مالي.. صعود المؤسسة العسكرية وإعادة تعريف السيادة

بغزو سميرة- باحثة جزائرية في العلوم السياسية 

تمثل الأزمة في جمهورية مالي واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في منطقة الساحل الأفريقي، بالنظر إلى تشابك أبعادها السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية، وتداخل أدوار الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين في مساراتها المختلفة. فمنذ اندلاع التمرد المسلح في شمال البلاد عام 2012، لم تعد الأزمة المالية مجرد تحدٍ أمني مرتبط بنشاط الجماعات المسلحة أو بتراجع سلطة الدولة المركزية، بل تحولت تدريجيًا إلى نموذج كاشف لهشاشة الدولة الوطنية في الفضاء الساحلي، وحدود فعالية التدخلات الخارجية، وتعقيدات إعادة بناء الشرعية السياسية في سياق ما بعد الاستعمار.

لقد كشفت التطورات المتلاحقة في مالي عن أزمة أعمق من مجرد صراع على السلطة أو اضطراب أمني عابر؛ إنها أزمة دولة بمعناها البنيوي، حيث تتداخل أزمة الشرعية مع أزمة الحوكمة، وتتقاطع تحديات السيادة الوطنية مع الضغوط والتدخلات الدولية. وفي الوقت ذاته، تعيد النخب السياسية والعسكرية صياغة العلاقة بين الداخل والخارج وفق تصورات جديدة للأمن والاستقلال السياسي.

ولا يمكن فهم الأزمة في مالي بمعزل عن الإرث التاريخي للدولة ما بعد الكولونيالية، إذ ورثت البلاد حدودًا سياسية لم تعكس بالضرورة الامتدادات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات المحلية، خاصة في الشمال، حيث تشكل المكونات الطوارقية والعربية فضاءات اجتماعية ذات خصوصية سياسية وهووية متميزة.

وقد ساهمت المركزية المفرطة في إدارة الدولة، إلى جانب التفاوت التنموي الحاد بين الجنوب والشمال، في ترسيخ شعور طويل الأمد بالتهميش السياسي والاقتصادي لدى قطاعات واسعة من السكان، الأمر الذي أدى إلى تكرار موجات التمرد منذ ستينيات القرن الماضي. كما أضعفت هشاشة المؤسسات العامة وانتشار الفساد الإداري قدرة الدولة على فرض حضورها الفعلي خارج العاصمة باماكو، لتتحول مناطق واسعة إلى فضاءات رخوة تتنافس فيها الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والتنظيمات المتطرفة على النفوذ والموارد.

وعليه، فإن الأزمة في مالي لا تمثل مجرد انهيار أمني، بل تعكس اختلالًا عميقًا في العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها، وعجز النموذج السياسي القائم عن استيعاب التعدد المجتمعي وإنتاج شرعية وطنية متماسكة.

التمرد المسلح وتحوّل المشهد الأمني:

يُعد عام 2012 نقطة تحول حاسمة في مسار الأزمة، بعدما انهار الجيش المالي أمام تحالف معقد ضم حركات طوارقية انفصالية وتنظيمات جهادية مرتبطة بشبكات عابرة للحدود. وقد أظهرت تلك المرحلة هشاشة المؤسسات المالية، ليس فقط من حيث القدرات العسكرية والعملياتية، بل أيضًا من حيث التماسك الداخلي والثقة الشعبية.

ومع التدخل العسكري الفرنسي عبر عمليتي “سيرفال” ثم “برخان”، جرى احتواء التوسع السريع للجماعات المسلحة، غير أن المعالجة العسكرية لم تفضِ إلى استقرار دائم، بل ساهمت أحيانًا في إعادة إنتاج ظروف الصراع، خاصة مع انتقال بؤر العنف إلى وسط البلاد ومناطق التماس الإثني.

كما أدى تصاعد نشاط الجماعات المسلحة إلى إعادة تشكيل أنماط العنف، حيث باتت بعض التنظيمات تمارس أشكالًا موازية من الحكم المحلي مستفيدة من الفراغ المؤسسي وضعف الثقة في الدولة.

وفي هذا السياق، مثل ظهور الحركة الوطنية لتحرير أزواد تعبيرًا سياسيًا عن هذا التوتر البنيوي، إذ طالبت الحركة في بداياتها بحق تقرير المصير وإقامة كيان مستقل في شمال مالي، قبل أن تتداخل مطالبها لاحقًا مع صعود جماعات مسلحة ذات مرجعيات دينية متشددة، الأمر الذي أدى إلى تعقيد المشهد وتحول طبيعة الصراع من نزاع سياسي ذي أبعاد هوياتية إلى أزمة أمنية متعددة الفاعلين والمستويات.

صعود المؤسسة العسكرية وإعادة تعريف السيادة:

شهدت مالي منذ عام 2020 سلسلة من التحولات السياسية الحادة، كان أبرزها الانقلابان العسكريان اللذان أعادا المؤسسة العسكرية إلى قلب المشهد السياسي. وقد بررت النخب العسكرية تدخلها بعجز السلطة المدنية عن مواجهة التدهور الأمني، وبفشل الشركاء الدوليين في تحقيق نتائج ملموسة.

غير أن عودة العسكريين إلى الحكم لم تكن مجرد استجابة ظرفية للأزمة، بل حملت معها خطابًا سياديًا جديدًا يقوم على مراجعة العلاقات مع القوى الغربية وإعادة التأكيد على أولوية القرار الوطني.

وفي هذا الإطار، أصبحت مفاهيم السيادة والتحرر من الوصاية الخارجية جزءًا أساسيًا من الخطاب السياسي الرسمي، بما يعكس تحولات أوسع تشهدها منطقة الساحل في علاقتها بالنظام الدولي.

حدود المقاربات الدولية وإعادة تشكيل التحالفات:

تُعد مالي نموذجًا دالًا على محدودية المقاربات الدولية التقليدية في إدارة الأزمات المعقدة. فعلى الرغم من الحضور العسكري الكثيف لفرنسا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، لم تنجح هذه الجهود في بناء استقرار مستدام أو تعزيز شرعية الدولة.

كما أدى تصاعد الخطاب المناهض للوجود الفرنسي إلى إعادة رسم خريطة التحالفات الدولية، مع توجه باماكو نحو شركاء جدد، من بينهم روسيا، بما يعكس سعيًا لإعادة تنويع علاقاتها الاستراتيجية.

غير أن استبدال شريك خارجي بآخر لا يعالج بالضرورة جذور الأزمة، خاصة إذا ظلت المقاربة الأمنية تطغى على متطلبات الإصلاح السياسي والمؤسسي.

أزمة الطوارق وإشكالية الاندماج الوطني:

تعد أزمة الطوارق أحد أكثر الأبعاد تعقيدًا واستمرارية في المشهد المالي، إذ لا يمكن فهم التحولات السياسية والأمنية في البلاد دون العودة إلى العلاقة التاريخية المتوترة بين الدولة المركزية في باماكو والمجتمعات الطوارقية في الشمال.

فالطوارق، باعتبارهم مكونًا اجتماعيًا وثقافيًا يتمتع بخصوصية لغوية وتاريخية ممتدة عبر فضاء الساحل والصحراء، لطالما عبروا عن شعور متكرر بالتهميش السياسي والاقتصادي وضعف التمثيل داخل مؤسسات الدولة الوطنية. وقد غذت هذه المشاعر سلسلة من التمردات المتعاقبة منذ استقلال مالي عام 1960، كان أبرزها انتفاضات أعوام 1963 و1990 و2006، وصولًا إلى تمرد عام 2012 الذي مثل نقطة تحول مفصلية في تاريخ الأزمة المعاصرة.

غير أن اختزال أزمة الطوارق في بعدها الانفصالي أو الأمني وحده يظل قراءة قاصرة لطبيعة المسألة، فالمعضلة في جوهرها ترتبط بإشكالية أعمق تتعلق بحدود الدولة الوطنية الحديثة في استيعاب الهويات المحلية المركبة، وبقدرتها على بناء نموذج سياسي يعترف بالتعدد الثقافي دون أن يهدد وحدة الدولة.

 آفاق التسوية وبناء الدولة:

إن مستقبل مالي يتوقف إلى حد بعيد على قدرة الفاعلين المحليين على الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق بناء الدولة. ويتطلب ذلك إعادة صياغة العقد السياسي على أسس أكثر شمولًا تعترف بالتعدد المجتمعي، وتعزز اللامركزية، وتعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.

كما أن تحقيق الاستقرار الدائم يستدعي تجاوز المقاربة العسكرية الضيقة نحو رؤية تنموية تربط الأمن بالعدالة الاجتماعية والتنمية المحلية والإدماج السياسي.

وفي المقابل، يبقى العامل الإقليمي حاسمًا نظرًا للطبيعة العابرة للحدود التي تتخذها التهديدات الأمنية في منطقة الساحل، وهو ما يجعل أي حل وطني معزول محدود الفاعلية والتأثير.

وعليه، تبدو أزمة الطوارق في مالي أكثر من مجرد نزاع محلي أو مطلب انفصالي؛ إنها اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إعادة تعريف مفهومي المواطنة والانتماء، والانتقال من منطق الضبط الأمني إلى منطق الإدماج السياسي والتسوية التاريخية. ومن ثم، فإن أي مقاربة جادة لتحقيق الاستقرار في مالي تظل رهينة بمعالجة هذه المسألة بوصفها قضية سياسية وهوياتية في المقام الأول، لا مجرد ملف أمني قابل للاحتواء العسكري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى