معركة الهوية: كيف تصدى المصريون لدعوات الأفروسنتريك؟

نورهان شرارة- باحثة مساعدة في وحدة الدراسات الدولية 

خلال الأشهر الأخيرة تحولت قضية “الأفروسنتريك” من نقاش محدود داخل بعض الدوائر الأكاديمية والمهتمين بالتاريخ إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل على منصات التواصل الاجتماعي المصرية. فمع تزايد انتشار المحتوى الذي يطرح تصورات خاصة حول أصول الحضارة المصرية القديمة وهوية المصريين القدماء، تصاعدت حالة من التفاعل المجتمعي الواسع، تجاوزت حدود النقاش التاريخي التقليدي لتلامس قضايا الهوية والانتماء والوعي الحضاري.

ولم يقتصر الجدل على تبادل الآراء بين المستخدمين، بل شهدت الساحة الرقمية حالة من الحشد والتعبئة المجتمعية، شارك فيها صناع محتوى وباحثون ومؤثرون ومستخدمون عاديون، سعيًا إلى الدفاع عن الرواية التاريخية التي يتبناها قطاع واسع من المصريين. كما امتد التفاعل لاحقًا إلى المؤسسات الرسمية، التي دخلت على خط المواجهة عبر مبادرات وحملات توعوية هدفت إلى تعزيز الوعي الأثري والتاريخي. وفي ضوء ذلك، يطرح هذا التحليل تساؤلًا رئيسيًا حول طبيعة استجابة المصريين لدعوات الأفروسنتريك، وكيف انتقلت المواجهة من فضاء السوشيال ميديا إلى مستوى التحرك المؤسسي الرسمي.

ظهور الأفروسنتريك:

يشير مصطلح “الأفروسنتريك” أو “المركزية الإفريقية” إلى تيار فكري وثقافي ظهر في الولايات المتحدة الأمريكية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ويهدف إلى إعادة قراءة التاريخ العالمي من منظور يركز على دور الشعوب الإفريقية وإسهاماتها الحضارية، انطلاقًا من رؤية ترى أن السرديات الغربية التقليدية همشت هذا الدور أو قللت من أهميته عبر فترات طويلة.

وجاء ظهور هذا التيار في سياق أوسع ارتبط بحركات الحقوق المدنية والدفاع عن الهوية الإفريقية الأمريكية، حيث سعى عدد من المفكرين والباحثين إلى إبراز الجذور التاريخية والثقافية للشعوب ذات الأصول الإفريقية، وإعادة الاعتبار لدورها في تشكيل الحضارة الإنسانية.

ومع مرور الوقت، أولى بعض المنتمين إلى هذا التيار اهتمامًا خاصًا بالحضارة المصرية القديمة باعتبارها إحدى أقدم الحضارات وأكثرها تأثيرًا في التاريخ الإنساني. وترتب على ذلك طرح مجموعة من الرؤى والتفسيرات المتعلقة بأصول المصريين القدماء وانتماءاتهم الثقافية والعرقية، وهي أطروحات أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط الأكاديمية والإعلامية في مصر وخارجها.

ومع انتقال هذه الطروحات إلى منصات التواصل الاجتماعي، بدأ عدد من صناع المحتوى والمؤثرين المصريين في رصد المواد التي ينتجها المنتمون إلى التيار الأفروسنتريكي والرد عليها، الأمر الذي ساهم في تحويل القضية من نقاش متخصص إلى قضية رأي عام حظيت بمتابعة واسعة، وأثارت نقاشات متزايدة حول التاريخ والهوية والموروث الحضاري المصري.

ردود فعل مصرية:

من خلال رصد أولي لعينة مكونة من 25 منشورًا وفيديو تناولت الرد على أطروحات الأفروسنتريك خلال شهر مايو 2026 عبر منصة فيسبوك، يمكن الوقوف على طبيعة الخطاب السائد واتجاهات التفاعل بين المستخدمين المصريين تجاه هذه القضية.

وبحسب نتائج الرصد، سجلت المواد محل الدراسة نحو 348,117 تفاعلًا على منصة فيسبوك، إلى جانب 19,397 تعليقًا، فيما أعاد ما يقرب من 10 آلاف مستخدم نشر هذا المحتوى مصحوبًا بتعليقات عبّرت في معظمها عن رفض الطروحات الأفروسنتريكية أو انتقادها.

كما أظهرت نتائج تحليل التعليقات أن نحو 88% من التفاعلات جاءت في إطار الرفض أو المعارضة لهذه الأفكار، مقابل 12% فقط توزعت بين المؤيدين والمحايدين، وهو ما يعكس وجود اتجاه عام يميل إلى رفض هذه الطروحات داخل العينة محل الدراسة.

ولا تعكس هذه الأرقام حجم التفاعل الرقمي فحسب، بل تكشف أيضًا عن تحول القضية إلى مساحة للتعبير عن الانتماء والهوية، حيث تعامل كثير من المستخدمين مع الجدل الدائر باعتباره مرتبطًا بصورة التاريخ المصري ومكانته الحضارية، أكثر من كونه خلافًا أكاديميًا حول تفسيرات تاريخية متباينة.

من التفاعل إلى المواجهة الرقمية:

لم يقتصر التعامل مع الجدل المرتبط بالأفروسنتريك على ردود الفعل الشعبية والمجتمعية، بل امتد إلى مستوى التحرك المؤسسي الرسمي. فمع تزايد انتشار المحتوى المرتبط بهذه الأطروحات على منصات التواصل الاجتماعي، بدأت وزارة السياحة والآثار في تبني مقاربة أكثر فاعلية لمواجهة ما اعتبرته معلومات تاريخية غير دقيقة تتعلق بالحضارة المصرية القديمة.

وفي هذا السياق، أطلقت الوزارة مبادرة “تحدي الـ100 يوم”، التي استهدفت نشر محتوى معرفي وتوعوي يستند إلى الحقائق الأثرية والتاريخية الموثقة، بهدف تعزيز الوعي العام بالحضارة المصرية وتصحيح المفاهيم المغلوطة المتداولة عبر الفضاء الرقمي.

كما برز دور الصفحة الرسمية للإدارة العامة للوعي الأثري التابعة لوزارة السياحة والآثار على موقع فيسبوك، والتي تحولت إلى منصة رقمية متخصصة في تبسيط المعلومات الأثرية والرد على الادعاءات المتداولة بشأن الحضارة المصرية القديمة. واعتمدت الصفحة على نشر مواد توعوية وإنفوجرافات ومقاطع فيديو قصيرة تستند إلى نتائج الأبحاث والدراسات العلمية، في محاولة لتقديم رواية قائمة على الأدلة التاريخية والأثرية.

ويعكس هذا التحرك انتقال القضية من نطاق الجدل المجتمعي إلى مستوى الاهتمام المؤسسي، حيث لم تعد المواجهة مقتصرة على المستخدمين وصناع المحتوى، بل أصبحت جزءًا من جهود رسمية أوسع تستهدف حماية الوعي التاريخي وتعزيز المعرفة العلمية ومواجهة المعلومات المضللة في البيئة الرقمية.

في النهاية يُمكن القول، لقد كشفت تجربة الجدل المرتبط بالأفروسنتريك عن قدرة قضايا الهوية والتاريخ على حشد تفاعلات واسعة داخل المجتمع المصري، خاصة عندما يتعلق الأمر بالموروث الحضاري الذي يشكل أحد أهم عناصر الوعي الوطني. فنتائج الرصد أظهرت أن غالبية التفاعلات اتجهت نحو رفض هذه الأطروحات، مع بروز أنماط متنوعة من المواجهة شملت إنتاج المحتوى التوعوي، وتداول الروايات التاريخية المضادة، واستخدام أدوات السخرية والتعبير الشعبي في الفضاء الرقمي.

وفي الوقت ذاته، أظهرت التجربة أن مواجهة السرديات المثيرة للجدل لم تعد مسؤولية الأفراد وحدهم، بل أصبحت جزءًا من أدوار المؤسسات الرسمية المعنية بحماية التراث والوعي الثقافي. ومن ثم، فإن أهمية هذه القضية لا ترتبط فقط بطبيعة الأفكار المطروحة، وإنما بما كشفت عنه من حضور قوي لقضايا الهوية في المجال العام، وقدرة المجتمع المصري على الانتقال من التفاعل الرقمي إلى إنتاج حالة أوسع من الوعي والدفاع عن موروثه الحضاري عبر مسارات شعبية ومؤسسية متكاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى