حسابات الجمهوريين.. هل بدأت مرحلة ما بعد ترامب؟

لم تكن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مجرد جولة انتخابية خسر فيها الحزب الجمهوري أغلبيته في الكونجرس، أو انتكاسة تقليدية يتعرض لها حزب الرئيس في منتصف ولايته، بل جاءت بمثابة زلزال سياسي أعاد رسم ملامح المشهد الأمريكي، ووجّه رسالة رفض واسعة للرئيس دونالد ترامب ونهجه السياسي، بعدما نجح الديمقراطيون في انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في تحول يحمل دلالات تتجاوز الحسابات الانتخابية إلى مستقبل الحركة الترامبية ذاتها. فالنتائج لم تعاقب الحزب الجمهوري فحسب، وإنما وضعت علامات استفهام كبيرة حول قدرة ترامب على مواصلة قيادة الحزب وفرض إرادته على الحياة السياسية الأمريكية، وكشفت عن اتساع الفجوة بين خطاب الرئيس وتطلعات قطاعات واسعة من الناخبين. إنها لحظة إعلان نهاية حقبة سياسية استثنائية، وإن كان صاحبها لا يزال في البيت الأبيض.
خسارة وازنة:
تكمن أهمية هذه الانتخابات في أنها تحولت عمليًا إلى استفتاء شعبي على أداء ترامب وشخصيته وطريقة إدارته للدولة، وليس مجرد تصويت على ملفات اقتصادية أو خلافات حزبية عابرة. فالتراجع الجمهوري امتد إلى ولايات ومناطق اعتُبرت لسنوات معاقل انتخابية آمنة للحزب، من تكساس وأوهايو إلى كانساس وكارولاينا الجنوبية وأيوا، في مشهد يعكس حجم التحول الذي أصاب المزاج الانتخابي الأمريكي. والأكثر دلالة أن الهزائم طالت مرشحين حظوا بدعم ترامب المباشر، بل إن بعضهم كانوا اختيارات شخصية منه، بما يشير إلى أن تأييد الرئيس لم يعد يمثل ضمانة للفوز كما كان في السابق، وأن العلامة السياسية التي طالما منحها ترامب لمرشحي حزبه تحولت في بعض الدوائر إلى عبء انتخابي. ومن هنا، تبدو المقارنة مع انتخابات التجديد النصفي عام 1974، التي أعقبت فضيحة ووترغيت وأطاحت بثقة الأمريكيين في ريتشارد نيكسون، حاضرة بقوة؛ فكما كانت تلك الانتخابات حكمًا شعبيًا على نيكسون، جاءت انتخابات 2026 لتضع تجربة ترامب بأكملها أمام محاكمة الناخبين.
عوامل متنوعة:
لم تكن الخسارة نتيجة عامل واحد، وإنما حصيلة تراكم أزمات سياسية واقتصادية وأخلاقية تداخلت لتصنع موجة الرفض الحالية، فبينما حاول ترامب وحزبه تفسير تراجع شعبيته من زاوية الأوضاع الاقتصادية وأسعار الوقود، كشفت استطلاعات الناخبين أن مساحة الغضب أوسع بكثير؛ إذ اعتبر 90% من المشاركين في استطلاع أجرته مؤسسة “SSRS ” أن الفساد الحكومي يمثل عاملًا حاسمًا في تحديد اختياراتهم الانتخابية. وهو مؤشر يعكس أن الناخب الأمريكي لم يعد ينظر إلى الأداء الحكومي من منظور النتائج الاقتصادية وحدها، بل بات أكثر حساسية تجاه استغلال المنصب العام، وتضارب المصالح، وتوظيف مؤسسات الدولة لخدمة الحسابات الشخصية والسياسية. ومع تصاعد الانتقادات المتعلقة بإدارة الملفات الداخلية والخارجية، تحولت هذه القضايا إلى عبء تراكمي على الجمهوريين، وأصبحت الانتخابات فرصة للتعبير عن رفض أوسع لطريقة ممارسة السلطة، وليس فقط الاعتراض على سياسات بعينها.
لعنة السياسة الخارجية:
كان للسياسة الخارجية نصيب كبير في صناعة الهزيمة الجمهورية، خصوصًا مع تداعيات الحرب على إيران التي وضعت إدارة ترامب أمام اختبار صعب بشأن قدرتها على إدارة الصراعات وتقدير تكلفتها ووضع استراتيجية واضحة لإنهائها. فالرئيس الذي قدم نفسه باعتباره قادرًا على تجنب الحروب وإنهاء النزاعات وجد نفسه متورطًا في مواجهة عسكرية امتدت تداعياتها إلى الداخل الأمريكي، وأثارت تساؤلات حول جدوى الانخراط فيها وأهدافها النهائية. ولم تعد الحرب ملفًا خارجيًا منفصلًا عن اهتمامات الناخبين، بل ارتبطت مباشرة بتقييمهم لكفاءة الإدارة، وقدرتها على حماية المصالح الأمريكية وتجنب المغامرات العسكرية المكلفة. كما كشفت الانتخابات عن حالة من التردد داخل المعسكر الجمهوري نفسه، حيث فضّل عدد من أعضائه الصمت خشية الدخول في مواجهة مع ترامب، رغم تحفظاتهم على إدارة الحرب والعلاقات الدولية. وهنا تكمن إحدى المفارقات الرئيسية؛ فالرئيس الذي طالما اعتمد على الولاء الشخصي لإحكام قبضته على حزبه، وجد أن هذا الولاء لم يعد قادرًا على حماية مرشحيه من المحاسبة الشعبية.
انعكاسات قسوة في ملف الهجرة:
يمثل ملف الهجرة أحد أكثر الملفات التي تكشف عن التحول في طبيعة القاعدة الانتخابية الأمريكية، خاصة أن ترامب نجح في انتخابات 2024 في توسيع نطاق تأييده بين الناخبين من أصول لاتينية، مستفيدًا من خطاب ركز على الأمن والاقتصاد والهجرة. لكن الممارسات الصارمة التي اتبعتها إدارته، وما صاحبها من مشاهد اقتحام الأحياء السكنية وأماكن العمل واحتجاز المهاجرين تمهيدًا لترحيلهم، ساهمت في إعادة تشكيل المواقف تجاهه. ولم يعد الأمر مقتصرًا على الخلاف حول حق الدولة في ضبط حدودها أو تنظيم الهجرة، بل امتد إلى طبيعة الوسائل المستخدمة وحدود السلطة التنفيذية واحترام الحقوق والقيم الأمريكية.
حدود المحاسبة:
لا تتوقف تداعيات الهزيمة عند خسارة الأغلبية التشريعية، بل تبدأ معها مرحلة أكثر تعقيدًا في علاقة البيت الأبيض بالكونجرس. فسيطرة الديمقراطيين على المجلسين تمنحهم أدوات رقابية وتشريعية واسعة، وتفتح الباب أمام تحقيقات تستهدف قرارات الإدارة وتصرفات الرئيس والمقربين منه، إلى جانب استدعاء مسؤولين وعقد جلسات استماع بشأن ملفات أثارت جدلًا خلال الولاية الثانية. وقد عكست تصريحات قيادات ديمقراطية عقب إعلان النتائج أن ملف المحاسبة سيكون حاضرًا بقوة في المرحلة المقبلة. وبالنسبة لترامب، فإن التحدي لا يتمثل فقط في صعوبة تمرير أجندته التشريعية، وإنما في احتمال تحول الكونجرس من ساحة لتمرير السياسات إلى منصة لمراجعة أداء إدارته وكشف تفاصيل قراراتها. كما أن هذه المواجهة قد تضع عددًا من كبار المسؤولين، وفي مقدمتهم وزير الدفاع بيت هيغسيث، تحت ضغوط سياسية ورقابية متزايدة. ومن ثم، فإن العامين المقبلين قد يشهدان واحدة من أكثر مراحل الصدام المؤسسي حدة في التاريخ السياسي الأمريكي الحديث.
موجة محتملة من القرارات المنفردة:
أمام تضاؤل فرص تمرير التشريعات، يرجح أن تتجه إدارة ترامب إلى توسيع الاعتماد على الصلاحيات التنفيذية، باعتبارها المسار الأكثر إتاحة لمواصلة تنفيذ برنامجه السياسي. فالرئيس لا يزال يمتلك أدوات واسعة للتحرك في ملفات الهجرة والإنفاق الفيدرالي والتعريفات الجمركية وغيرها من القضايا، دون الحاجة في كل مرة إلى موافقة الكونجرس. وقد يدفعه فقدان السيطرة التشريعية إلى مزيد من الاعتماد على الأوامر التنفيذية، وهو ما ينذر بتصاعد الصراع حول حدود صلاحيات الرئيس ودور المؤسسات الرقابية والقضائية في مراقبة قراراته. وبالتالي، فإن خسارة الأغلبية قد لا تعني بالضرورة انكماش نفوذ الرئيس، بقدر ما قد تدفعه إلى ممارسة هذا النفوذ بوسائل أكثر مباشرة وأقل اعتمادًا على التوافق السياسي، بما يفتح جبهة جديدة من المواجهة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
كيف يتصرف ترامب لتحسين صورته:
في الوقت الذي تضيق فيه المساحة المتاحة أمام ترامب داخليًا، قد تصبح السياسة الخارجية المجال الأكثر جذبًا لمحاولاته إعادة تثبيت حضوره السياسي وصناعة إرث رئاسي يعتد به. فالتاريخ الأمريكي يظهر أن الرؤساء في سنواتهم الأخيرة يميلون أحيانًا إلى التركيز على الملفات الدولية، حيث يتمتع الرئيس بهامش أوسع للتحرك مقارنة بالسياسات الداخلية التي تتطلب تعاونًا تشريعيًا. وبالنسبة لترامب، الذي أبدى مرارًا اهتمامًا بالحصول على جائزة نوبل للسلام، فإن إنهاء الحرب على إيران والتوصل إلى تسوية بشأن الحرب في أوكرانيا قد يمثلان فرصة لاستعادة صورته كزعيم قادر على عقد الصفقات وإنهاء الصراعات. لكن هذا الطموح يصطدم بتعقيدات الواقع، خاصة أن الحرب الإيرانية نفسها أصبحت أحد أسباب تراجع شعبية حزبه. كما أن أي محاولة لاستئناف التصعيد العسكري بهدف استعادة المبادرة قد تأتي بنتائج عكسية، وتعمق حالة الاستياء الداخلي. ومن هنا، ستتحدد قدرة ترامب على تحويل السياسة الخارجية إلى ورقة إنقاذ بمدى نجاحه في تحقيق نتائج ملموسة، لا بمجرد الظهور في القمم الدولية أو إطلاق التصريحات السياسية.
معركة ما بعد ترامب:
ربما تكون إحدى أخطر نتائج الانتخابات بالنسبة لترامب أنها أعادت فتح السؤال الذي سعى طويلًا إلى تأجيله: من سيقود الحزب الجمهوري بعده؟ فعلى مدار أكثر من عقد، نجح الرئيس في إخضاع الحزب لنفوذه، وتهميش الأصوات المعارضة، وربط مستقبل كثير من قياداته بمدى ولائها له. لكن خسارة الانتخابات بهذه الصورة تضعف منطق الزعامة المطلقة، وتمنح التيارات الجمهورية المختلفة فرصة لإعادة التفكير في مستقبل الحزب بعيدًا عن الهيمنة الشخصية لترامب. وتبرز أسماء مثل نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو باعتبارهما من أبرز الأسماء المطروحة في حسابات خلافته، بما يعكس أن المنافسة على قيادة الحزب قد تبدأ قبل الموعد التقليدي للانتخابات الرئاسية في 2028.
في النهاية، لا تعني نتائج انتخابات التجديد النصفي أن ترامب سيغادر البيت الأبيض غدًا، لكنها تعني أن قواعد اللعبة السياسية التي حكمت صعوده لم تعد تعمل بالكفاءة ذاتها، وأن الناخب الأمريكي أرسل رسالة تتجاوز رفض بعض السياسات إلى مساءلة النموذج السياسي الذي مثّله طوال السنوات الماضية. فبين كونجرس ديمقراطي يستعد للمحاسبة، وحزب جمهوري يبحث عن ملامح قيادته المقبلة، ورئيس يرفض الاعتراف بتراجع نفوذه، تدخل الولايات المتحدة مرحلة من عدم اليقين السياسي والمؤسسي. وقد تكون المفارقة الأبرز أن ترامب الذي أراد أن يجعل الانتخابات استفتاءً على شخصه وقيادته، وجد نفسه أمام استفتاء انتهى إلى منح خصومه السلطة التشريعية، وفتح الباب أمام البحث عن خليفته. إنها ليلة سقوط الهيمنة الترامبية، لا بالضرورة نهاية ترامب.