سد النهضة في مهب الحرب .. من يملك قرار النيل الأزرق إذا سقطت حكومة آبي أحمد؟
حرب تيجراي تعود.. لكن هذه المرة المعركة أكبر من الإقليم

لم تعد المواجهة الجديدة في إثيوبيا مجرد فصل آخر من الصراع بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير تيجراي. فخلال الأيام الأخيرة اتسعت المواجهات في تيجراي ومناطق مجاورة، بالتزامن مع إعلان سبع قوى مسلحة تشكيل تحالف يستهدف إسقاط حكومة آبي أحمد والدفع نحو حكومة انتقالية. ويضم التحالف قوى كانت متصارعة في الحرب السابقة، إلى جانب حركات من أوروميا وعفار وبني شنقول-قمز، ما يعني أن الأزمة لم تعد محصورة في شمال البلاد، وإنما تحمل قابلية للامتداد إلى أكثر من مركز جغرافي وسياسي.
لماذا يهم هذا التطور مصر تحديدًا؟
لأن إثيوبيا لا تدخل أزمة داخلية عادية؛ إنها دولة تدير واحدًا من أكثر المشروعات المائية حساسية في القارة، سد النهضة على النيل الأزرق، ولذلك فإن أي اهتزاز كبير في بنية الدولة الإثيوبية لا يمكن النظر إليه باعتباره شأنًا داخليًا خالصًا، فكلما اتسعت دائرة الصراع، ظهر سؤال إضافي أمام دولتي المصب: ماذا يحدث للمنشآت الاستراتيجية التي تحتاج إلى سلطة مركزية مستقرة حتى تظل قرارات تشغيلها وصيانتها وإدارتها واضحة ومنتظمة؟
السؤال ليس: هل يسقط السد؟ بل من يملك مفتاحه؟
هذه هي النقطة التي يجب أن يبدأ منها أي نقاش جاد حول مستقبل سد النهضة في حال سقوط الحكومة الإثيوبية، فالسد لن يختفي بمجرد سقوط حكومة آبي أحمد، ولن تتوقف توربيناته تلقائيًا، كما أن تغيير السلطة السياسية لا يعني بالضرورة فقدان الدولة قدرتها على تشغيل المنشأة. لكن المشكلة الأكثر تعقيدًا تبدأ إذا تحول سقوط الحكومة إلى تفكك في مركز القرار نفسه.
عندها يصبح السؤال: من يصدر تعليمات التشغيل؟ من يدير الخزان؟ من يتولى الصيانة؟ من يتبادل البيانات مع السودان ومصر؟ ومن يملك سلطة اتخاذ القرار في حالة الجفاف أو الفيضانات أو الطوارئ الفنية؟
السد بعيد عن تيجراي.. لكن الحرب ليست بعيدة عن السد:
جغرافيًا، لا يعني تقدم قوات تيجراي أن سد النهضة أصبح تحت تهديد مباشر؛ فالسد موجود في إقليم بني شنقول-قمز غرب إثيوبيا، وليس في تيجراي شمال البلاد. لكن التطور اللافت أن التحالف الجديد المناهض للحكومة يضم قوى من بني شنقول-قمز نفسها، إلى جانب قوى من مناطق أخرى، وهذه النقطة تكتسب أهميتها إذا انتقلت إثيوبيا من حرب بين الحكومة وإقليم إلى صراع أوسع على مراكز النفوذ والأقاليم والمنشآت الاستراتيجية
بني شنقور-قمز.. الحلقة التي قد تغير مسار الأزمة:
وجود جماعات من بني شنقول-قمز داخل التحالف لا يعني أن السد أصبح تحت سيطرة هذه الجماعات، ولا توجد حاليًا مؤشرات موثوقة على أن القتال وصل إلى منشأة سد النهضة. لكن مجرد دخول الإقليم في خريطة الصراع يغير زاوية النظر إلى الأزمة.
ففي سيناريو انهيار السلطة المركزية، ستكون السيطرة على الأقاليم والطرق والمنشآت ومصادر الطاقة والمياه جزءًا من معركة النفوذ. وهنا يصبح موقع السد داخل بني شنقول-قمز عاملًا يجب مراقبته، خصوصًا أن التحذيرات الأمنية الدولية الحالية تشمل الإقليم بسبب مخاطر الصراع المسلح والاضطرابات.
السد قد يتحول من مشروع قومي إلى ورقة في صراع السلطة:
على مدار السنوات الماضية، قدمت الحكومات الإثيوبية سد النهضة باعتباره مشروعًا قوميًّا يرتبط بالكهرباء والتنمية والسيادة الوطنية. وفي حالة حدوث انتقال سياسي عنيف، قد يحتفظ السد بهذه الرمزية، بل قد تزداد أهميته؛ لأن أي قوة تصل إلى السلطة ستحتاج إلى السيطرة على الأصول الاستراتيجية للدولة وإظهار قدرتها على حماية مواردها. ومن هنا يمكن أن يتحول السد إلى أحد مفاتيح الشرعية والسيطرة في مرحلة ما بعد آبي أحمد، بدلًا من أن يكون مجرد ملف تفاوضي مع مصر والسودان.
أخطر سيناريو ليس قصف السد.. وإنما غياب الدولة:
الحديث عن خطر عسكري مباشر على السد يحتاج إلى أدلة لا تتوافر حاليًا، أما السيناريو الأكثر واقعية الذي يستحق الدراسة فهو مختلف تمامًا: ماذا يحدث لمنشأة ضخمة عندما تهتز الدولة التي تديرها؟
فالسد يحتاج إلى منظومة بشرية وفنية وإدارية تعمل باستمرار، وإلى قرارات تشغيلية دقيقة، وإلى قدرة مؤسسية على التعامل مع الظروف غير الطبيعية. لذلك فإن انهيار مؤسسات الدولة أو انقسام سلسلة القيادة قد لا يؤدي إلى كارثة فورية، لكنه يخلق بيئة يكون فيها التنبؤ بقرارات تشغيل السد أصعب، وهو بحد ذاته عامل خطورة بالنسبة لدول المصب.
ماذا يحدث لاتفاق مع حكومة لم تعد موجودة؟
هذه ربما تكون أخطر زاوية قانونية وسياسية في السيناريو. فمصر طوال أزمة سد النهضة تمسكت بوجود قواعد واضحة وملزمة للتشغيل والملء والتعامل مع فترات الجفاف، لأن إدارة نهر عابر للحدود لا يمكن أن تعتمد فقط على النوايا السياسية. لكن إذا وقعت إثيوبيا في حالة انهيار مؤسسي، سيظهر سؤال مختلف: من يضمن استمرار تنفيذ أي اتفاق؟ فالمشكلة لن تصبح فقط في مضمون الاتفاق، وإنما في وجود سلطة تمتلك القدرة الفعلية على تنفيذ الالتزامات ومراقبة المؤسسات التابعة لها.
الخطر الأكبر على مصر قد يكون “غموض القرار”:
لهذا فإن أخطر ما يمكن أن ينتج عن انهيار الحكومة الإثيوبية ليس بالضرورة زيادة أو نقصًا فوريًا في تدفقات المياه، وإنما تحول سد النهضة إلى منشأة استراتيجية داخل بيئة سياسية وأمنية لا يمكن التنبؤ بمسارها بسهولة. فكلما كان القرار مركزيًا وواضحًا، أمكن معرفة سياسة السد والتعامل معها.
وكلما تعددت مراكز القوة، أصبح السؤال حول مستقبل المياه مرتبطًا بالسؤال حول مستقبل الدولة نفسها.
ومن هنا فإن مصر لا تراقب فقط من سيبقى في قصر الحكم بأديس أبابا، وإنما تحتاج إلى متابعة من يسيطر على الأقاليم، ومن يملك مؤسسات الدولة، ومن يحكم المناطق القريبة من السد، وكيف ستظل منظومة تشغيل المنشأة قائمة إذا دخلت إثيوبيا مرحلة انتقال عنيف.