باب المندب تحت الإكراه.. التكييف القانوني للتهديدات الحوثية

بدأت الوقائع في ١٣ يوليو ٢٠٢٦، حين قالت وزارة الدفاع اليمنية إن القوات الحكومية استهدفت مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية. واتهم الحوثيون السعودية بتنفيذ الضربة، وتوعدوا بالرد. وفي ٢٠ يوليو، أعلنت الجماعة ما وصفته بحصار بحري على السعودية، وربطته بما تقول إنه حصار على اليمن. وبهذه الخطوة، انتقل التصعيد من الخلاف بشأن المطار والموانئ إلى تهديد حركة السفن في البحر الأحمر وباب المندب.
وفي ١٩ أغسطس، أعلن المتحدث العسكري الحوثي يحيى سريع أن الجماعة استهدفت ثماني ناقلات سعودية منذ بدء الحصار، وأنها منعت سفنًا أخرى من مواصلة رحلاتها. وفي ١١ سبتمبر، أفادت تقارير صحفية بسيطرة الحوثيين على جزيرة ميون، المعروفة أيضًا باسم بريم، استنادًا إلى تصريحات مسؤولين من الجانبين. وفي ٩ أكتوبر، حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من عودة البلاد إلى حرب شاملة، واتساع القتال على جبهات متعددة. وأشار إلى تقدم الحوثيين نحو المخا والساحل المحاذي لباب المندب، وإلى أن الحكومة أعلنت استعادة مناطق في محيط المضيق.
تشير الوقائع السابق ذكرها إلى أن التصعيد في اليمن لم يقتصر على مواجهة داخلية بين الحكومة والحوثيين. فمع تقدم الحوثيين على الساحل الغربي، وإعلانهم منع سفن مرتبطة بالسعودية من المرور، أصبح باب المندب جزءًا من معادلة الصراع، وأصبح أثر المواجهة يتجاوز اليمن إلى أمن الملاحة والتجارة الدولية. وتتداخل في هذا التصعيد ثلاثة أبعاد: صراع عسكري على الأرض، ومحاولة فرض سلطة سياسية عبر التحكم في الممرات، وخطاب أيديولوجي يمنح هذا التحرك مبرراته أمام أنصار الجماعة.
من هذا المنطلق، تبرز عدة أسئلة بحثية نحاول مناقشتها في هذا التحليل: ما التوصيف القانوني لإعلان الحصار وتهديد السفن؟ وكيف توظف جماعة الحوثيين خطاب غزة لتبرير تحركاتها ضد الملاحة التجارية؟ وكيف نافس الحوثيون الدولة اليمنية على وظائفها، وحاولوا صناعة شرعية أمر واقع داخل اليمن وخارجه؟
سيادة موازية:
يستخدم الحوثيون عبارة “حصار مقابل حصار” لتقديم تحركهم البحري باعتباره ردًا على تعدٍّ وقع بالفعل. إذ تؤدي العبارة وظيفة سياسية، وتنقل النقاش إلى سؤال: من بدأ التصعيد؟ وتضع الجماعة في موقف الطرف الذي يرد على مظلمة. ومع ذلك، فإن الطرح الحوثي لا يحسم الوضع القانوني، ولا يبرر إعلان منع السفن، ولا يضفي مشروعية على تنفيذه. فكلمة حصار في الخطاب السياسي لا تكفي وحدها لإثبات وجود حصار بالمعنى القانوني.
والتكييف القانوني هو مطابقة الوقائع على الأرض مع وصف يحدده القانون الدولي: هل ما يجري حصار بحري بالمعنى القانوني، أم منع انتقائي لسفن بعينها، أم هجمات على سفن تجارية؟ فلكل وصف قواعده وآثاره المختلفة، ولا يتوقف التكييف على وصف أحد الأطراف.
ويحتاج التكييف إلى تحديد نطاق المنع، والسفن والموانئ التي يشملها، وأثره على المدنيين والمساعدات، وإثبات ذلك. وتزداد المسألة تعقيدًا لأن قواعد الحصار البحري طُورت أساسًا في سياق النزاعات المسلحة بين الدول، بينما يثير تطبيقها على النزاعات غير الدولية خلافات قانونية.
يتجاوز إعلان الحوثيين منع السفن المرتبطة بالسعودية حدود التهديد للملاحة، ويكشف عن محاولة ممارسة وظيفة سيادية ترتبط بخصائص الدولة، وهي تحديد قواعد التعامل الخارجي والتحكم في الحركة عبر الممرات البحرية. فحين تصدر جماعة مسلحة قرارًا يتعلق بهذا الشأن وتنفذه، فإنها تقدم نفسها عمليًا بوصفها سلطة قادرة على فرض قواعدها، حتى في مجال يتجاوز حدود سيطرتها البرية.
وتسعى الجماعة هنا إلى ممارسة سلطة الأمر الواقع، وهي قدرة الجهة المسيطرة على فرض قراراتها، وإدارة شؤون السكان، أو توفير بعض الخدمات، أو احتكار أدوات القوة في منطقة معينة. وتختلف هذه السلطة العملية عن الشرعية القانونية والدستورية التي تستند إليها مؤسسات الدولة، لكنها قد تنتج سلطة موازية يصعب تجاهلها، خصوصًا عندما يطول أمد الحرب، وتتراجع قدرة الحكومة على بسط نفوذها.
وتتسع المنافسة بين الميليشيا والدولة كلما تدخلت الجماعة في وظائف تتصل بالأمن والجباية والإدارة والعلاقات الخارجية، ثم أضافت إليها التحكم في الموانئ أو التهديد بحرية المرور. وفي الحالة اليمنية، يحول التهديد البحري الجماعة من طرف ينازع الحكومة على السلطة داخل البلاد إلى فاعل يسعى للتأثير في قرارات دول أخرى وحركة التجارة الدولية. وقد أشار المبعوث الأممي إلى تقدم الحوثيين نحو الساحل المحاذي لباب المندب، وإلى أن تهديداتهم للسفن التجارية تمس حرية الملاحة الدولية.
وتكمن الخطورة في أن التعامل المتكرر مع الميليشيا بوصفها الجهة القادرة على منح المرور أو منعه قد يعزز شرعية الأمر الواقع، حتى من دون اعتراف قانوني بها. كما أن التنافس على وظائف الدولة يطيل أمد انقسام المؤسسات، ويجعل التسوية أكثر تعقيدًا؛ إذ يصبح الخلاف حول من يملك حق استخدام القوة، وإدارة الموارد، واتخاذ القرار بشأن الممرات الحيوية.
خطاب تعبوي:
ربط الحوثيون تحركاتهم البحرية بخطاب المقاومة وإسناد غزة، ووظفوا هذا الربط لتقديم المواجهة باعتبارها جزءًا من قضية تتجاوز اليمن. وتمنح هذه السردية الجماعة قدرة على حشد الأنصار وإضفاء معنى أوسع على تلك التحركات، كما تنقل الاهتمام من مشكلات الحكم والحرب داخل مناطق سيطرتها إلى مواجهة إقليمية واسعة المدى.
ويظهر التناقض حين تتحول قضية حماية المدنيين في غزة إلى مبرر لتهديد بحارة مدنيين أو سفن تجارية. فعدالة القضية الفلسطينية لا تكسب سلوك الجماعة شرعية تلقائية لمجرد ربطه بها. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل يخدم هذا التصعيد الفلسطينيين، أم يعزز قدرة الجماعة على توسيع نفوذها وفرض نفسها طرفًا إقليميًا يصعب تجاوزه؟
هذا التوظيف الأيديولوجي لا يعني أن دوافع جميع مؤيدي الحوثيين واحدة، لكنه يوضح وظيفة الخطاب في تعبئة الأنصار وربط ملفات متباينة داخل سردية واحدة: غزة، والخلاف مع السعودية، والسيطرة على الساحل، والضغط على التجارة الدولية. وتكمن الخطورة هنا في دمج سردية الدفاع عن قضية عادلة بأداة إكراه لا تتصل بحماية أصحاب القضية. وفي الوقت ذاته، يسمح هذا الخطاب للميليشيا بتقديم نفسها في صورة جهة تملك حق استخدام القوة واتخاذ القرار بشأن الممرات البحرية، بما ينازع الدولة اليمنية اختصاصاتها السيادية.
تصفية حسابات:
في ١٤ يوليو ٢٠٢٦، أصدر مجلس الأمن القرار ٢٨٢٦ بأغلبية ١٣ صوتًا، مع امتناع الصين وروسيا عن التصويت. ومدد القرار تكليف الأمم المتحدة بتقديم تقارير دورية عن الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر. وبذلك، لم يكن القرار إدانة مباشرة للحصار الحوثي أو فرضًا لعقوبات جديدة. أما إدانة الهجمات والتهديدات الحوثية، فجاءت في بيان صحفي منفصل أصدره أعضاء المجلس في ١٨ سبتمبر.
ودلالة ذلك أن مجلس الأمن أراد استمرار متابعة الهجمات على السفن في البحر الأحمر، عبر تقارير دورية يرفعها الأمين العام، لكنه لم يفرض عقوبات، ولم يأذن باستخدام القوة، ولم يحسم الموقف بشأن قانونية أو عدم قانونية الحصار الحوثي.
ويكشف امتناع الصين وروسيا عن التصويت على القرار ٢٨٢٦ عن استمرار تحفظهما على الإطار الذي تدار من خلاله أزمة البحر الأحمر، لا عن تأييد الهجمات الحوثية. فقد سبق للدولتين الامتناع عن التصويت على القرار ٢٧٢٢ الصادر في يناير ٢٠٢٤، مع اعتراضهما على صياغة رأت موسكو أنها قد تفتح المجال لتبرير تحركات عسكرية في اليمن، وتحذير بكين من غموض النص واحتمال أن يؤدي إلى التصعيد، وهو ما قد يكون سببًا في الامتناع عن تقديم توصيف قانوني.
ويمكن قراءة موقف الصين وروسيا في إطار التنافس على إدارة الأزمة، لا باعتباره موقفًا إجرائيًا فحسب. فالدولتان تسعيان إلى الحد من قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على تقديم تحركاتهم العسكرية بوصفها استجابة دولية تحظى بتفويض سياسي واسع، وتعملان في الوقت نفسه على طرح رواية تربط اضطراب البحر الأحمر بالسياق الإقليمي الأوسع، وفي مقدمته حرب غزة. ويمنحهما ذلك مساحة للتأثير في مسار النقاش الدولي وإحراج خصومهما سياسيًا، من دون أن يثبت التصويت وحده وجود تنسيق ميداني مع الحوثيين أو توجيه مباشر لتحركاتهم.
من جانب آخر، يقتضي الأمر الحديث عن الدعم الإيراني لتحركات الحوثيين، ويمكن التمييز في هذا الشأن بين إسناد الجماعة وإدارة قرارها. ففي ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦، أفادت رويترز، استنادًا إلى مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية، بأن مستشارين من الحرس الثوري قدموا توجيهًا عسكريًا خلال تقدم الحوثيين على الساحل الغربي، إلى جانب دعم بالسلاح والتمويل. ونقلت الوكالة في الوقت نفسه أن إيران تنفي توجيه العمليات ميدانيًا، وأن مسؤولًا إيرانيًا وصف التقدم نحو المخا بأنه قرار حوثي أفاد طهران.
