عبد السلام فاروق يكتب.. أمريكا تعيد رسم خريطة اللعبة الدولية

تبدو اللحظة الراهنة من التاريخ الدولي كأنها على حافة جرف يوشك أن يبتلعها ليصنع تاريخاً جديداً بقوانين مختلفة وصيغة غامضة مجهولة الشكل والملامح.. عالمنا القديم الذي اعتاد لعقود أن يدور في فلك قوة واحدة، بات فجأة بلا مركز ولا ميزان وبلا يقين مستقر!
في هذا السياق المضطرب، لا تأتي وثيقة الأمن القومي الأمريكية لعام 2025 بوصفها بيان سياسات عابر لحدود العقل والجغرافيا، كإعلان صريح عن نهاية سردية كاملة حكمت النظام العالمي منذ سقوط جدار برلين. إنها اعتراف متأخر من واشنطن بأن زمن الهيمنة الأحادية قد استنفد طاقته، وأن الشرطي العالمي قرر أن يخلع بزته الثقيلة، أو يعيد تفصيلها على مقاس أضيق.
الوثيقة ترسم ملامح انتقال أمريكي حاد من عولمة تبشيرية إلى واقعية قومية منكمشة، حيث تعاد السيادة الوطنية إلى الصدارة، وتقاس التحالفات بميزان الربح والخسارة، لا بميزان القيم والمبادئ الإنسانية الجامعة.. في ثنايا هذا التحول، تنقلب البوصلة الإقليمية، فتصعد أمريكا اللاتينية إلى القلب، وتتراجع أوروبا إلى الهامش، ويعاد تعريف الخصوم في الصين وروسيا، بينما يدار الشرق الأوسط وأفريقيا بمنطق الانسحاب الواثق لا الالتزام الطويل.
في السطور التالية أحاول تفكيك هذه اللحظة المفصلية، وقراءة ما وراء اللغة الدبلوماسية الهادئة، للكشف عن التناقضات العميقة في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، وعن المخاطر التي قد يولدها عالم يسحب منه القائد، دون أن يولد فيه بديل قادر على حفظ التوازن.
عالم ما بعد العولمة
بينما كان العالم لاهث الأنفاس أمام مآلات الحرب الروسية الأوكرانية وميزان الشد والجذب بين واشنطن وبكين، خرجت وثيقة الأمن القومي الأمريكية لعام 2025 لتقدم إجابة لم تكن في حسبان أحد؛ إجابة لا تلامس فقط أسئلة المصير، بل تعيد صياغة قواعد اللعبة الدولية من جذوره؛. فالوثيقة الصادرة عن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إعلان قاطع عن نهاية حقبة كاملة: حقبة الهيمنة الأمريكية الأحادية التي أعقبت الحرب الباردة. إنها اعتراف رسمي، صادر من قلب واشنطن، بأن الولايات المتحدة لم تعد راغبة، ولا قادرة، على حمل العالم فوق كتفيها كأطلس معاصر، وأن ما عرف بـ«اللحظة أحادية القطبية» قد أُسدل عليها الستار بلا رجعة.
التحول المعلن يتمثل في الانتقال من الليبرالية العالمية التبشيرية إلى ما تصفه الوثيقة بـ«الواقعية المرنة»؛ رؤية لا تسعى إلى إعادة تشكيل الدول وفق النموذج الأمريكي، بل تقبل العالم كما هو، بتناقضاته وحدوده. غير أن هذه اللغة الهادئة تخفي تحت سطحها زلزالاً استراتيجياً عميقاً: إعادة تموضع جذرية للولايات المتحدة، وانسحاباً محسوباً من مسارح الصراع التقليدية، وهجمة أيديولوجية غير مسبوقة على أوروبا، وتحولاً حاداً نحو النصف الغربي من الكرة الأرضية.
يبدو المشهد كما لو أن قبطان السفينة الأمريكية غير وجهته فجأة، تاركاً الحلفاء في عرض البحر، بينما يتأمل المنافسون فراغاً استراتيجياً يتشكل على مهل.
فلسفة سياسية مختلفة
هذا الانقلاب في الأولويات ليس إجراءً تكتيكياً عابراً، بل تعبير عن فلسفة سياسية جديدة تعيد «الدولة–الأمة» إلى قمة الهرم الدولي. فالوثيقة تعلن بلا مواربة أن الوحدة الأساسية للنظام العالمي ليست القيم الكونية ولا المنظمات العابرة للحدود، بل الدولة ذات السيادة.إنه تمجيد صريح للسيادة الوطنية في لحظة تاريخية تشكك فيها الولايات المتحدة نفسها بقدرتها على فرض نموذجها الأيديولوجي خارج حدودها.
الأكثر دلالة هو التخلي شبه الكامل عن لغة التنافس بين القوى العظمى التي هيمنت على الاستراتيجيات الأمريكية منذ عام 2017. لم تعد روسيا تهديداً حاداً، ولا الصين التحدي المصيري. وبدلاً من ذلك، تتحدث الوثيقة عن إدارة العلاقات الأوروبية مع روسيا، وإعادة التوازن للعلاقات الاقتصادية مع الصين، هذا التحول لا يعني تخفيفاً للتوتر بقدر ما هو إقرار ضمني بأن واشنطن تسعى إلى إعادة رسم ساحات الصراع بما يتلاءم مع قدرتها ورغبتها الجديدتين.
سياسة الديمقراطية في مواجهة الاستبداد، التي شكلت عمود الخطاب الأمريكي في السنوات الأخيرة، تطوى بدورها. فـ«أمريكا أولاً» لم تعد شعاراً انتخابياً، تحولت إلى هندسة جيوسياسية تقاس فيها التحالفات والعداوات بميزان المنفعة المباشرة للأمن والاقتصاد الأمريكيين. والنتيجة انتقال واضح من دور القائد المنظم للنظام الدولي إلى دور قومي انعزالي، أكثر بروداً وأقل التزاماً.
أمريكا اللاتينية في قلب البوصلة
في صميم هذه الرؤية الجديدة تقف قارة طالما وضعت على هامش الحسابات الكبرى: أمريكا اللاتينية. فاستراتيجية 2025 تضع النصف الغربي من الكرة الأرضية في صدارة الأولويات، متقدماً على آسيا وأوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا .إنها عودة محدثة لمبدأ مونرو، لكن بنكهة ترامب الخاصة: إعادة إعلان لحق الهيمنة الحصرية في الأمريكتين، تحت غطاء الواقعية وحماية الأمن القومي.
الدافع الاقتصادي هنا فاضح في وضوحه. فأمريكا اللاتينية تملك مفاتيح المعادن الاستراتيجية لعصر الطاقة النظيفة: النحاس والليثيوم، كما أن قربها الجغرافي يجعلها المرشح المثالي لسياسة التصنيع بالقرب من السوق بهدف تقليص الاعتماد على الصين .لكن الخوف يقف على الجانب الآخر من المعادلة. فالوثيقة تحدد ثلاثة تهديدات آتية من الجنوب: الهجرة غير النظامية، المخدرات والجريمة المنظمة، والتغلغل الصيني المتصاعد.
الرد المقترح هو تعزيز غير مسبوق للوجود العسكري الأمريكي، وصولاً إلى إقرار الضربات الجراحية ضد ما يسمى الكارتيلات داخل أراضي دول ذات سيادة. وهنا يتفجر التناقض الصارخ: استراتيجية ترفع شعار احترام السيادة، لكنها تفتح الباب لحروب منخفضة الكثافة بلا أفق واضح!
الأخطر أن الطموح يفوق الأدوات. فالحديث عن التكامل الاقتصادي والدبلوماسية التجارية يتناقض مع سياسات واقعية من رسوم جمركية وتهديدات عسكرية علنية. النتيجة تآكل سريع في صورة الولايات المتحدة، وتنامي مشاعر العداء الشعبي، كما تظهره القفزة الحادة في النظرة السلبية لواشنطن داخل المكسيك. وهكذا، تسعى الوثيقة لاستعادة الهيمنة، لكنها تدفع المنطقة دفعاً نحو البحث عن بدائل خارج إطار هيمنتها.
أوروبا؛ من الشراكة إلى ساحة الاستهداف
إذا كانت أمريكا اللاتينية هي الهدف المحوريفى الاستراتيجية الجديدة، فإن أوروبا هي الخاسر الأكبر بلا مواربة؛ فالوثيقة لا تكتفي بتخفيض أولوية القارة العجوز، إنما تخوض في نسيجها الداخلي بلغة غير مسبوقة في العلاقات عبر الأطلسي. تصور أوروبا كقارة تواجه محواً حضارياً بفعل الهجرة وتراجع المواليد، ويُتهم الاتحاد الأوروبي بتقويض سيادة دوله وقمع حرية التعبير.
الأخطر أن التشخيص يتحول إلى وصفة علاج تتضمن تدخلاً مباشراً في السياسة الداخلية، عبر الدعوة إلى تعزيز مقاومة المسار الأوروبي الحالي من داخل الدول نفسها. وهي صياغة تقرأ كضوء أخضر لدعم الأحزاب القومية الشعبوية المناهضة للاتحاد الأوروبي. هكذا تتحول الدبلوماسية من حوار بين دول إلى دبلوماسية حزبية، تفضل واشنطن فيها شركاء أيديولوجيين؛ ولو من المعارضة، على حساب الحكومات القائمة.
في خضم هذا النسق السياسي الاستثنائي، تترك أوروبا في لحظة أمنية حرجة، مع حرب أوكرانيا، لتواجه مصيرها ببرود أمريكي لافت. فالوثيقة لا تحمل روسيا مسئولية العدوان، وتلح على إنهاء الحرب سريعاً، وتختزل الصراع في كونه «حرباً أوروبية». الرسالة واضحة: أمن القارة شأن أوروبي، والدعم الأمريكي لم يعد مضموناً.
إعادة تعريف الخصوم
تقدم الوثيقة تصوراً جديداً للصين، باعتبارها تحدياً اقتصادياً لا خصماً أيديولوجياً شاملاً. التركيز ينصب على التجارة وسلاسل الإمداد والملكية الفكرية، مع إشارة مواربة إلى تايوان توحي باستعداد لمقايضات مستقبلية.
أما روسيا، فتعالج بوصفها قوة إقليمية، لا نداً عالمياً. ويتم تجاهل ترسانتها النووية، وتوصيف حربها في أوكرانيا كصراع أوروبي، أمران يشكلان تهميشاً بقدر ما هما إعفاء وإنقاذ للسردية الروسية فى مواجهة الناتو الذي يوشك أن ينحل بتخلي أمريكا عن قيادته. وعلى ضوء هذا الفهم يمكننا تفسير الترحيب الروسي اللافت بالاستراتيجية، وتقاطعها مع الخطاب المحافظ الأوراسي.
في الوقت ذاته؛ يتراجع الشرق الأوسط إلى ذيل الأولويات، لا باعتباره فشلاً للإدارات الأمريكية السابقة، لكن باعتباره قد صار إلى ركن المهمة المنجزة!
تروج الوثيقة لسردية الاكتفاء النفطي ، وإضعاف إيران، والتقدم نحو السلام. لتصبح المحصلة: تقليص الانخراط العسكري، وتسليم إدارة المنطقة لشركاء محليين .وبالمنطق ذاته، تعامل أفريقيا كملف ثانوي، يمكن إدارته بأدوات محدودة، بينما تحرر الموارد الأمريكية لساحات أكثر أهمية.
التناقض الجوهري ولحظة التحول
وراء هذا البناء الاستراتيجي المتماسك ظاهرياً، يطفو تناقض جوهري: الوثيقة ترفض الهيمنة، لكنها تصر على امتلاك أدواتها كاملة. ترفض الحروب، لكنها تحتفظ بحق التدخل. تدعو الحلفاء لتحمل الأعباء، بينما تهاجم تماسكهم الداخلي. والأخطر أنها تختزل السياسة الخارجية في شخصية الرئيس، لا في مؤسسات مستقرة، ما يقوض المصداقية على المدى الطويل.
استراتيجية 2025 شهادة ميلاد لعالم مضطرب. عالم متعدد الأقطاب بلا منظومة بديلة تحفظ التوازن، وبلا قواعد واضحة تضمن الاستقرار.
واشنطن تعترف بانتهاء عصرها الإمبراطوري، لكنها لا تقدم بديلاً مستقراً .السؤال لم يعد: هل تنتهي الهيمنة الأمريكية؟ بل كيف سيدار هذا الانسحاب؟ وهل سيكون انتقالاً منظماً أم فوضى ممتدة؟ التاريخ فتح فصلاً جديداً، والولايات المتحدة، للمرة الأولى منذ عقود، اختارت أن تكون لاعباً داخل المشهد، لا مخرجاً يضبط إيقاعه.