تحولات خطرة: كيف أعادت الصراعات الدولية تشكيل أدوات العنف لدى الجماعات الإرهابية؟

تُظهر متابعة شبكات الإرهاب في العالم أن الإرهاب لم يعد يتحرك وفق النموذج التقليدي الذي عرفه العالم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حين كانت المواجهة تقوم بالأساس على ملاحقة التنظيمات الكبرى، واستهداف قياداتها، وتجفيف مصادر تمويلها، وتفكيك معسكراتها ومناطق سيطرتها. أما التحولات التي شهدتها بنية التهديد الإرهابي خلال السنوات الأخيرة، فتكشف أن التنظيمات لم يتراجع تأثيرها بقدر ما أعادت تشكيل نفسها داخل بيئات أكثر تعقيدًا، مستفيدة من الحروب الممتدة، وتراجع سلطة الدولة، واتساع الفضاء الرقمي، وتصاعد الاستقطاب الدولي.
من هنا تكتسب دعوة الأمم المتحدة، خلال أسبوع مكافحة الإرهاب ٢٠٢٦، أهمية خاصة، إذ أكدت أن الإرهاب يتطور في ظل حالة من عدم الاستقرار العالمي تشمل التوترات الجيوسياسية، والصراعات الممتدة، وتزايد الانقسام الدولي، وأن الاستجابة الدولية يجب أن تتطور هي الأخرى لمواكبة هذا التحول. فقد شددت المناقشات الأممية على أن نجاح المواجهة لم يعد مرهونًا بالحلول الأمنية وحدها، وإنما يتطلب مقاربة شاملة تجمع بين الأمن والتنمية، وتعزيز صمود المجتمعات، والتعاون الدولي، وتبادل المعلومات، وبناء قدرات الدول على استباق التهديدات قبل تحولها إلى أزمات عابرة للحدود.
وتنعكس أهمية هذا الطرح في دلالته الاستراتيجية؛ فالأمم المتحدة لا تتحدث فقط عن استمرار الإرهاب، بل عن تحولاته أيضًا. أي إن التحدي لم يعد محصورًا في وجود تنظيمات مسلحة، وإنما في قدرة هذه التنظيمات على تغيير شكلها، وأدواتها، ومساحات عملها كلما تغيرت البيئة المحيطة بها. لذلك يسعى هذا التحليل إلى الإجابة عن السؤال المركزي: ما طبيعة التحولات التي شهدها الإرهاب خلال السنوات الأخيرة؟
السيولة التنظيمية:
قام النموذج التقليدي للتنظيمات الإرهابية على بنية شبه هرمية تضم قيادة مركزية، ومناطق نفوذ، وخطوط تمويل، ومعسكرات تدريب، وأذرعًا إعلامية. وقد جعل هذا النموذج المواجهة الأمنية والعسكرية أكثر تحديدًا، إذ كان إسقاط القيادة، أو تفكيك المعسكرات، أو ضرب خطوط التمويل، كفيلًا بإضعاف التنظيم بدرجة كبيرة. أما اليوم، فقد أصبحت التنظيمات أكثر ميلًا إلى الشبكية واللامركزية، فهي لا تحتاج دائمًا إلى إدارة مباشرة لكل عملية، بل يكفيها إنتاج خطاب تحريضي، أو تقديم نموذج مُلهِم، أو استثمار حدث سياسي أو عسكري لإعادة تنشيط خلايا صغيرة ومتعاطفين محليين.
ويُعد تنظيم داعش المثال الأوضح على هذا التحول؛ فبعد خسارة ما عُرف بـ”الخلافة” لم يعد يتحرك باعتباره دولة تسيطر على مساحة جغرافية محددة، بل تحول إلى شبكة من الأفرع والمجموعات المحلية المنتشرة في سوريا والعراق وأفريقيا وآسيا. وبحسب مؤشر الإرهاب العالمي ٢٠٢٥، ظل تنظيم داعش وأفرعه التنظيم الأكثر فتكًا خلال عام ٢٠٢٤، مع نشاط امتد داخل ٢٢ دولة، رغم انهيار نموذج السيطرة الإقليمية الذي ارتبط به سابقًا. وتكشف هذه الدلالة أن نجاح الدولة في إسقاط مركز التنظيم لا يعني بالضرورة إسقاط فكرته التنظيمية، فالتنظيم الحديث قد يخسر الأرض، لكنه يحتفظ بقدرته على الإلهام، والتجنيد، وإعادة التموضع.
الاستنزاف المنظم:
لم تعد التنظيمات الإرهابية، في كثير من الساحات، تسعى إلى إقامة كيان سياسي مباشر كما فعل داعش في العراق وسوريا، وإنما تتجه إلى نمط أكثر خطورة وأطول أمدًا، قوامه إنهاك الدولة واستنزاف قدراتها بصورة تدريجية. ويقوم هذا النمط على تنفيذ عمليات متفرقة، واستهداف الكمائن، وتنفيذ الاغتيالات، ومهاجمة النقاط الاستراتيجية، وتعطيل طرق الإمداد، وفرض الإتاوات المحلية، بما يجعل الدولة حاضرة شكليًا، لكنها عاجزة عمليًا عن فرض سيطرتها الكاملة.
ويبرز المثال التطبيقي لذلك في جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة في مالي، والتي تنفذ هجمات منسقة على مواقع الجيش في مناطق متعددة، تشمل شمال البلاد ووسطها وجنوبها، في مؤشر على قدرة التنظيمات على توسيع جغرافيا الضغط بدلًا من الاكتفاء بجبهة واحدة. وتتمثل الدلالة هنا في أن التنظيم لم يعد بحاجة إلى إسقاط العاصمة حتى يربك الدولة، بل يكفيه أن يثبت أن السلطة غير قادرة على حماية الأطراف، وأن الجيش منتشر لكنه مستنزف، وأن المنظومة الأمنية قابلة للاختراق في أكثر من اتجاه.
ومن أهم التحولات كذلك أن مركز النشاط الإرهابي لم يعد محصورًا في الشرق الأوسط، فقد تحول الساحل الأفريقي وغرب أفريقيا وأجزاء من وسط القارة إلى مساحات رئيسية لنشاط التنظيمات الإرهابية. ويشير مؤشر الإرهاب العالمي ٢٠٢٥ إلى أن منطقة الساحل أصبحت المنطقة الأكثر تضررًا بالإرهاب على مستوى العالم، بعدما استحوذت على أكثر من نصف الوفيات المرتبطة بالإرهاب عالميًا.
التعبئة الرقمية واقتصاد الظل:
جعل التحول الرقمي الإرهاب أقل احتياجًا إلى المعسكرات التقليدية. فلم يعد التجنيد يتطلب لقاءً مباشرًا، ولا يحتاج التحريض إلى صحيفة سرية أو خطبة مغلقة، بل يكفي مقطع فيديو قصير، أو قناة مشفرة، أو غرفة دردشة، أو لعبة إلكترونية، أو حتى صورة رمزية، كي تبدأ عملية الاستقطاب. ولهذا ناقش أسبوع مكافحة الإرهاب ٢٠٢٦ بالأمم المتحدة التهديدات المتطورة، ومن بينها التمويل، والتكنولوجيا، والتهديدات الناشئة. كما حذرت الأمم المتحدة في مناسبات سابقة من أن منصات الألعاب الإلكترونية قد تشهد أشكالًا متعددة من الضرر، من أخطرها التجنيد الإرهابي.
وفي هذا الإطار، قد لا يبدأ التطرف بخطاب ديني مباشر، بل بسخرية، أو ميمز، أو مقاطع مصورة عن المظلومية، أو محتوى عنيف، أو مجتمعات رقمية مغلقة تمنح الفرد شعورًا بالانتماء. ثم ينتقل المتلقي تدريجيًا من التفاعل العاطفي إلى التبني الفكري، ثم إلى الاستعداد السلوكي. ولذلك لم تعد مكافحة الإرهاب معركة أمنية فقط، بل أصبحت أيضًا معركة على الانتباه، والهوية، والخيال داخل الفضاء الرقمي.
وفي السياق ذاته، يبرز تطور أدوات تمويل الإرهاب باعتباره أحد أبرز التحولات في بنية الظاهرة. ففي الماضي كانت المواجهة تركز على التحويلات المالية الكبرى، والجمعيات، وشبكات التبرعات، والدعم الخارجي. أما اليوم فقد طورت التنظيمات مصادر تمويل أكثر محلية، وأقل وضوحًا، وأكثر قدرة على التخفي، مثل الإتاوات، وتهريب الذهب، والسيطرة على الطرق، والضرائب غير الرسمية، والفدية، والتجارة غير المشروعة، والعملات الرقمية.
ولهذا خصصت الأمم المتحدة، ضمن فعاليات أسبوع مكافحة الإرهاب، جلسة لمناقشة مكافحة تمويل الإرهاب في ظل التهديدات المتطورة والتكنولوجيا الناشئة، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن التمويل لم يعد يسير عبر المسارات المصرفية التقليدية فقط. ومن ثم، فإن تجفيف منابع التمويل لم يعد يعتمد على مراقبة الحسابات البنكية وحدها، بل يتطلب فهم اقتصاد الظل في المناطق الهشة، وتطوير آليات أكثر فاعلية للتعامل معه والقضاء عليه.
الحروب الدعائية:
لا تنتج الحروب الكبرى فراغات أمنية فحسب، وإنما تنتج أيضًا سرديات جديدة، والتنظيمات الإرهابية تعيش على السرديات بقدر ما تعيش على السلاح. فهي تستغل صور الضحايا، وانهيار المدن، وازدواجية المعايير الدولية، لصياغة خطاب موجه إلى جمهور محبط، يقوم على أن النظام الدولي ظالم، وأن الأنظمة الداخلية فاسدة، وصولًا إلى ترسيخ فكرة أن العنف هو الطريق الوحيد للتغيير.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك حرب غزة، والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، والحرب في السودان؛ فجميعها صراعات تمنح التنظيمات مادة خصبة لإعادة التأويل وتوظيف الأحداث في خدمة دعايتها. فالتنظيم لا يعنيه الحل السياسي بقدر ما يعنيه تحويل كل أزمة إلى دليل جديد على صحة خطابه. ولهذا يركز دائمًا على تصوير الحلول السياسية والتفاوضية باعتبارها خيانة أو تنازلًا، بما يخدم أهدافه التنظيمية والتعبوية.
وبناءً على هذه التحولات، لم تعد الأدوات التقليدية لمواجهة الإرهاب كافية؛ لأنها صُممت في الأساس لمواجهة تنظيمات واضحة البنية والهيكل، بينما أصبح التهديد الجديد أكثر سيولة وتشابكًا. فالضربة العسكرية قد تقتل قائدًا، لكنها لا توقف منصة دعائية. والعقوبات المالية قد تغلق حسابًا مصرفيًا، لكنها لا تنهي اقتصادًا محليًا غير رسمي. والملاحقة الأمنية قد تفكك خلية، لكنها لا تعالج بيئة اجتماعية أو رقمية قادرة على إنتاج خلايا جديدة.
ولا يعني ذلك الاستغناء عن الأدوات الأمنية، وإنما إعادة دمجها ضمن مقاربة أشمل. فالقوة الأمنية تظل ضرورة لا غنى عنها، لكنها لم تعد كافية وحدها، كما أن الجهود الاستخباراتية تظل عنصرًا أساسيًا، لكنها تحتاج إلى قراءة اجتماعية، ورقمية، وفكرية موازية. وانطلاقًا من ذلك، يمكن القول إن المطلوب اليوم هو الانتقال من مرحلة مكافحة التنظيمات إلى مرحلة إدارة بيئات التطرف، وهو ما يتطلب عددًا من التدابير والسياسات، أبرزها:
١. بناء منظومة للإنذار المبكر الرقمي، ترصد السرديات المتطرفة قبل أن تتحول إلى أعمال عنف، بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها بعد وقوعها.
٢. التعامل مع أفريقيا باعتبارها مركز الثقل الجديد للإرهاب، وليس مجرد هامش أمني، لأن ما يحدث في منطقة الساحل يمتلك امتدادات تتجاوز حدود القارة.
٣. ربط مكافحة الإرهاب بالتنمية، وإصلاح منظومة الحكم المحلي، لأن التنظيمات تتمدد حيث تعجز الدولة عن توفير الأمن، والخدمات، والعدالة.
٤. تطوير شراكات فاعلة بين الحكومات وشركات التكنولوجيا، ليس فقط لحذف المحتوى المتطرف، وإنما لفهم أنماط الاستقطاب، وتطوير أدوات أكثر كفاءة لتفكيك شبكات الدعاية الإرهابية.
٥. تجديد الخطاب الوقائي الثقافي، والتعليمي، والديني، بحيث يتجاوز النمط الوعظي التقليدي، ويصبح أكثر قدرة على منافسة المحتوى المتطرف من حيث التطور، والسرعة، واللغة، والتأثير.
وتكمن الخلاصة، في أن التاريخ يثبت أن الإرهاب لا يموت حين يخسر معركة، بل حين يفقد البيئة التي تسمح له بالعودة. فالتنظيمات قد تتغير أسماؤها، وتتبدل قياداتها، وتتطور أدواتها، لكن جوهرها يبقى واحدًا؛ استغلال نقاط الضعف قبل استهداف نقاط القوة. ومن ثم، فإن معركة المستقبل لن تُحسم بالسلاح وحده، ولا بالملاحقات الأمنية وحدها، بل بقدرة الدولة على امتلاك المبادرة الفكرية، والسياسية، والتكنولوجية، وتجفيف منابع الهشاشة التي يتغذى عليها التطرف. فالإرهاب لم يعد خطرًا يقف على حدود الدول، بل أصبح ظاهرة عابرة للحدود، تتسلل إلى المجتمعات عبر الفضاء الرقمي، وتستهدف العقول قبل أن تستهدف الجغرافيا.