كما تجاوزت مؤشرات الدعم الروايات الصحفية. فقد أشار تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن إلى استمرار نشاط عناصر أجنبية في مناطق الحوثيين، ومن بينها عناصر من حزب الله قيل إنها تقدم المشورة في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة. كما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في يناير ٢٠٢٦ استهداف شبكات قالت إنها تربط مسؤولين إيرانيين بالحوثيين، وتنقل إليهم الأموال ومكونات عسكرية ومواد مزدوجة الاستخدام.
من مجمل ما سبق، تكشف الوقائع الميدانية والسياسية والقانونية أن التصعيد الحوثي يتجاوز تهديد السفن أو السيطرة على مناطق جديدة؛ فهو يعكس سعي ميليشيا مسلحة ذات خطاب متطرف إلى فرض سلطة أمر واقع، ومنافسة الدولة اليمنية على وظائف سيادية، مع توظيف الأيديولوجيا لتبرير الإكراه. وفي الوقت نفسه، تظل الجماعة خاضعة لقواعد القانون الدولي الإنساني، رغم ما يواجه إنفاذ هذه القواعد من صعوبات عملية. ومن هذا الترابط بين التطرف، وانتزاع وظائف الدولة، وفجوة المساءلة، يخلص التحليل إلى النتائج الآتية:
(*) التزاحم على وظيفة السلطة: تمثل جماعة الحوثيين ميليشيا مسلحة متطرفة تفرض سلطة أمر واقع في مناطق سيطرتها، ولا يمنحها التحكم الميداني شرعية دستورية أو صفة معترفًا بها دوليًا. فاستيلاء الجماعة على وظائف الأمن والإدارة، وفرض قرارات تمس الملاحة والعلاقات الخارجية، ينقل الصراع إلى منافسة على السيادة واحتكار الدولة للقرار واستخدام القوة. ولا يجب أن يتجاوز التعامل التفاوضي معها، لضرورات ميدانية أو إنسانية، صفتها كميليشيا.
(*) ضرورة ضبط المفاهيم وحسم الوصف القانوني: تهديد السفن أو استهدافها بقصد إكراه دولة على تغيير سياستها يدخل ضمن مفهوم الإرهاب والإكراه السياسي، ويشكل في بعض صوره جريمة حرب إذا ثبت استهداف المدنيين أو الأعيان المدنية. ومع ذلك، يظل التصنيف الأمريكي للحوثيين منظمةً إرهابيةً أجنبيةً تصنيفًا وطنيًا، لا حكمًا قضائيًا دوليًا ينسحب على جميع جرائم الجماعة.
(*) المسؤولية القانونية: صفة الجماعة كفاعل غير حكومي لا تخرجها من نطاق الالتزام بقواعد القانون الدولي، فالمادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف والقواعد العرفية تلزم أطراف النزاع المسلح بأحكامها، ومنهم الجماعات المسلحة المنظمة التي تسيطر فعليًا على مناطق وتخضع لقيادة منظمة. وتبقى مساءلة القيادات والأفراد ممكنة بحسب تكييف الوقائع والاختصاص القضائي المتاح، وكل ذلك مرهون بالإرادة الدولية.
(*) فجوة الإنفاذ: تتمثل الإشكالية في صعوبة تنفيذ الالتزامات ومحاسبة جماعة لا تملك مؤسسات دولية أو مصالح دبلوماسية واقتصادية مماثلة للدول، لا في غياب القواعد القانونية التي تخاطبها. وتزداد خطورة هذه الفجوة مع استمرار سيطرتها على الأرض وشبكات التمويل والسلاح.
في هذا الإطار، يؤدي تطبيع سلطة الميليشيا إلى إضعاف مؤسسات الدولة الشرعية، وترسيخ نموذج الميليشيا كسلطة بديلة تنتزع وظائف السيادة. إذ تقتضي المواجهة دعم مؤسسات الدولة، واستخدام المفاهيم والتوصيفات القانونية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ومواجهة شبكات التسليح والتمويل، مع إبقاء قنوات التفاوض الضرورية دون منح الجماعة شرعية الدولة.