انتماء كامن: لماذا احتفت الجماهير العربية بالمنتخب المصري؟

يُمثل تأهل المنتخب المصري إلى الدور 16 في بطولة كأس العالم 2026 لحظة تاريخية هامة، فقد كشفت عن حالة من الالتفاف العربي العابر للحدود، حيث تجاوزت الاحتفالات الشارع المصري إلى كافة ربوع الوطن العربي، وانعكس ذلك في ردود أفعال الشعوب العربية على منصات التواصل الإجتماعي، كما عبر عدد من الشخصيات العامة والفنانين العرب عن احتفائهم بالإنجاز بوصفه نجاحًا عربيًا قبل أن يكون إنجازًا رياضيًا يخص مصر وحدها. ولم يكن لافتًا حجم التفاعل فحسب، بل طبيعة الخطاب المصاحب له، الذي أعاد إنتاج مفردات مثل “الفخر العربي” و”الإنجاز العربي” و”تمثيل العرب”، بما يعكس استمرار حضور الهوية القومية العربية في الوعي الشعبي، حتى وإن غابت عن كثير من النقاشات اليومية. كما اكتسب المشهد دلالة إضافية بعدما أهدى المدير الفني للمنتخب المصري حسام حسن الفوز إلى الشعبين المصري والفلسطيني، في رسالة تجاوزت الإطار الرياضي وربطت الإنجاز بقضايا وجدانية يتشاركها قطاع واسع من الرأي العام العربي.

وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا التحليل للإجابة على تساؤل؛ لماذا التفت الجماهير العربية حول المنتخب المصري؟ وهل تمثل حالات التضامن التي تظهر خلال الأزمات والإنجازات مجرد استجابات عاطفية عابرة، أم أنها تعكس وجود هوية عربية جمعية لا تزال موجودة في الوعي الشعبي؟

احتفاء قومي

أكد تأهل المنتخب المصري لدور 16 في كأس العالم 2026 أن الأزمات ليست وحدها القادرة على خلق حالة من الشعور بالفخر والانتماء، فأحيانًا تلعب الإنجازات الاستثنائية هذا الدور بشكل أكثر فاعلية، ففي أعقاب مباراة مصر وأستراليا، لم تقتصر ردود الفعل على الشارع المصري، وإنما امتدت سريعًا إلى مختلف العواصم العربية، حيث تصدرت عبارات التهنئة والدعم منصات التواصل الاجتماعي، واحتفت وسائل الإعلام العربية بالإنجاز باعتباره إنجازًا للعرب في واحدة من أكبر البطولات الرياضية العالمية.

سادت حالة من الاحتفاء بالمنتخب المصري من جميع الشعوب العربية على كافة وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما جاء ليكشف أن الشعوب العربية تظل في حالة من التضامن، على الرغم من كل ما يُثار من وقت لآخر عن توتر العلاقات فيما بينها في ظل الحملات الإلكترونية الممنهجة من الذباب الإلكتروني والتي تهدف إلى بث الفرقة بين الشعوب وإضعاف الشعور بالهوية العربية المشتركة.

فالمملكة العربية السعودية من أكثر الدول التي حاول الذباب الإلكتروني مؤخرًا إثارة الفرقة بين شعبها والمصريين من خلال حملات إساءة لشعبي البلدين، إلا أن كل تلك الإدعاءات قد سقطت أرضًا في أعقاب فوز المنتخب، حيث قام الشعب السعودي بالاحتفال بالمنتخب المصري وتوجيه التهنئة، حتى أنه انتشر فيديو عبر إحدى منصات مواقع التواصل الاجتماعي عن بث المباراة في إحدى قاعات الزفاف وما صاحبها من مظاهر احتفال عارمة، أظهرت أن الشعوب العربية ما زالت تحتفظ بجذور الوحدة كامنة في وجدانها.

كما جاء المشهد بشكل أكثر تأثيرًا في غزة، حيث شهدت غزة في وسط الركام حالة من الفرح العارمة والاحتفالات بتأهل المنتخب المصري مصحوبة برفع العلم المصري، لتكون واحدة من أكثر مظاهر الاحتفال تأثيرًا لتمنح الحدث بعدًا إنسانيًا ورمزيًا، ولتكشف أن مصر كدولة عربية بسياستها وشعبها ما تزال قادرة على بث الشعور بالمصير والهوية المشتركة تخلق مساحة مشتركة يتجاوز فيها الناس ظروفهم اليومية لينخرطوا في شعور واحد بالانتصار.

ويكشف تحليل التفاعلات الرقمية التي أعقبت المباراة عن أن الخطاب العربي لم يركز فقط على النتيجة، وإنما على دلالتها، إذ تكررت مفردات مثل “رفع الرأس”، و”الفخر العربي”، و”ممثل العرب”، بصورة لافتة، بما يعكس أن الجمهور العربي تعامل مع المنتخب المصري بوصفه حاملًا لآمال تتجاوز جمهوره المحلي. كما حظيت الاحتفالات التي شهدتها الجاليات العربية في عدد من الدول باهتمام إعلامي، وبرزت مشاهد احتفال المصريين إلى جانب مواطنين من دول عربية مختلفة، وهو ما يؤكد أن كرة القدم لا تخلق الهوية المشتركة، لكنها تمنحها فرصة للظهور بصورة واضحة أمام الرأي العام. لقد تحول الانتصار الرياضي إلى مساحة استعاد فيها العرب شعورًا قديمًا بأن نجاح طرف منهم يمكن أن يصبح مصدر فخر للجميع، وهو ما يصعب تفسيره بمنطق المنافسة الرياضية وحدها.

وعلى الرغم من أن بطولة كأس العالم 2022 قد شهدت التفافًا عربيًا واسعًا حول المنتخب المغربي بعد إنجازه التاريخي والتأهل للمربع الذهبي، فإن مونديال 2026 أنتج المشهد نفسه مع المنتخب المصري، بما يشير إلى وجود نمط متكرر في السلوك الشعبي العربي. فعندما يصبح أحد المنتخبات العربية الممثل الوحيد أو الأبرز للعرب في بطولة عالمية، تنتقل عملية التشجيع من إطار الانتماء الوطني إلى إطار الانتماء الحضاري، ويصبح الفوز تعبيرًا عن قدرة العرب على المنافسة في المحافل الدولية، وليس مجرد نتيجة تخص منتخبًا بعينه. ومن ثم، فإن تأهل مصر إلى دور 16 لا يمكن النظر إليه باعتباره إنجازًا كرويًا فقط، بل باعتباره مؤشرًا على أن الشعوب العربية لا تزال تمتلك استعدادًا للتوحد كلما وجدت حدثًا يوقظ الشعور بالهوية والكرامة والإنجاز المشترك، وهو ما يعيدنا إلى سؤال رئيسي: إن الوحدة الشعبية العربية لا تختفي، وإنما تنتظر اللحظة التي تمنحها فرصة للظهور.

الشعور الجمعي بالانتماء العربي

إن استجابة الشعوب العربية للأحداث التي تشهدها المنطقة لا تأتي بنفس الوتيرة، كما أن التضامن الشعبي لا ينشأ بشكل تلقائي مع كل أزمة أو إنجاز، وإنما يرتبط بقدرة الحدث على تجاوز حدوده المحلية ليصبح جزءًا من الوعي الجمعي العربي. ورغم التحولات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة في الفترة الأخيرة وتزايد حالة الاستقطاب الإقليمي، واختلاف البيئات السياسية والاجتماعية التي تعيش فيها كل دولة عربية، إلا أن المواطن العربي عندما يشعر بأن ما يحدث في دولة عربية ما يمس منظومة القيم المشتركة، أو يرتبط بالدفاع عن الكرامة الإنسانية، أو يمثل إنجازًا استثنائيًا ينعكس على صورة العرب أمام العالم، تتراجع الحدود الجغرافية لصالح شعور أوسع بالانتماء، وتتشكل حالة من الالتفاف الشعبي العابر لحدود الدول. ومن ثم، فإن وحدة الشعوب العربية لا ترتبط بطبيعة الحدث بقدر ما ترتبط بمدى نجاحه في خلق إحساس بأن الجميع متأثرين بنتائجه، سواء كان هذا الحدث حربًا أو كارثة إنسانية أو إنجازًا رياضيًا.

ويمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال مفهوم “الهوية المتخيلة” الذي طرحه بندكت أندرسون في تفسير نشأة القوميات الكبرى، والذي يرى أن الجماعات الكبرى لا تحتاج إلى معرفة شخصية بين أفرادها حتى تتشكل لديها هوية مشتركة، وإنما يكفي وجود سردية ورموز وقيم تجعل كل فرد يشعر بأنه جزء من جماعة أكبر. فاللغة والإرث الثقافي والقضايا المشتركة والفضاء الإعلامي العربي، جميعها أسهمت في بناء شعور بالانتماء يتجاوز حدود الدولة، ويظهر بوضوح كلما برز حدث قادر على استدعاء هذه الرموز المشتركة. وعليه، فإن التفاعل العربي الواسع مع بعض الأحداث لا يعكس مجرد تعاطف عابر، بل يعبر عن استدعاء مؤقت لهوية كامنة تستعيد حضورها كلما وجدت مناسبة جامعة.

وشهد الشارع العربي حالة كبيرة من التضامن الشعبي غير المسبوق أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة، وقد جاء التضامن في حملات الدعم الإنساني ومحاولات إدخال المساعدات الغذائية، والوقفات التضامنية والتفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي المكثف وتصدر الوسوم الداعمة للفلسطينيين ومحاولة تسليط الضوء على الانتهاكات الجسيمة التي مارستها سلطات الاحتلال في حرب الإبادة، ولم يكن هذا التفاعل مرتبطًا بالجغرافيا أو بالمصلحة المباشرة، بل انطلق من إدراك شعبي بأن القضية الفلسطينية لا تزال تمثل قضية جامعة في الوجدان العربي، وهو ما أعاد إنتاج شعور بالمصير المشترك رغم اختلاف البيئات الاجتماعية والاقتصادية بين المجتمعات العربية. وأظهرت تقارير إعلامية دولية أن المحتوى المتعلق بغزة هيمن لفترات طويلة على النقاش العام في المنصات الرقمية العربية، بما يعكس قدرة بعض القضايا على تجاوز الحدود الوطنية وصناعة مساحة وجدانية مشتركة بين الشعوب العربية.

ولا يقتصر التضامن العربي على أوقات الصراع، بل يظهر كذلك عندما تواجه إحدى الدول العربية تهديدًا يُنظر إليه شعبيًا باعتباره يمس الأمن العربي بصورة أشمل، حيث يتجه الرأي العام الشعبي للتعبير عن التضامن انطلاقًا من فكرة أن استقرار أي دولة عربية يمثل عنصرًا من عناصر استقرار الإقليم ككل. فقد رفضت الدول العربية الاعتراف بما يسمى “أرض الصومال” باعتبارها تهديدًا صارخًا لسيادة دولة عربية وسلامة أراضيها، كما رفضت شعوب عربية ونددت باستهداف إيران المتكرر لدول الخليج في الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية، وأبدت الشعوب العربية عن تضامنها مع دول الخليج، كما أثارت الاستهدافات مشاعر العروبة لدى الشعوب التي باتت في حالة قلق بشأن ما يجري في الخليج، لما يربط الدول العربية ببعضها بعلاقات وأواصر وطيدة.

وتكشف متابعة النقاشات الرقمية خلال فترات التصعيد الإقليمي أن الخطاب الشعبي يتجاوز في كثير من الأحيان حدود الدولة الوطنية، ليتبنى مصطلحات مثل “الأمن العربي” و”المصير المشترك” و”حماية المنطقة”، بما يعكس أن الروابط الثقافية واللغوية والتاريخية لا تزال قادرة على إنتاج مواقف تضامنية عندما يفرض الحدث نفسه بوصفه تحديًا يتجاوز حدود دولة بعينها. ومن ثم، فإن ما يجمع الشعوب العربية في مثل هذه اللحظات ليس التشابه السياسي أو الاقتصادي، وإنما الإحساس بأن الخطر أو التحدي أو حتى النجاح يمس فضاءًا حضاريًا واحدًا ينتمي إليه الجميع.

انتماء كامن

كشف مونديال 2026 أن وحدة الشعوب العربية لا تُبنى بالضرورة على استمرار الحدث، وإنما على نوعيته وقدرته على مخاطبة الوجدان الجمعي. فالتفاعل الشعبي العربي مع الحرب على غزة، والتضامن مع الدول العربية عند تعرضها لتهديدات تمس أمنها، ثم الالتفاف الواسع حول المنتخب المصري في كأس العالم 2026، جميعها أحداث مختلفة في طبيعتها، لكنها تشترك في عنصر واحد، هو أنها دفعت عدد كبير من المواطنين إلى تجاوز الانتماء الوطني الضيق لصالح شعور أوسع بالانتماء العربي. ويؤكد ذلك أن الرابط الذي يجمع الشعوب العربية لا يختفي بمرور الوقت، بل يظل حاضرًا في الوعي الجمعي، ويظهر كلما نشأت قضية أو مناسبة تُعيد تفعيل هذا الشعور المشترك. وبناءًا عليه، فإن السؤال لم يعد: هل توجد هوية عربية جامعة؟ وإنما: ما نوع الأحداث القادرة على استدعائها؟

وفي هذا السياق، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في تسريع تشكل هذا الوعي الجمعي، بعدما أصبحت تمثل المجال العربي العام الذي تلتقي فيه الشعوب بعيدًا عن الحدود الجغرافية. فقد أتاحت هذه المنصات انتقال مشاعر الفرح أو التضامن بصورة لحظية، وأسهمت في تحويل حدث محلي إلى قضية عربية خلال ساعات قليلة، وهو ما ظهر بوضوح في التفاعل مع تأهل المنتخب المصري، حيث انتشرت مقاطع الاحتفال ورسائل التهنئة والوسوم الداعمة عبر مختلف الدول العربية، لتخلق حالة وجدانية مشتركة تجاوزت الانتماءات المحلية. ولم تعد وسائل التواصل مجرد أداة لنقل الخبر، بل أصبحت فاعلًا رئيسيًا في صناعة الإدراك الجمعي، وتعزيز الشعور بأن ما يحدث في دولة عربية يمكن أن يصبح شأنًا يخص العرب جميعًا. فقد ساهمت منصات التواصل في تشكيل الوعي الجمعي العربي، وجعلت التفاعل الشعبي أكثر سرعة واتساعًا من أي وقت.

وتأسيسًا على ما سبق فإن الرياضة لم تعد مجرد نشاط ترفيهي أو منافسة بين منتخبات، وإنما أصبحت إحدى أدوات القوة الناعمة القادرة على تعزيز الانتماء المشترك وصناعة رواية إيجابية عن المنطقة العربية في المحافل الدولية. فعندما يلتف ملايين العرب حول منتخب عربي يحقق إنجازًا عالميًا، فإنهم لا يحتفلون بنتيجة مباراة فحسب، بل يعبرون عن رغبة كامنة في رؤية نموذج عربي ناجح قادر على المنافسة، وهو ما يفسر التحول السريع من تشجيع منتخب وطني إلى تبني خطاب يتحدث عن “إنجاز العرب”. ومن ثم، فإن استغلال مثل هذه اللحظات من خلال تعزيز التعاون الرياضي والثقافي والإعلامي بين الدول العربية قد يسهم في ترسيخ مساحات التلاقي الشعبي، بما يجعل الرياضة إحدى أدوات تعزيز التضامن العربي، وليس مجرد مناسبة عابرة للاحتفال.

وختامًا، يمكننا القول إن تأهل مصر إلى دور  16في كأس العالم 2026 لم يكن مجرد صفحة جديدة في تاريخ الكرة المصرية، وإنما مثل اختبارًا لطبيعة العلاقات بين الشعوب العربية. فقد أثبتت ردود الفعل الشعبية أن الهوية العربية لا تزال قادرة على تجاوز الحدود السياسية عندما يظهر حدث يمنحها معنى مشتركًا، وأن الإنجاز الرياضي يستطيع أن يتحول إلى مناسبة لاستعادة شعور الانتماء إلى فضاء ثقافي وحضاري واحد. وبناءًا عليه ليست المشكلة في غياب الروابط بين الشعوب العربية، وإنما في ندرة اللحظات التي تسمح لهذه الروابط بأن تعبر عن نفسها. وعندما تتوافر هذه اللحظات، سواء في ميدان الصمود أو في ميادين المنافسة والإنجاز، تتكشف حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن الوجدان العربي المشترك لا يزال حاضرًا، ينتظر فقط الحدث القادر على استدعائه.

سناء عوض الله

سناء عوض الله- باحثة ببرنامج دراسات السياسات العامة بالمركز. الباحثة حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية، وتعد رسالة الماجستير في دراسات الأمن الإقليمي. مهتمة بدراسة التحولات الاجتماعية والديمغرافية في منطقة الشرق الأوسط، كما أنها متابعة للشئون المصرية، خاصة التحولات الاقتصادية في السوق المصري (دراسات السوق).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى