إدارة الفراغ: كيف تحاول جماعات الساحل الإفريقي توسيع نفوذها المحلي؟

كشفت وكالة رويترز في 13 يونيو 2026 عن تغير ملحوظ في سلوك جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة في بعض المناطق الخاضعة لنفوذها داخل مالي. ووفقًا للتقرير، لم تعد الجماعة تركز فقط على تنفيذ الهجمات المسلحة أو استهداف القوات الحكومية، بل بدأت تمارس أدوارًا أقرب إلى وظائف الدولة، من خلال جمع الضرائب على المحاصيل والماشية، والتدخل في تسوية النزاعات المحلية، وتوزيع بعض المساعدات الغذائية والطبية، فضلًا عن عقد اجتماعات دورية مع السكان المحليين لإدارة شؤون المناطق الواقعة تحت سيطرتها.

ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة؛ لأنه يأتي في وقت تشهد فيه مالي والساحل الإفريقي عمومًا تصاعدًا غير مسبوق في نفوذ الجماعات المسلحة، بالتزامن مع تراجع الحضور الدولي وانسحاب القوات الفرنسية والأممية، واستمرار حالة الهشاشة الأمنية والسياسية التي تعاني منها المنطقة. كما يتزامن ذلك مع سلسلة هجمات نوعية نفذتها الجماعة خلال الأشهر الماضية، وصلت إلى محيط العاصمة باماكو، وأظهرت قدرة متزايدة على الحركة والتنسيق والتحالف مع فصائل مسلحة محلية.

وتثير هذه التطورات تساؤلات حول ما إذا كانت بعض الجماعات المسلحة في الساحل الإفريقي تحاول الانتقال من مجرد تنظيمات متمردة إلى فاعلين محليين يسعون إلى إدارة المجتمعات الواقعة خارج سيطرة الدولة؟ وهل يمثل ذلك مرحلة أولية من مراحل بناء سلطة موازية أم مجرد تكتيك مؤقت لتعزيز النفوذ وكسب الحاضنة المحلية؟ وكيف يعكس هذا التحول محاولة التطبيق العملي لاستراتيجية إدارة التوحش التي طالما تبنتها التنظيمات الإرهابية؟

إدارة الفراغ:

المؤشرات الميدانية في مالي لا تشير إلى سيطرة كاملة على أقاليم واسعة أو إنشاء مؤسسات حكم متكاملة، بل إلى تمدد تدريجي داخل عدد من المناطق التي تعاني ضعف الحضور الحكومي وصعوبة وصول الخدمات العامة إليها. وتشير التقديرات إلى أن هذه الأنشطة تتركز في أجزاء من أقاليم موبتي وسيغو وكوليكورو وبعض المناطق المحيطة بمحاور الحركة نحو العاصمة باماكو، وهي مناطق تمثل نسبة محدودة من إجمالي مساحة الدولة التي تتجاوز 1.2 مليون كيلومتر مربع، بينما تظل المدن الرئيسية والمراكز الحضرية الكبرى بعيدة عن هذا النفوذ المحلي للجماعات الإرهابية. وبصورة تقريبية يمكن القول إن المناطق التي ظهرت فيها هذه الممارسات تمثل أقل من 8% من مساحة مالي الإجمالية.

وتبرز أهمية هذه الممارسات في أنها تعكس انتقال الجماعة من التركيز الحصري على العمل المسلح إلى محاولة بناء حضور يومي داخل المجتمعات المحلية. فبدلًا من الاكتفاء بتنفيذ الهجمات، أصبحت الجماعة أكثر انخراطًا في إدارة بعض القضايا المرتبطة بحياة السكان، مثل تسوية النزاعات بين المزارعين والرعاة، وتنظيم بعض الأنشطة الاقتصادية المحلية، وتأمين طرق الحركة والتجارة في مناطق نفوذها.

إذ يستند هذا النفوذ إلى شبكة معقدة من العلاقات تضم بعض زعماء القبائل المحلية، وشبكات الرعي العابرة للحدود، وعناصر من المجتمعات الفولانية والطوارقية، إضافة إلى جماعات مسلحة محلية وجدت في التعامل مع جماعة نصرة الإسلام وسيلة لتحقيق مكاسب أمنية أو اقتصادية أو قبلية، وهو ما وفر لها بيئة حركة أوسع من مجرد الاعتماد على القوة المسلحة.

ولا يعني ذلك بالضرورة وجود تأييد شعبي واسع لمشروع الجماعة الأيديولوجي، إذ تشير الخبرات المتراكمة في منطقة الساحل إلى أن جانبًا كبيرًا من القبول المحلي يرتبط باعتبارات عملية أكثر منه قناعة فكرية. فالسكان الذين يفتقدون الأمن أو الخدمات غالبًا ما يميلون إلى التعامل مع الطرف الأكثر قدرة على توفير هذه الاحتياجات، بصرف النظر عن الخلفية الفكرية التي ينطلق منها. ومن ثم؛ فإن ما يظهر في بعض المناطق لا يعكس نشوء حاضنة شعبية شاملة بقدر ما يعكس حالة من التكيف مع موازين القوى المحلية والبحث عن بدائل للفراغ الإداري والأمني.

وفي هذا السياق؛ فإن التطور الأهم لا يتمثل في اتساع الرقعة الجغرافية التي تتحرك فيها الجماعة، بل في سعيها إلى تحويل النفوذ العسكري إلى نفوذ اجتماعي وإداري. فكلما نجحت التنظيمات المسلحة في ربط وجودها بمصالح السكان اليومية، ازدادت قدرتها على ترسيخ حضورها وتوسيع دائرة التأثير حولها. ولذلك فإن ما تشهده مالي اليوم لا يمكن اعتباره قيام سلطة بديلة مكتملة الأركان، لكنه يكشف عن مرحلة أكثر تقدمًا من مجرد التمرد المسلح؛ مرحلة تسعى فيها الجماعة إلى إدارة الفراغات واستثمار غياب الدولة لبناء نفوذ محلي طويل الأمد.

وعليه، فإن المؤشرات التي رصدها تقرير رويترز، رغم أهميتها، تجعل الربط بينها وبين نشوء نموذج حكم بديل للدولة ينطوي على قدر من المبالغة التحليلية، فالجماعة ما زالت تتحرك داخل نطاقات جغرافية محدودة وتعتمد على فراغات أمنية وإدارية محلية، ولم تصل بعد إلى مستوى السيطرة المؤسسية الذي يسمح باعتبارها سلطة موازية للدولة.

التوحش المعاصر:

لفهم ما حدث في مالي لا يكفي التوقف عند التحركات العسكرية أو حجم الأراضي التي باتت خارج سيطرة الدولة، بل يجب النظر إلى الخلفية الفكرية التي استندت إليها العديد من التنظيمات الإرهابية خلال العقود الماضية، والتي تجعل تلك الجماعات تسعى إلى الوصول إلى مرحلة الإدارة المحلية لمناطق نفوذها. وفي هذا السياق؛ يعد كتاب إدارة التوحش لأبي بكر الناجي أحد أبرز الأدبيات الاستراتيجية المتداولة داخل التيارات الإرهابية في هذا الشأن، فقد قدم تصورًا متكاملًا لكيفية انتقال التنظيمات المسلحة من مرحلة العمل السري أو المسلح إلى مرحلة السيطرة والحكم.

وتقوم الفكرة الأساسية لاستراتيجية التوحش على أن التنظيمات المتطرفة لا تستهدف إسقاط الدولة بصورة مباشرة، بل تسعى أولًا إلى استنزافها وإضعاف مؤسساتها عبر ما يسمى بـ”مرحلة النكاية والإنهاك”، من خلال تنفيذ هجمات متكررة ضد القوات الأمنية والبنية التحتية والمرافق الحيوية، بما يؤدي إلى تراجع قدرة الدولة على فرض سيطرتها على الأطراف والمناطق النائية. ومع اتساع الفراغ الأمني والإداري، تنتقل هذه التنظيمات إلى ما يعرف بـ”مرحلة إدارة التوحش”، وهي المرحلة التي لا تقتصر على السيطرة العسكرية فحسب، وإنما تشمل تولي وظائف الدولة نفسها.

فوفقًا لما جاء في الكتاب، فإن إدارة التوحش تختص بمجموعة من المهام التي يجب أن تقوم بها الجماعة المسيطرة، من بينها نشر الأمن الداخلي، وإقامة أنظمة قضائية محلية، وتأمين طرق الحركة والإدارة، وتوفير بعض الخدمات الأساسية للسكان، فضلًا عن بناء شبكات استخباراتية وجمع المعلومات، وإقامة تحالفات مع القوى والقبائل المحلية بما يضمن استمرار النفوذ وترسيخ شرعية الأمر الواقع.

وعند إسقاط هذه الاستراتيجية على ما يحدث حاليًا في مالي، تظهر أوجه التشابه التي تصل إلى حد التطابق في مراحل التنفيذ. فالجماعات المرتبطة بالقاعدة لم تكتف باستهداف الجيش المالي أو القوات الأجنبية، بل سعت تدريجيًا إلى ملء الفراغ الناتج عن تراجع حضور الدولة في أجزاء واسعة من الشمال والوسط. وفي العديد من المناطق أصبحت هذه الجماعات طرفًا في فض النزاعات المحلية، وفرض قواعدها الخاصة، وتأمين بعض مسارات الحركة والتجارة، مستفيدة من هشاشة المؤسسات الرسمية وضعف الخدمات الحكومية في بعض المناطق.

ولا يقتصر هذا النموذج على الحالة المالية وحدها، بل سبق أن ظهر بصور متفاوتة في عدد من التجارب المعاصرة. ففي الصومال تمكنت حركة الشباب من إنشاء منظومات موازية للجباية والقضاء والإدارة المحلية في مناطق نفوذها، وهو ما ساعدها على الاستمرار رغم سنوات طويلة من المواجهة العسكرية. كما وصل تنظيم داعش في العراق وسوريا من قبل إلى النموذج الأكثر اكتمالًا لتطبيق هذه الأفكار، عندما انتقل من تنظيم مسلح إلى سلطة تدير المدن والموارد والخدمات والضرائب.

لذلك؛ تكشف المؤشرات المرتبطة ببناء شبكات استخبارات محلية عن انتقال هذه الجماعات إلى مرحلة أكثر تطورًا من التنظيم، بما يرجح قدرتها على التكيف مع الضغوط العسكرية وإعادة إنتاج نفسها حتى في حالة فقدانها لبعض المناطق. ومن ثم؛ فإن الخطر المستقبلي لا يتمثل في عدد العمليات المنفذة فقط، بل في محاولات تلك الجماعات التحول إلى بنى حكم موازية تمتلك المعلومات والنفوذ الاجتماعي، والقدرة على التأثير طويل المدى في المشهد الأمني والسياسي بمالي ومنطقة الساحل الإفريقي بأكملها.

التحالف الهجين:

تتمثل الدلالة الأهم في تنامي مؤشرات التنسيق بين جماعات إرهابية مثل نصرة الإسلام والمسلمين وبعض الفصائل المحلية ذات الامتداد القبلي، خاصة الفصائل الطوارقية. فهذا النوع من التحالفات لا يعني بالضرورة اندماجًا أيديولوجيًا كاملًا، لكنه يعكس تلاقيًا مرحليًا بين مشروعين مختلفين؛ مشروع جهادي يسعى إلى إنهاك الدولة وتوسيع مناطق نفوذه، ومشروع محلي انفصالي يبحث عن حماية أو مكاسب سياسية أو إعادة تموضع في مواجهة السلطة المركزية. وقد رصدت تقديرات بحثية حديثة تنسيقًا غير مسبوق بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد خلال هجمات أبريل 2026، بما يشير إلى تطور نوعي في بنية الصراع المالي.

وتزيد خطورة هذا التحالف أنه يمنح الجماعات الجهادية ما لا تستطيع القوة العسكرية توفيره؛ فهو يمنحها الحاضنة المحلية، والمعرفة الجغرافية، وشبكات التحرك، والقدرة على الاختباء والتمويه وجمع المعلومات. فحين تتحالف جماعة مسلحة عابرة للحدود مع فاعلين قبليين محليين، فإنها تتحول من تنظيم غريب عن البيئة إلى جزء من شبكة اجتماعية وسياسية يصعب تفكيكها بالقوة فقط. وهذا يفسر قدرة بعض الجماعات على الاستمرار رغم الضربات العسكرية، لأنها لا تعتمد فقط على السلاح، بل على شبكات النفوذ والوساطة والمصالح المحلية.

وتشير التقارير الدولية إلى أن قدرات هذه التنظيمات واقعية ومتنامية، لكنها ليست مطلقة. فجماعة نصرة الإسلام والمسلمين باتت أكثر قدرة على تنسيق الهجمات، واستهداف المراكز العسكرية والاقتصادية، والضغط على طرق الإمداد والمناطق المحيطة بباماكو، كما تشير تقديرات إلى توسع نشاطها وزيادة قدرتها على استنزاف الدولة ماليًا وأمنيًا. في المقابل، ما زالت هذه الجماعات تعمل في إطار محدد يتمثل في تعدد الولاءات المحلية، والتنافس مع تنظيمات أخرى مثل داعش في الساحل، وعدم امتلاكها حتى الآن جهازًا مركزيًا قادرًا على إدارة مالي بالكامل.

ومن ثم؛ فإن احتمال تعامل المجتمع الدولي مع هذه الجماعات بشكل مباشر يظل مستبعدًا في هذه المرحلة وفق المعطيات القائمة. والسيناريو الأقرب هو ظهور قنوات غير مباشرة أو تفاهمات محدودة عبر وسطاء محليين أو إقليميين، خاصة إذا أصبحت هذه الجماعات طرفًا لا يمكن تجاوزه في ملفات الأمن، وفتح الطرق، وتبادل الأسرى، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات.

لذلك؛ فإن مالي لا تقف اليوم أمام تكرار حرفي لنموذج أفغانستان وسوريا، لكنها تقف أمام نسخة ساحلية أكثر تعقيدًا، تقوم على تداخل الإرهاب مع القبلية والانفصال والاقتصاد غير الرسمي. والخطر الحقيقي لا يتمثل في أن تصبح هذه الجماعات سلطة مركزية أو بديلة في وقت قريب، وإنما في أن تتحول تدريجيًا إلى فاعل لا يمكن إدارة الأزمة أو تسويتها من دونه، بما يفتح الباب لشكل من أشكال الاعتراف العملي غير المعلن بنفوذها على الأرض في بعض المناطق.

أخيرًا؛ لا تتوقف خطورة هذه الجماعات عند عدد الهجمات التي تنفذها أو مساحة الأراضي التي تسيطر عليها، بل في طبيعة المشروع الذي تحمله. فهذه التنظيمات لا تنظر إلى الدولة باعتبارها إطارًا وطنيًا جامعًا، وإنما باعتبارها عقبة يجب تجاوزها أو استبدالها بسلطة عقائدية تدين لها بالولاء الكامل. ومن هنا؛ فإن كل توسع ميداني أو تحالف محلي أو شبكة نفوذ تبنيها لا تمثل هدفًا في حد ذاتها، بل خطوة ضمن مشروع أوسع يسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤيتها الخاصة.

لذلك؛ فإن الخطر الحقيقي لا يتمثل فقط في قدرتها على استغلال الفراغات الأمنية، إنما في سعيها إلى تحويل القوة المسلحة إلى مصدر للشرعية، وتحويل الانتماء إلى التنظيم إلى بديل عن الانتماء للدولة. ولعل الدرس الذي تكشفه الجماعات المتطرفة عبر العقود الماضية هو أن التنظيم قد ينجح في السيطرة على الأرض، وقد يفرض نفوذه على السكان، لكنه يظل عاجزًا عن إنتاج دولة مستقرة؛ لأن الدولة تقوم على المؤسسات والمواطنة، بينما تقوم التنظيمات على العقيدة المغلقة والولاء التنظيمي والإقصاء. وبين منطق الدولة ومنطق التنظيم يظل الصراع قائمًا، ليس على من يحكم فقط، بل على طبيعة المجتمع الذي يُراد بناؤه ومستقبل الإنسان الذي يعيش داخله.

أسماء دياب

د. أسماء دياب، المدير التنفيذي للمركز، ورئيس برنامج دراسات التطرف والإرهاب، دكتوراه في القانون الدولي- كلية الحقوق جامعة عين شمس، حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة، وحاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. وحاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة، خبيرة في شئون الحركات الإسلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى