أزمة “البابل شيت”.. لماذا تتسع تظلمات الثانوية العامة؟

لا تنتهي رحلة الثانوية العامة بإعلان النتيجة. فبعد ظهور المجموع، يبدأ الطلاب وأسرهم في حساب ما يمكن أن يترتب عليه: هل يكفي المجموع للكلية التي يرغب فيها الطالب؟ وهل هناك فارق بسيط قد يغير ترتيب رغباته؟ وهل تعكس الدرجات المعلنة بالفعل ما حصل عليه في الامتحان؟

كما أن التظلم ليس إجراء جديدًا على الثانوية العامة، فقد عرفه الطلاب منذ سنوات، إلا أن طريقة التعامل معه وحجم الإقبال عليه لم يكونا ثابتين. فهناك سنوات شهدت أعدادًا محدودة نسبيًا من المتقدمين، بينما اتسع نطاق المراجعة في سنوات أخرى ليشمل أعدادًا كبيرة من الطلاب وأوراق الإجابة.

ولا تكفي أعداد المتظلمين وحدها للحكم على هذا التغير؛ فعدد طلاب الثانوية العامة نفسه اختلف من عام إلى آخر، كما اختلفت نظم الامتحانات (البابل شيت) وإجراءات التظلم وطرق المراجعة. لذلك تصبح المقارنة أكثر دقة عندما توضع أعداد المتظلمين إلى جانب إجمالي أعداد الطلاب المتقدمين للامتحانات، ثم تُقرأ معها أعداد أوراق الإجابة التي خضعت للفحص، وعدد الحالات التي انتهت إلى تعديل فعلي في الدرجات.

بالإضافة إلى أن هذه المؤشرات لا تحمل المعنى نفسه؛ فعدد الطلاب يوضح حجم الإقبال، وعدد الأوراق يعكس نطاق المراجعة، بينما تكشف الحالات التي تغيرت درجاتها عن نتيجة هذه المراجعة. ومن ثم، فإن تتبعها معًا عبر السنوات يقدم صورة أكثر دقة عن تطور التعامل مع التظلم، ويفتح المجال لفهم ما الذي تغير في سلوك الطلاب وأسرهم تجاه النتيجة، وكيف أصبحت مرحلة ما بعد إعلان الدرجات جزءًا مهمًا من رحلة الثانوية العامة.

مؤشرات التظلمات:

عند مقارنة أعداد التظلم من نتائج الثانوية العامة عبر السنوات، يظهر تغير واضح في حجم إقبال الطلاب على مراجعة أوراق إجاباتهم. ففي عام 2016، بلغ عدد المتقدمين للتظلم نحو 62 ألفا و275 طالبا وطالبة، من إجمالي يقارب 562 ألفا و930 طالبًا تقدموا لامتحانات الثانوية العامة، أي ما يقرب من 11% من إجمالي المتقدمين. كما شملت التظلمات نحو 180 ألفا و529 كراسة إجابة، بينما ثبتت أحقية 1029 حالة في الحصول على درجات إضافية.

وبعد عامين فقط، ارتفع عدد المتظلمين إلى 116 ألفا و651 طالبًا وطالبة في عام 2018، من إجمالي نحو 656 ألفا و343 طالبًا تقدموا للامتحانات، لتصل نسبتهم إلى نحو 17.7%. كما تجاوز عدد كراسات الإجابة محل التظلم 358 ألف كراسة، وانتهت المراجعة إلى زيادة درجات 20 ألفا و736 طالبًا وطالبة.

وفي عام 2019، ظل عدد المتظلمين مرتفعًا، إذ بلغ نحو 112 ألفًا و568 طالبًا وطالبة، بينما تجاوز عدد كراسات الإجابة محل التظلم 323 ألف كراسة، وحصل 5357 طالبًا وطالبة على درجات إضافية. هذه المقارنة تكشف أن التظلم أصبح أكثر حضورًا في السنوات اللاحقة، ففي غضون عامين ارتفعت النسبة من نحو طالب واحد بين كل تسعة طلاب تقريبًا إلى طالب من كل ستة طلاب تقريبًا.

ومع السنوات التالية، أصبح حجم التظلم يُقاس في كثير من الأحيان بعدد الطلبات وليس بعدد الطلاب. ففي عام 2021، استقبلت وزارة التربية والتعليم نحو 215 ألف طلب تظلم، وشملت المراجعة نحو مليون و94 ألف ورقة امتحانية. وفي عام 2024 وصل عدد الطلبات إلى نحو 224 ألف طلب، بينما ثبتت أحقية نحو 12 ألف طالب وطالبة في الحصول على درجات إضافية. أما في عام 2025، فقد تجاوز عدد الطلبات 95 ألف طلب.

تكشف مقارنة بيانات التظلم في السنوات المختلفة عن تغير ملحوظ في حجم الإقبال على مراجعة نتائج الثانوية العامة. ولا تقتصر على أعداد الطلاب الذين تقدموا بالتظلم، وإنما تشمل كذلك عدد أوراق الإجابة التي خضعت للمراجعة، وعدد الحالات التي أسفرت المراجعة فيها عن تعديل الدرجات.

وتوضح البيانات أن حجم التظلم لم يكن ثابتًا عبر السنوات، وإنما شهد ارتفاعًا وتراجعًا من عام إلى آخر. كما أن ارتفاع عدد الطلاب المتقدمين للامتحانات لا يفسر وحده التغير في أعداد المتظلمين؛ لذلك تبدو نسبة المتظلمين إلى إجمالي المتقدمين للامتحانات أكثر دلالة عند المقارنة بين السنوات.

وتكشف المقارنة كذلك عن اتساع نطاق الأوراق التي تخضع للمراجعة في بعض السنوات، بما يعكس اختلاف حجم الإقبال على التظلم من فترة إلى أخرى. وفي الوقت نفسه، لا تتطابق أعداد الطلاب المتظلمين مع أعداد أوراق الإجابة أو طلبات التظلم؛ حيث يمكن للطالب أن يتقدم للمراجعة في أكثر من مادة، ومن ثم فإن كل مؤشر منها يعبر عن جانب مختلف من حجم التظلم.

أما نتائج المراجعة، فتشير إلى تفاوت أعداد الطلاب الذين حصلوا على درجات إضافية من عام إلى آخر. ومن ثم، فإن ارتفاع عدد طلبات التظلم لا يعني بالضرورة ارتفاع عدد الحالات التي ثبت استحقاقها لزيادة الدرجات بالنسبة نفسها.

محددات الإقبال على التظلم:

ويمكن فهم اختلاف معدلات الإقبال على التظلم مقارنة بالسنوات السابقة في ضوء مجموعة من الأسباب، من أبرزها:

(*) ارتفاع قيمة الدرجة الواحدة: في ظل المنافسة على الأماكن المتاحة في الكليات. فقد تؤثر درجة أو درجتان في ترتيب الطالب واختياراته للكلية، وهو ما جعل الطالب أكثر حرصًا على التأكد من حصوله على جميع الدرجات المستحقة له.

(*) سهولة الوصول إلى المعلومات وإجراءات التظلم: في السابق، كان الطالب يعتمد في معرفة إجراءات التظلم على المدرسة أو الصحف أو المحيطين به. أما اليوم، فأصبحت المعلومات المتعلقة بمواعيد التظلم وخطواته وطرق التقديم متاحة بصورة أسرع وأوسع، وهو ما جعل الإقدام عليه أكثر سهولة.

(*) انتشار تجارب الطلاب: أصبح الطالب اليوم أكثر اطلاعًا على تجارب زملائه، خاصة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي. ومع انتشار قصص الطلاب الذين تقدموا بالتظلم وحصلوا على درجات إضافية، أصبح التظلم خيارًا حاضرًا في ذهن الطالب عند ظهور النتيجة.

(*) اتساع دائرة المقارنة: أصبح الطالب يقارن نتيجته بنتائج زملائه وما يعلنونه عبر المنصات الرقمية. وقد يدفع هذا الاتساع في المقارنة بعض الطلاب إلى مراجعة نتائجهم، خاصة عندما يرون فارقًا بين ما توقعوه وما حصلوا عليه فعليًا.

(*) زيادة دور الأسرة في قرار التظلم: أصبحت الأسرة طرفًا أساسيًا في متابعتها، نظرًا لارتباطها باختيار الكلية والمسار الجامعي. لذلك قد تشجع الأسرة على التظلم حتى في غياب دليل واضح على وجود خطأ، من أجل التأكد من سلامة النتيجة.

(*) اختلاف نظم الامتحانات والتصحيح: أدى تغير نظم امتحانات الثانوية العامة وطرق التصحيح واحتساب الدرجات في بعض السنوات إلى زيادة حاجة الطالب إلى المراجعة الرسمية، خاصة عندما لا يستطيع التأكد بنفسه من كيفية احتساب درجاته.

(*) الخوف من ضياع فرصة أكثر من الخوف من التظلم: أصبح الطالب ينظر إلى التظلم باعتباره فرصة للتأكد لا يرغب في تفويتها. فإذا امتنع عن التظلم ثم اكتشف لاحقًا أن لديه درجة كان يمكن أن تؤثر في اختياراته الجامعية، فقد يصبح الندم أكبر من تكلفة التظلم نفسه. لذلك يفضل بعض الطلاب مراجعة أوراقهم حتى في حال عدم التأكد من وجود خطأ.

أبرز اتجاهات تعليقات الطلاب وأولياء الأمور حول التظلمات:

تكشف التعليقات المتداولة بين الطلاب وأولياء الأمور حول تظلمات الثانوية العامة عن حالة من التباين في تقييم تجربة التظلم، وإن كانت أغلبها تنطلق من رغبة مشتركة في التأكد من دقة النتيجة والحصول على الدرجات المستحقة. فبالنسبة إلى الطلاب الذين أسفرت تظلماتهم عن زيادة فعلية في الدرجات، ارتبطت التجربة بشكل واضح بالشعور بالإنصاف واستعادة حق كان يمكن أن يؤثر في مجموعهم النهائي وفي فرصهم في الالتحاق بالكلية التي يرغبون فيها. وقد عززت الحالات التي أُضيفت فيها درجات بعد المراجعة قناعة لدى بعض الطلاب بأن التظلم يمثل وسيلة مهمة للتأكد من سلامة النتيجة، كما في الصورة التالية:

وفي المقابل، تعكس تعليقات أخرى حالة من القلق والتشكيك، لا ترتبط بالضرورة بوجود خطأ مؤكد في النتيجة، وإنما بالخوف من احتمال عدم احتساب بعض الدرجات أو وجود اختلاف بين ما يتوقعه الطالب وما يظهر في النتيجة النهائية. وتزداد هذه المخاوف لدى الطلاب الذين يكونون قريبين بفارق بسيط من مجموع يؤهلهم لكلية معينة، إذ تصبح الدرجة الواحدة ذات قيمة كبيرة، وقد ينظر الطالب إلى التظلم باعتباره فرصة لا يرغب في تفويتها حتى في حالة عدم امتلاكه دليلًا واضحًا على وجود خطأ.

كما يمتد هذا القلق إلى أولياء الأمور، الذين ينظرون إلى التظلم من زاوية أكثر ارتباطًا بالمستقبل الجامعي لأبنائهم. مما يدفع بعض الأسر إلى تشجيع أبنائها على التظلم بهدف التأكد من عدم وجود درجات يمكن أن تغير مسار التنسيق. ومن هنا، يظهر التظلم في بعض التعليقات باعتباره إجراءً احترازيًا أكثر منه تعبيرًا عن اقتناع مسبق بوجود خطأ.

كما يظهر في اتجاهات التعليقات تأثير واضح لتجارب الطلاب الآخرين، خاصة مع انتشارها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فقصص الطلاب الذين حصلوا على درجات إضافية بعد التظلم يمكن أن تشجع طلابًا آخرين على تقديم طلبات المراجعة، بينما تؤدي التجارب التي لا تنتهي إلى تغيير في الدرجات إلى تكوين تصورات مختلفة حول جدوى التظلم. وبذلك أصبحت خبرات الآخرين جزءًا من عملية اتخاذ القرار، إلى جانب المعلومات الرسمية التي تقدمها وزارة التربية والتعليم.

وعليه، يمثل التظلم من نتائج الثانوية العامة نافذة لفهم التحولات التي طرأت على هذه المرحلة التعليمية، حيث لم يعد مجرد إجراء إداري يلي إعلان النتيجة، وإنما أصبح جزءًا من الطريقة التي يتعامل بها الطلاب وأسرهم مع الدرجات ومستقبلهم الجامعي. فارتفاع أو تراجع الإقبال على التظلمات عبر السنوات، إلى جانب اختلاف دوافع الطلاب والأسر واتجاهات آرائهم، يعكس إدراكًا متزايدًا لحساسية النتيجة وتأثيرها المباشر في المسار الجامعي للطالب.

كما تكشف هذه الظاهرة عن تحول في موقع الطالب داخل العملية التعليمية؛ فلم يعد متلقيًا سلبيًا للنتيجة، وإنما أصبح طرفًا يسعى إلى التحقق من دقة ما حصل عليه، ويستخدم الآليات المتاحة له للمراجعة عند وجود شك أو رغبة في الاطمئنان. وفي المقابل، أصبحت الأسرة طرفًا أكثر حضورًا في هذا القرار، انطلاقًا من ارتباط المجموع بالاختيارات الجامعية وما يترتب عليها من مسارات مستقبلية. وهو ما يجعل قرار التظلم في كثير من الحالات نتيجة لتفاعل بين الطالب والأسرة، وليس قرارًا فرديًا للطالب وحده.

وتشير اتجاهات التعليقات المتداولة بين الطلاب وأولياء الأمور إلى أن الموقف من التظلم لا يسير في اتجاه واحد؛ فبينما يشعر بعض الطلاب بالإنصاف عندما تنتهي المراجعة إلى إضافة درجات، تعكس تعليقات أخرى حالة من القلق والتشكيك والرغبة في معرفة ما إذا كانت عملية المراجعة قد شملت جميع عناصر الإجابة بصورة كافية. كما تبرز مطالب متكررة بمزيد من الوضوح والشفافية، بما يسمح للطالب وولي الأمر بفهم طبيعة المراجعة ونتائجها بصورة أكثر وضوحًا.

وفي الوقت نفسه، أسهم انتشار المعلومات وسهولة الوصول إليها عبر المنصات الرقمية في إعادة تشكيل سلوك الطلاب والأسر تجاه التظلم. فلم تعد المعلومات المتعلقة بالإجراءات حكرًا على المدرسة أو المصادر الرسمية، بل أصبحت تجارب الطلاب السابقين وآراؤهم جزءًا من عملية اتخاذ القرار. وقد أدى ذلك إلى جعل التظلم أكثر حضورًا في وعي الطلاب، لكنه في الوقت نفسه فتح المجال أمام انتشار تجارب وتصورات قد تزيد من التوقعات والمخاوف حول نتائج المراجعة.

في النهاية، فإن تظلمات الثانوية العامة تعكس عن تحولات في الثقافة التعليمية وفي علاقة الطالب وأسرته بالنتيجة. ولذلك، فإن متابعة تطور هذه الظاهرة وآراء المتعاملين معها تظل مهمة لفهم التحولات التي تشهدها تجربة الثانوية العامة، وكيف أصبح الطالب والأسرة أكثر حضورًا في تقييم النتيجة والمطالبة بالاطمئنان إلى عدالتها ودقتها.

ريهام السادات

ريهام السادات- رئيس برنامج التحولات الداخلية بالمركز، الباحثة حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية، متخصصة في دراسات الأمن الإقليمي والأمن المجتمعي، باحثة ماجستير بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى