أهداف خفية: لماذا تُسيس المساعدات الخارجية في إفريقيا؟

في قلب قارة تزخر بالثروات، يعيش الملايين من سكانها في فقر مدقع، ورغم تدفق المساعدات الدولية منذ عقود، فإن هذه الفجوة تتسع باستمرار. وتعود جذور هذه المعضلة إلى عوامل معقدة ومتشابكة، تشمل الإرث الاستعماري الذي نهب ثروات القارة، وسوء الإدارة الحكومية الذي أدى إلى تفاقم المشاكل، والفساد المستشري الذي يستنزف الموارد، وعدم فاعلية آليات تقديم المساعدات التي غالبًا ما تكون مشروطة بمصالح الجهات المانحة، كما يتضح في القرارات الأخيرة للاتحاد الأوروبي في أوائل عام 2024، بالحد من الأموال المخصصة للتنمية في إفريقيا، مما جعله في مرمى الانتقادات الدولية.

الإطار العام للمساعدات الخارجية

تطورت المساعدات الدولية عبر الزمن، فمن أعمال خيرية بسيطة إلى برامج مُنظمة بعد الحرب العالمية الثانية، بهدف تلبية احتياجات إعادة الإعمار. في تسعينيات القرن الماضي، تحولت بوصلة المساعدات الدولية من دعم النمو الاقتصادي إلى إرساء الديمقراطية وحقوق الإنسان. ومع ذلك، فإن هذا التحول لم يكن خاليًا من التحديات، حيث واجهت الدول المانحة صعوبات في تحقيق التوازن بين دعم الديمقراطية واحترام السيادة الوطنية للدول المستفيدة.

لم يقتصر التحول في سياسات المساعدات الدولية على تغيير الأولويات، بل امتد ليشمل ربط المساعدات بشروط محددة في مجال حقوق الإنسان، مما أدى إلى ظهور ما يعرف بـ “مشروطية المساعدات”. ومع ذلك، فإن تطبيق هذه الشروط أثار جدلًا واسعًا حول مدى فاعليتها وتأثيرها. ويكشف الواقع أن طبيعة المساعدات الدولية تتأثر بشكل كبير بالتوجهات الجيوسياسية للدول المانحة. فالدول التي تخدم مصالح هذه الجهات المانحة، سواء كانت أنظمة ديمقراطية أم غير ديمقراطية، هي التي تحظى بالأولوية في الحصول على المساعدات.

الأهداف الخفية للجهات المانحة

تهيمن الدول الغربية والمؤسسات المالية الدولية على المساعدات المقدمة لإفريقيا، لكن هذه المساعدات غالبًا ما تكون مشروطة بشروط قاسية تؤثر سلبًا على التنمية المستدامة، حيث تُجبر الدول الإفريقية على خفض الإنفاق على الخدمات الأساسية وخصخصة الشركات العامة، كما أن المساعدات العسكرية الأمريكية مرتبطة بمكافحة الإرهاب، مما قد يورط الدول الإفريقية في صراعات خارجية.

هناك أهداف خفية وراء تلك المساعدات منها:

(*) عسكرة المساعدات: يشير مفهوم عسكرة المساعدات الإنسانية إلى دمج البعد العسكري في عمليات الإغاثة، مما يحول المساعدات من عمل إنساني بحت إلى أداة لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية. ويتجلى ذلك بوضوح في مناطق النزاع، حيث يتم توجيه المساعدات بشكل استراتيجي لكسب ولاء السكان أو إضعاف الجماعات المعارضة. وتُمثل حرب بيافرا مثالًا صارخًا على كيفية استغلال الأطراف المتصارعة للمجاعة لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية، حيث فشلت المنظمات الإغاثية في أداء دورها الإنساني، مما أدى إلى تفاقم المعاناة الإنسانية وكشف عن الوجه القبيح للمساعدات الإنسانية. كما تتبع بعض الدول سياسة مزدوجة في السودان، حيث تقوم بعض الدول تحت ستار تقديم المساعدات الإنسانية، بتقديم الدعم العسكري السري لأحد الأطراف المتنازعة، مما يؤدي إلى تفاقم الأزمة الداخلية في البلاد.

(*) الاستغلال الاقتصادي: لا تخلو المساعدات الإنسانية من أبعاد سياسية واقتصادية. ففي كثير من الأحيان، يتم توجيه المساعدات إلى مناطق ذات أهمية استراتيجية للدول المانحة، وذلك بهدف تعزيز نفوذها أو تأمين مصالحها الاقتصادية. هذا التحول من المساعدات الإنسانية إلى أداة سياسية يعود إلى تزايد التنافس الدولي على الموارد والنفوذ، وارتباط المساعدات بأهداف الأمن القومي للدول الكبرى. وقد يؤدي هذا الاستخدام السياسي والاقتصادي للمساعدات إلى تقليل حياديتها وتأثيرها على العمل الإنساني. كما أن التداخل بين أهداف التنمية والإغاثة الإنسانية قد يشتت جهود المنظمات الإنسانية ويقلل من فاعليتها في تقديم المساعدات الأساسية للمحتاجين.

(*) ازدواجية المعايير: أظهرت الأزمة الأوكرانية بوضوح ازدواجية المعايير التي تحكم توزيع المساعدات الإنسانية، حيث تركز الدعم المالي بشكل كبير على أوكرانيا، مما يثير تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذا التحيز، وكيفية تأثيره على معاناة ملايين الأشخاص في مناطق أخرى من العالم. فالمقارنة بين الأزمة الأوكرانية وأزمات الشرق الأوسط وإفريقيا تكشف عن وجود ازدواجية في المعايير المتبعة، حيث تحظى مناطق معينة بأولوية أكبر على حساب مناطق أخرى، وهو ما يثير تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذا التفاوت.

أزمات كاشفة

تعاني منطقة شرق إفريقيا والقرن الإفريقي من أزمة نزوح متفاقمة، حيث دفعت الصراعات المسلحة والكوارث الطبيعية ملايين الأشخاص إلى ترك ديارهم. وقد ازدادت أعداد النازحين بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية في المنطقة. وتستغل الدول المانحة هذه الأوضاع لتحقيق أهداف سياسية، حيث يتم توزيع المساعدات بشكل انتقائي لخدمة أجندات بعيدة عن الإنسانية.

(&) إثيوبيا: تُعد المساعدات الإنسانية أداة أساسية في العلاقات الدولية، وقد تجلى ذلك بوضوح في العلاقة بين إثيوبيا والاتحاد الأوروبي. فبعد أن جمد الاتحاد الأوروبي مساعداته بسبب الصراع في تيجراي، أشار مؤخرًا إلى أنه سيتم استئنافها من جديد، مما يعكس طبيعة العلاقة المتبادلة بين تقديم المساعدات وتحقيق الاستقرار. وخلال الحرب التي دارت رحاها في إقليم تيجراي، تعرض المدنيون لمأساة إنسانية مزدوجة، حيث تسببت الحرب في تعطيل خطوط الإمداد الإنساني، وشهدت المنطقة عمليات نهب وسرقة واسعة النطاق للمساعدات المخصصة لإغاثة المدنيين، مما زاد من معاناتهم وهدد حياة الملايين. وقد تفاقمت الأزمة الإنسانية بسبب الفساد وسوء الإدارة، حيث كشفت التحقيقات عن تورط بعض المسؤولين الإثيوبيين في تحويل المساعدات الغذائية إلى تجارة مربحة، مما دفع الولايات المتحدة إلى وقف برنامج المساعدات الإنسانية.

(&) الصومال: يواجه الشعب الصومالي تحديات كبيرة في الحصول على المساعدات الإنسانية، حيث يعيق ضعف المؤسسات الحكومية والفوضى وعدم الاستقرار وصول المساعدات إلى المحتاجين. كما أن الفساد المستشري في قطاع المساعدات يزيد من هذه المشكلة، حيث يتم نهب المساعدات وبيعها في السوق السوداء. وقد كشفت فضيحة بيع المساعدات عن حجم الفساد، مما يؤكد ضرورة اتخاذ إجراءات صارمة لمحاسبة المتورطين.

في خطوة تعكس مدى خطورة الوضع الإنساني في الصومال، قررت المفوضية الأوروبية تعليق تمويل برنامج الأغذية العالمي بعد اكتشاف عمليات فساد واسعة النطاق في توزيع المساعدات، مما يهدد حياة الملايين ويضع مستقبل المساعدات في مهب الريح. عمليات توزيع المساعدات الإنسانية في الصومال تشكل بيئة خصبة للفساد، حيث تتضافر جهود جهات مختلفة لابتزاز المحتاجين وسرقة المساعدات، مما يفاقم الأزمة الإنسانية ويقوض الثقة في المنظمات الدولية. ويتعرض النازحون الصوماليون لابتزاز ممنهج من قبل المسؤولين، حيث يُجبرون على دفع جزء من المساعدات النقدية مقابل “حمايتهم”، مما يُفَاقِم معاناتهم. وتُطالب الجهات المانحة الحكومة الصومالية بتحقيق شروط صارمة لاستئناف المساعدات، بما في ذلك محاربة الفساد وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، وسط مخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية.

(&) كينيا وأوغندا: تقدم عضو البرلمان الكيني بيتر كالوما بمشروع قانون يهدف إلى حماية الأسرة، وتقييد بشدة حقوق أفراد “مجتمع الميم”. ويجرم مشروع القانون الترويج لـ”المثلية الجنسية” وأنشطة “مجتمع الميم”، ويحظر زواج “المثليين” وتبنيهم الأطفال، كما يعزز سلطة الوالدين في تحديد نوع التعليم الجنسي الذي يتلقاه أطفالهم، ويقدم تعريفًا للجنس يقتصر على الجنس البيولوجي عند الولادة.

يواجه مشروع القانون انتقادات حادة من المجتمع الدولي، الذي يرى أنه يتعارض مع حقوق الإنسان والحريات الأساسية. ويخشى الخبراء من أن يؤدي تمرير القانون إلى تجميد المساعدات الدولية التي تعتمد عليها كينيا بشكل كبير، مما سيؤثر سلبًا على مشاريع التنمية والبنية التحتية.

وعلى غرار كينيا، أقرت أوغندا قانونًا جديدًا يجرّم “المثلية الجنسية”، مما أدى إلى رد فعل غاضب من المجتمع الدولي، خاصة من الولايات المتحدة والبنك الدولي اللذين أعلنا تعليق التمويل احتجاجًا على هذا التشريع.

ختامًا، على الرغم من تقديم مساعدات إنسانية ضخمة لإفريقيا، إلا أن الدوافع وراء هذه المساعدات لا يخلو من أبعاد سياسية. فالدول المانحة تسعى من خلال هذه المساعدات إلى تعزيز نفوذها في المنطقة وتحقيق مكاسب اقتصادية، مما يثير تساؤلات حول مدى التزامها بالمبادئ الإنسانية. هذا الربط بين الإنسانية والسياسة ينتهك مبادئ العمل الإنساني التي تؤكد على تقديم المساعدات دون أي تمييز أو دوافع سياسية. كما أن توزيع المساعدات لا يخلو من التحيز والتمييز، حيث تُفَضِّل الجهات المانحة الدول التي تخدم مصالحها، وتتجاهل الدول الأخرى التي هي في أمس الحاجة إلى المساعدة.

د. جيهان عبدالرحمن جاد

د. جيهان عبد الرحمن جاد- رئيس وحدة التفكير الجماعي بالمركز والمشرف على برنامج تقديرات الموقف. الباحثة حاصلة علي الدكتوراه في التاريخ الإفريقي الحديث (كلية الدراسات الإفريقية العليا - جامعة القاهرة) - ماجستير في التاريخ الإفريقي الحديث (جامعة القاهرة) - دبلوم الدراسات الإفريقية (معهد البحوث و الدراسات الإفريقية) - (ليسانس آداب تاريخ - جامعة القاهرة). الباحثة متخصصة في الدراسات الإفريقية ولها مشاركات في العديد من مراكز الفكر والدراسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى