دور منظمات المجتمع المدني في تعزيز وقف حرب إيران

رضوى محمد- ضياء نوح
منذ الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026 والمؤسسات المختلفة تسعى إلى إيقافها بكافة السبل؛ نظرًا لتأثيراتها الاقتصادية السلبية على العالم أجمع، ولم تكن منظمات المجتمع المدني بعيدة عن ممارسة هذا الدور، لكنها بدأت في الضغط لإيقاف الحرب، من خلال الدعوة إلى الدبلوماسية، ورفع مستوى الوعي العام بالتكاليف الإنسانية للصراع، فلم تعد جهود الاحتواء مقتصرة فقط على الحكومات والقوى الكبرى فقط، بل أصبح لمنظمات المجتمع المدني دور محوري في الدفع نحو وقف التصعيد وتعزيز فرص السلام، إذ تسهم هذه المنظمات من خلال أدواتها المتنوعة التي تشمل المناصرة والتوعية والعمل الإنساني والضغط الدولي، في تشكيل رأي عام عالمي داعم لوقف الحرب، فضلًا عن تقديم الدعم المباشر للمتضرريين من النزاع، وفي هذا السياق تكتسب دراسة دور منظمات المجتمع المدني أهمية خاصة لفهم مدى قدرتها على التأثير في مسارات الصراع، والمساهمة في بناء بيئة مواتية للحلول السلمية المستدامة، بجانب دور الحكومات والمؤسسات الدولية الأخرى,
وتأسيسًا على ما سبق يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على دور منظمات المجتمع المدني في دعم وقف حرب إيران، مع توضيح تأثيرات هذا الدور.
أشكال التفاعل
تباينت مواقف منظمات المجتمع المدني باختلاف تطورها المؤسسي وتوجهاتها بين رافض للحرب باعتبارها عدوانًا على إيران حصرًا، وأخرى رافضة لتداعيات الحرب على المدنيين داخل إيران ودول مجلس التعاون الخليجي والمشرق العربي، وهو ما يمكن الوقوف على تفاصيله على النحو التالي:
(1) المواقف الفردية: خلال الأسبوع الأول تفاعلت عشرات منظمات المجتمع المدني مع تطورات حرب إيران، حيث رصدت منصة مراقبة المنظمات غير الحكومية (NGO monitor) تفاعل 41 منظمة مجتمع مدني حول العالم مع الحرب وإدانة الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران بصفة خاصة، من بينها 6 منظمات دولية غير حكومية، و15 منظمة في الولايات المتحدة الأمريكية و8 منظمات في أوروبا والمملكة المتحدة و7 مؤسسات في كندا من بينها منظمة “أصوات يهودية مستقلة”، فيما بلغ عدد المنظمات الإسرائيلية الرافضة للحرب ثلاث مؤسسات، ثم مؤسستي “الحق” و”السبيل” من المنظمات الفلسطينية[1].
(2) التحالفات: برزت العديد من التحالفات المدنية التي تبنت مواقف واضحة من حرب إيران، واشتركت تلك التحالفات في إدانة استخدام القوة والدعوة لتجنيب المدنيين آثار الصراع، فضلًا عن تعويض المتضررين من الصراع على أسس إنسانية واقتصادية وفرض المزيد من الضرائب على شركات النفط المستفيدة من ارتفاع أسعار الطاقة.
تحالف المنظمات الدولية غير الحكومية: نشر موقع منظمة “أوكسام” في 4 مارس 2026 بيانًا مشتركًا صادر عن المديرين الإقليميين لأربعة عشر منظمة دولية غير حكومية في منطقة الشرق الأوسط، أعرب عن القلق العميق من التصعيد العسكري المتسارع في منطقة الشرق الأوسط ومحيطها الأوسع.
اتحادات عمالية: جاءت الاتحادات العمالية في مجالات التعليم والخدمات العامة والصحافة والنقل والصناعة والغذاء والشحن في مقدمة التحالفات التي تبنت موقفًا موحدًا داع لإنهاء الحرب. حيث وقعت 9 اتحادات عمالية عالمية بيانًا مشتركًا في مارس 2026 أدان استخدام القوة من مختلف الأطراف ودعا لوقف إطلاق نار وإنهاء فوري للتصعيد واللجوء إلى الدبلوماسية والحلول السلمية[2].
تحالف سيفيكوس: يمثل التحالف 342 منظمة مجتمع مدني من مختلف مناطق العالم وبصفة خاصة من بلدان إفريقية مثل أوغندا وزيمبابوي ورواندا، ويقع المقر الرئيسي لمنظمة سيفيكوس في جوهانسبرج بجنوب إفريقيا[3].
أنماط الدور
يُمكن بلورة دور منظمات المجتمع المدني في وقف حرب إيران في النقاط التالية:
(-) الضغط لوقف الحرب: ظهرت خلال حرب إيران ظاهرة التحالف بين منظمات المجتمع المدني، إدراكًا منها بأن الصوت الجماعي له تأثير أكبر من الصوت الفردي، وبالتالي حذّر تحالف واسع يضم أكثر من 340 منظمة من منظمات المجتمع المدني من اتساع رقعة الحرب الإقليمية، وما يترتب عليها من عواقب إنسانية وخيمة تُؤثر على ملايين الأشخاص، حيث أشار التحالف إلى أن تصاعد الأعمال العدائية من قبل جهات فاعلة متعددة، حكومية وغير حكومية، يعرض ملايين المدنيين لخطر جسيم. وقد بدأت تظهر عواقب إنسانية كارثية في جميع أنحاء المنطقة، وأوضح التحالف في بيان خاص أنه منذ 28 فبراير، أدت الضربات العسكرية المنسقة والهجمات الانتقامية اللاحقة إلى تصعيد حاد في الصراع. وأحدثت ضربات الصواريخ والطائرات المسيرة، والحملات الجوية، والأعمال العدائية العابرة للحدود، دمارًا واسعًا في العديد من دول الخليج وبلاد الشام[4].
كما أوضح بيان التحالف أن المدنيين تحملوا وطأة العنف. وألحقت الهجمات أضرارًا و دمارًا بالمنازل والمدارس والمستشفيات والبنية التحتية للطاقة وشبكات المياه الحيوية. ومن بين أكثر الحوادث مأساوية، الهجوم على مدرسة ابتدائية للبنات في ميناب بجنوب إيران، والذي أسفر، بحسب التقارير، عن مقتل ما لا يقل عن 165 شخصًا، معظمهم من الأطفال الصغار، بالإضافة إلى ذلك أعرب البيان عن مخاوفه بشأن اعتقال ومقاضاة الأفراد بتهمة تبادل معلومات متعلقة بالحرب وتأجيل العمليات الديمقراطية، بما في ذلك الانتخابات، والمخاطر التي يواجهها المحتجزون والناشطون المسجونون في مناطق النزاع النشط، و الأزمات الإنسانية المستمرة في مناطق مثل غزة.
وجاء في البيان: “إن حجم هذا الصراع ومساره مثيران للقلق الشديد. يجب ألا يكون المدنيون والبنية التحتية المدنية أهدافًا على الإطلاق. يجب على جميع الأطراف الالتزام التام بالقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان”.
وفي هذا النطاق دعا التحالف إلى تحرك دولي عاجل ومنسق، يشمل خفض فوري للتصعيد ووقف إطلاق النار وإعطاء الأولوية للدبلوماسية والحوار على التصعيد العسكري وتكثيف جهود المجتمع الدولي؛ لمنع المزيد من النزاعات وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى السكان المتضررين وحماية منظمات المجتمع المدني والحريات الأساسية.
(-) رفض التدخل العسكري: أوضح بيان من قبل شركة بارس الإنسانية (شركة ناشطي التنمية)، وهي منظمة غير حكومية، أن الحوار والمشاركة بدلًا من التدخل العسكري يُشكلان السبيل الوحيد نحو عالم يتحقق فيه السلام، فالتدخل العسكري على الرغم من كل الإدعاءات أسفر عن نتائج عكسية، وعلى المدى البعيد يُعرض حقوق الإنسان للخطر، ومن هذا يتضح أن منظمات المجتمع المدني لا تُحبذ الخيار العكسري تحت أي مسمى، حيث أن نتائجه لا تأتي بأي خير على العالم أجمع.
(-) رفع الوعي بأهداف الحرب: منذ اللحظات الأولى للحرب التي بدأت في 28 فبراير 2026، سارعت شبكة المنظمات غير الحكومية إلى إطلاق إدانات متوقعة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، بدعوى “العدوان” و”انتهاكات القانون الدولي”. وقد صاغت هذه المنظمات الصراع من خلال سردياتها الأيديولوجية المعتادة التي تتحدث عن “الإمبريالية” و”الإبادة الجماعية” في غزة، و”آلة الحرب الصهيونية”، و”الديماجوجيين الفاشيين”، والحكومات الغربية كوكلاء لإسرائيل.
(-) إبراز التداعيات الاقتصادية والإنسانية العالمية: أبرزت بيانات منظمات المجتمع المدني مباعث القلق من التداعيات المعقدة للحرب وبصورة خاصة جراء الخسائر البشرية المدنية وموجات النزوح الكبرى وتدمير البنية التحتية الحيوية والخدمات الأساسية وتهديد إمدادات الطاقة العالمية والاستقرار الاقتصادي العالمي، والمخاطر على البيئة والصحة العامة جراء الهجوم على المنشآت النفطية.
(-) ممارسة الضغط الدولي: اضطلعت منظمات المجتمع المدني بدور هام في ممارسة الضغط الدولي لوقف حرب إيران، ففي الثاني من مارس أصدر الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان بيانًا صحفيًا يدين بشدة الهجمات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، والتي نُفذت في انتهاك للقانون الدولي، والهجمات الإيرانية اللاحقة في سبع دول على الأقل في المنطقة، كما غرد رئيس مؤسسة المجتمع المفتوح قائلاً : “لماذا لا ينتفض المزيد من الأوروبيين ضد هذه الحرب غير الشرعية؟ الأمر نفسه ينطبق على كندا! إنهم يلقون خطابات رنانة في المؤتمرات، لكنهم لا يفعلون شيئاً يُذكر. إسبانيا تتجه لتصبح رائدة العالم الحر!”.
وفي الثالث من مارس أوضحت منظمة العفو الدولية أنه “في ظل التصاعد السريع للأعمال العدائية الإقليمية في جميع أنحاء الشرق الأوسط في أعقاب الهجمات المشتركة المستمرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، والموجة اللاحقة من الهجمات الإيرانية الانتقامية في جميع أنحاء المنطقة، توجه منظمة العفو الدولية نداءًا عاجلًا إلى جميع الأطراف لحماية المدنيين، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، ولا سيما من خلال إنهاء الهجمات غير القانونية، مثل الهجمات المتعمدة أو العشوائية أو غير المتناسبة على المدنيين والبنى التحتية المدنية”.
وقد أطلقت المنظمة بيانًا دعت فيه إلى حماية المدنيين واحترام القانون الدولي في ظل تصاعد الصراع الإقليمي عقب الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وكتبت المنظمة: “إن الأزمة المتصاعدة في الشرق الأوسط تُشكّل تهديدًا خطيرًا للتعددية وسلامة النظام القانوني الدولي. فالأعمال غير القانونية التي ترتكبها أطراف النزاع، ولا سيما تلك التي ترتكبها دول نافذة، لا تُعرّض المدنيين للخطر في بلدانٍ عديدة فحسب، بل تُسرّع أيضًا من تآكل المعايير العالمية الضرورية لحماية حقوق الإنسان والسلام والأمن الدوليين”.
وفي الرابع من مارس 2026 غردت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية “أغنيس كالامارد” قائلة “لا ينبغي أن يدفع المدنيون ثمن الأعمال غير القانونية والمتهورة التي ترتكبها الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، والتي تُدمّر مبادئ الإنسانية والتمييز التي تُمثّل جوهر القانون الإنساني الدولي، وتُهدّد أسس السلام والأمن الدوليين”.
وفي الرابع من مارس أيضًا صرحت منظمة هيومن رايتس ووتش أنه على الاتحاد الأوروبي الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران؛ لحماية المدنيين واحترام قوانين الحرب في أوقات الأزمات، وأن على الحكومات الملتزمة بالقانون الدولي أن تكون مستعدة للدفاع عنه، ولاسيما حماية المعايير الإنسانية ومعايير حقوق الإنسان.
كما غردت آبي ماكسمان، المديرة التنفيذية لمنظمة أوكسفام أمريكا، قائلةً: “إن تصعيد الأحداث في الشرق الأوسط خلال عطلة نهاية الأسبوع يُعدّ انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وله تداعيات تتجاوز حدود المنطقة. إن هجمات الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران تقوّض النظام القائم على القواعد، وصمت العديد من القادة الغربيين في هذه اللحظة أمرٌ مثير للقلق البالغ”.
(-) الدفع لتمويل عمليات الإغاثة: في مؤشر على أهمية تسليط الضوء المستمر على حرب الشرق الأوسط، وتزامنًا مع اجتماعات الربيع للبنك وصندوق النقد الدوليين، أصدرت أكثر من 130 منظمة شملت اتحادات تجارية وحركات شعبية بيانًا مفتوحًا في 15 أبريل 2026، دعت فيه الحكومات لفرض ضرائب على شركات النفط نتيجة خروج نحو 100 مليار دولار من جيوب المستهلكين جراء ارتفاع أسعار الطاقة خلال الأزمة، خاصة في دول الجنوب العالمي الذين يعانون من عدم القدرة على التكيف مع الارتفاعات الجديدة جراء تصاعد أعباء الديون. واعتبرت تلك المنظمات أن الضغط على الحكومات لفرض ضرائب على شركات الوقود الأحفوري يساهم في إنهاء الحرب الغير قانونية وإغاثة العوائل والأسر المتضررة ويمول جزئيًا البنية التحتية لتوسع الاعتماد على الطاقة النظيفة.
(-) كشف الانتهاكات: إن كشف انتهاكات الحرب تعمل على رفع الوعي العام بحقيقة خيار الحروب التي تسلكها بعض الدول لتحقيق مصالحها، وهو الدور الأساسي لمنظمات المجتمع المدني، ففي 28 فبراير نشرت منظمة هيومن رايتس بيانًا تدعو جميع الأطراف لاحترام قوانين الحرب، وأعلنت فيه المنظمة أنها تُجري تحقيقًا في الضربات التي شنتها جميع الأطراف والتي ربما قد تكون انتهكت قوانين الحرب، حيث أنها قد وثقت انتهاكات لقوانين الحرب من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وإخفاقات خطيرة في حماية المدنيين.
وفي الثالث من مارس غردت هيومن رايتس ووتش قائلة: “تحظر قوانين الحرب منعًا باتًا الهجمات التي تستهدف المدنيين، بمن فيهم مسئولين من دول أخرى لا يشاركون بشكل مباشر في الأعمال العدائية. إن التلميح إلى أن القوات الإسرائيلية ستستهدف مسؤولين حكوميين إيرانيين يرفضون مغادرة لبنان أمرٌ مقلق للغاية، وهو بمثابة اعتراف بنية ارتكاب جريمة حرب”.
وقد أشارت التقديرات الحقوقية إلى أن أكثر من 3,000 مدني سقطوا خلال الأسابيع الأولى من التصعيد في منطقة الشرق الأوسط، وفق تقارير من هيومن رايتس ووتش، بينما وثقت منظمة العفو الدولية مئات الانتهاكات المرتبطة باستخدام القوة غير المتناسبة في مناطق مدنية. كما تم رصد أكثر من 150 حالة قصف لمناطق مأهولة خلال الشهر الأول فقط، ما رفع من مستوى القلق الدولي. في هذا السياق، اكتسبت منظمات المجتمع المدني أهمية متزايدة باعتبارها مصدرًا موثوقًا لتوثيق الانتهاكات، وأداة ضغط غير مباشرة على صُنّاع القرار، من خلال تحويل الأرقام والبيانات الميدانية إلى أدوات تأثير سياسي وقانوني على المستويين الإقليمي والدولي.
وتلخيصًا لدور منظمات المجتمع المدني في تعزيز وقف حرب إيران، يتضح أن دور منظمات المجتمع المدني في النزاعات المسلحة—ومنها الحرب الإمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026—يرتكز أساسًا على أدوات غير مباشرة لكنها ذات تأثير تراكمي مهم في الدفع نحو وقف الحرب أو تقليل حدتها.
فقد ساهمت منظمات مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش في توثيق الانتهاكات وفق منهجيات تحقيق ميداني ومعايير القانون الدولي الإنساني، وهو ما أتاح تحويل الأحداث من “سرد سياسي” إلى “ملف حقوقي موثق”. هذا التوثيق شكّل قاعدة ضغط على صُنّاع القرار، خصوصًا في الدول المؤثرة مثل الولايات المتحدة، حيث أصبح استمرار التصعيد مرتبطًا بتكاليف سياسية وقانونية متزايدة.
وبذلك، يمكن تلخيص دور منظمات المجتمع المدني في أنها لم تُوقف الحرب بشكل مباشر، لكنها أسهمت بفاعلية في تقييد التصعيد، وتوسيع المساءلة الدولية، وتعزيز مسار التهدئة والدبلوماسية عبر أدوات قانونية وإعلامية وسياسية موثقة.
انعكاسات الدور
إن دور منظمات المجتمع المدني انعكس على تعزيز وقف الحرب من خلال الآتي:
(*) تشكيل رأي عام ضاغط: على الرغم من أن دور منظمات المجتمع المدني في شكله الظاهري يتوقف على النداءات والإدانات، إلا أن هذا الدور يُعد أساسيًا في أوقات الحروب والأزمات، فوجود رأي عام ضد الحروب وانتهاكاتها يعمل على دعم توقف هذه الحروب، لاسيما إذا كان هذا الضغط مرتبط بوسائل فعالة تعمل على تحقيق الغرض منها، فما قامت به منظمات مثل العفو الدولية وهيومن رايتس وويتش في توثيق الانتهاكات ونشر تقارير تُحرك الرأي العام العالمي، مثَل ضغطًا كبيرًا على الحكومات لإعادة النظر في سياساتها العسكرية أو على الأقل الحد من التصعيد، فبدون هذا الدور لم يكن العالم على دراية بالأضرار المختلفة التي تتركها الحرب.
(*) التأثير على صناع القرار: إن دور منظمات المجتمع المدني من خلال الحملات والعرائض الدولية، يعمل على التأثير في عملية صنع القرار، فعلى سبيل المثال دفعت تقارير حقوقية، دول أوروبية إلى إعادة النظر في نطاق العقوبات على إيران، بحيث تركز على أفراد أو كيانات بعينها بدل الاقتصاد ككل، وفي بعض الدول خرجت احتجاجات وحملات رقمية تقودها منظمات مجتمع مدني ترفض الانخراط في حرب أوسع في إيران، وهو ما يخلق ضغطًا انتخابيًا على السياسيين، فيدفعهم لتبني خطاب أقل تصعيدًا أو الدعوة لوقف إطلاق النار، وفي هذا السياق أجبرت البيانات الصادرة عن منظمات مثل العفو الدولية، صناع القرار على مراعاة القانون الدولي الإنساني، هو ما أثر على تقليل نطاق الضربات، والتركيز على أهداف محددة بدلًا من التصعيد الواسع.
(*) تدويل الأزمة ودفعها نحو الأطر الدولية: من أبرز أدوار منظمات المجتمع المدني خلال الصراع الذي انطلق في 28 فبراير هو نقل الصراع من كونه مواجهة عسكرية مباشرة إلى قضية دولية تخضع للنقاش والمساءلة العالمية، وهو ما تحقق من خلال نشر المنظمات الدولية للانتهاكات بشكل سريع ونشرها دوليًا، وتوجية الدعوات لاضطلاع مؤسسات دولية مثل مجلس الأمن الدولي بمسئولياته في مناقشة التصعيد، والمشاركة في جلسات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وكشف الانتهاكات ومحاسبة المسئولين، وبالتالي فتأثير منظمات المجتمع المدني وسع دائرة الضغط إلى مستوى عالمي، وجعل أي تصعيد عسكري له تكلفة دبلوماسية كبيرة، ومن هنا نحجت منظمات المجتمع المدني في تدويل حرب إيران، وهو ما أدى إلى إخضاع قرارات الحرب إلى ضغوط دولية مكثفة.
في النهاية و في ضوء تصاعد التوترات المرتبطة بإيران، يتضح أن منظمات المجتمع المدني لم تعد فاعلًا هامشيًا، بل أصبحت عنصرًا مكملًا ومؤثرًا في إدارة الأزمات الدولية، رغم محدودية قدرتها على فرض قرارات سياسية ملزمة. فقد أسهمت منظمات مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش في تخفيف الآثار الإنسانية للنزاع، وكشف الانتهاكات، وتعبئة الرأي العام الدولي للضغط نحو التهدئة، فقد أسهمت منظمات مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي وقعت خلال النزاع، الأمر الذي ساعد في تسليط الضوء على معاناة المدنيين، وخلق حالة من الضغط الدولي المتزايد على أطراف الصراع للالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني. كما لعبت هذه المنظمات دورًا مهمًا في تدويل الأزمة، من خلال نقلها إلى منصات دولية مثل مجلس الأمن الدولي، مما أسهم في تعزيز الرقابة الدولية وتقليص هامش المناورة أمام صُنّاع القرار.
ورغم أن هذه الجهود لا تكفي بمفردها لوقف الحروب، إلا أنها تظل ضرورية في الحد من التصعيد وتهيئة بيئة أكثر قبولًا للحلول الدبلوماسية. ومن ثم، فإن فاعلية منظمات المجتمع المدني في مثل هذه الأزمات ترتبط بمدى تكامل أدوارها مع التحركات الدولية الرسمية، بما يعزز فرص الوصول إلى تسوية سلمية مستدامة، ويحد من كلفة الصراعات على المستويين الإنساني والإقليمي.
فقد نجحت منظمات المجتمع المدني في تحريك الرأي العام العالمي، عبر الحملات الإعلامية والاحتجاجات، وهو ما جعل استمرار الحرب أكثر كلفة سياسيًا وأخلاقيًا، خاصة بالنسبة للدول المؤثرة مثل الولايات المتحدة. وقد انعكس ذلك في تبني سياسات أكثر حذرًا تميل إلى احتواء التصعيد بدلًا من توسيعه، مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، لا سيما فيما يتعلق بإحياء الاتفاق النووي الإيراني كأحد المسارات المحتملة للحل.
[1] Different Front, Same Tired Narratives: The NGO Industry and the 2026 Iran War, NGO Monitor, 8 March 2026, Link: https://ngo-monitor.org/reports/ngos-2026-iran-war/
[2] Global Union Federations Call for an immediate Cease Fire and an end to the Military Escalation in Iran and the Middle East, Education International, 3 March 2026, Link: https://2u.pw/GVf4JV
[3] Global Civil Society Calls for Ending Violence and Protecting Civilians in the Middle East, Op. cit.
[4] Global Civil Society Calls for Ending Violence and Protecting Civilians in the Middle East, civicus, 13 April 2026, Link: https://2u.pw/R9xl5o