإحتياجات الأساسية والثاني على المستوى العام الأجور والثالث على الإنتاجية. فإذا ما استبعدنا المنهج الثالث الخاص بالإنتاجية للعديد من الصعوبات التي يمكن أن تصادف الباحث عند تحديد هذه المستويات فضلا عن بعض الإعتبارات الأخرى، فأننا نرى أنه وبالنسبة إلى تكاليف المعيشة يتم أولا تحديد الإحتياجات الأساسية للقطاع العائلي منخفض الدخل وتشمل السلع والخدمات التي تستحوذ على نسبة كبيرة من إنفاق هذا القطاع فى المتوسط وفقا لبحث الدخل والإنفاق، ثم تتحدد تكلفة الحصول على هذه الخدمات بالإستعانة بالتقارير الدورية عن متوسط أسعارها. وهنا يرى البعض أن الحد الأدنى للأجر هو الذي يستطيع به الفرد العيش قريبا من خط الفقر. إذ انه يعادل إنفاق ما يكفي بالكاد للوفاء بإحتياجات الغذاء الأساسية وأكثر قليلا من الإحتياجات غير الغذائية. ولايمكن بالطبع الركون إلى هذا الحد، حيث لا يمكننا التسليم بعيش الأفراد عند مستوى قريب من حد الفقر، كما انه يغفل أن العامل غالبا ما يعول أكثر من فرد وبالتالي فهذا الحد خاص بفرد واحد فقط. وهنا نشير إلى أن تحديد الحد الأدنى للأجور يتطلب معرفة العديد من الأمور بعضها يتعلق بالخزانة العامة للدولة وقدرنها على تحمل أعباء الزيادات المتوقعة من جهة، وأوضاع صناديق المعاشات والتأمينات الإجتماعية في ضوء حساباتها الإكتوارية من جهة أخرى.
في ضوء ما سبق نرى أن الحد الأدنى للأجور ينبغى أن يزيد على حد الفقر الذي يضعه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وأن هذا الحد يقل عن نصف متوسط الأجر السائد بالنسبة للعاملين فى الجهاز الحكومي. وألا تتحمل الخزانة العامة إلا جزءا يسيرا من هذه الزيادات.

نقلا عن جريدة الأهرام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى