ضغوط التمويل: ما تحديات استمرار الكتاتيب في تعليم القرآن والقراءة في غرب أفريقيا؟

سناء عوض الله- رئيس برنامج السياسات العامة.

تشهد دول غرب أفريقيا انتشارًا واسعًا للكتاتيب القرآنية، حيث لم تصبح فقط مؤسسات دينية لتعليم القرآن بل أصبحت جزءًا من حياة السكان في تلك الدول، فلا يكاد يخلو مكان بل شارع من وجود كُتاب واحد على الأقل، وقد لعبت دورًا كبيرًا في منظومة تعليم القرآن والقراءة واللغة العربية، وكانت نقطة انطلاق التعليم الأساسي للأطفال قبل ظهور النظم التعليمية الحديثة، لكن رغم تطور الحياة في المجتمعات وظهور أساليب التعليم الحديثة، فقد تم الاعتماد على الكتاتيب القرآنية كنظام تعليم موازٍ وبديل للتعليم الرسمي النظامي في مجتمعات غرب أفريقيا، ووفقًا للإحصائيات الحديثة الصادرة عن منظمة اليونيسكو، فقد بلغت نسبة التحاق الأطفال بالتعليم غير النظامي في دول غرب أفريقيا (الكتاتيب القرآنية أو المدارس القرآنية) بنسب تتراوح بين 1.5% حتى 33.5%، وأيضًا أوضحت الإحصاءات أن هناك 30 مليون طفل أفريقي تتراوح أعمارهم بين 6: 11 عامًا خارج المدارس النظامية، لكن أكثرهم مسجلون في الكتاتيب القرآنية، ففي عام 2021.

ومن ثمّ، لم يعد تناول ظاهرة انتشار الكتاتيب القرآنية في غرب أفريقيا مجرد وصف لنمط تعليمي تقليدي، بل أصبح مدخلًا لفهم تحولات أعمق تمس مفهوم التعليم ذاته، ودوره في تشكيل البنية الاجتماعية. وعليه، يسعى هذا المقال إلى تحليل أسباب الانتشار الواسع للكتاتيب القرآنية، ودورها والتحديات التي تواجهه وكيفية التغلب عليها.

أسباب الانتشار في غرب أفريقيا:

الكتاتيب القرآنية في غرب أفريقيا من أبرز الظواهر المنتشرة في تلك المجتمعات والتي باتت سمة تميزها عن غيرها من المجتمعات الإسلامية، والتي لا يمكن ردّ انتشارها في غرب أفريقيا إلى العامل الديني فقط، بل هي نتاج عوامل اجتماعية واقتصادية وتاريخية متشابكة جميعها شاركت معًا في تعزيز ظهور الكتاتيب وانتشارها كخيار أول للمجتمعات الأفريقية في الغرب والصحراء كنظام ثقافي وتعليمي.

يرتبط هذا الامتداد بسياق تاريخي، إذ ارتبط التعليم القرآني منذ نشأته الأولى بوظيفة اجتماعية مركّبة تجمع بين تحفيظ القرآن وتعليم القراءة وصياغة الهوية الثقافية والمحافظة على الوعي المجتمعي في مواجهة الاستعمار، وأيضًا البعد النفسي والتصوف والتدين الذي رأته هذه الشعوب هو المنقذ لها من الظروف الاجتماعية القاسية التي تواجهه في تلك المجتمعات، فكانت حلقات الكُتاب تضم إلى جانب الأطفال كبار السن.

وعلى المستوى الاقتصادي، تعاني مجتمعات غرب أفريقيا من ظروف اقتصادية صعبة وانتشار الفقر والمجاعات وضعف القدرة على الالتحاق بالتعليم النظامي، ووفقًا لتقديرات البنك الدولي عام 2020، هناك 689 مليون شخص 9.3% من سكان العالم، يعيشون تحت خط الفقر المدقع عام 2017؛ أكثر من نصف هؤلاء الأشخاص – 430.8 مليون – يعيشون في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وهو ما يمثل 40% من إجمالي سكان المنطقة. وفي شرق وغرب وجنوب أفريقيا، انخفض الفقر الحضري إلى النصف تقريبًا منذ عام 1996، بينما انخفض الفقر الريفي بنحو 40% خلال الفترة نفسها. وعلى الرغم من انخفاض معدل الفقر في أفريقيا بمعدل 15 نقطة مئوية تقريبًا في المتوسط بين عامي 1990 و2017، إلا أن وتيرة انخفاض الفقر في أفريقيا كانت أبطأ بكثير من المناطق النامية الأخرى، ويعود ذلك جزئيًا إلى ارتفاع معدل النمو السكاني، حيث ارتفع عدد الأفارقة الذين يعيشون في فقر من 278 مليون نسمة عام 1990 إلى 413 مليون نسمة عام 2015. فبينما ارتبط التعليم الرسمي غالبًا بتكاليف مادية وبنية تحتية حضرية لا تتوافر على نحو عادل في مختلف المناطق، قدّمت الكتاتيب نموذجًا منخفض التكلفة يقوم على المرونة والاعتماد على الموارد المحلية، ما جعلها أكثر توافقًا مع الواقع المعيشي للفئات الهامشية والريفية، حيث يقوم التعليم فيها على أشكال من التبادل الاجتماعي غير المباشر، سواء عبر الدعم العيني أو المساهمات البسيطة من الأسر، بما يعكس نمطًا اقتصاديًا قائمًا على التضامن المجتمعي بدلًا من منطق السوق أو الدولة. وقد أسهم هذا النمط في ترسيخ علاقة عضوية بين الكتاتيب والمجتمع المحلي، جعلت من التعليم جزءًا مدمجًا في الحياة اليومية وليس خدمة مؤسسية منفصلة.

أيضًا كان للبعد الاجتماعي والثقافي دور في تعزيز انتشار الكتاتيب، حيث ترى معظم هذه المجتمعات أن الكتاتيب هي عامل رئيسي في تشكيل الفرد أخلاقيًا وهوياتيًا، وقد ساهم هذا التصور في ترسيخ تفضيل الكتاتيب على التعليم النظامي الذي ظل مرتبطًا في أذهان هذه المجتمعات بالاستعمار، بالإضافة إلى مواقف اجتماعية محافظة تجاه تعليم الإناث داخل المدارس النظامية، في مقابل قبول أوسع للتعليم الديني التقليدي باعتباره أكثر انسجامًا مع البنية المحلية، وبلغت نسبة التحاق الأطفال بالتعليم غير النظامي في دول غرب أفريقيا 33.5%، وأيضًا هناك 30 مليون طفل أفريقي تتراوح أعمارهم بين 6: 11 عامًا خارج المدارس النظامية، لكن أكثرهم مسجلون في الكتاتيب القرآنية، ففي عام 2021 وفقًا لتقرير صادر عن اليونيسيف والاتحاد الأفريقي يعيش طفلان من كل خمسة أطفال غير ملتحقين بالمدارس في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في غرب أفريقيا. وفي شمال نيجيريا كنموذجًا بلغت نسبة الأطفال الملتحقين بنوع من التعليم العلماني 45%. ومع ذلك، من بين هؤلاء الأطفال غير الملتحقين بالمدارس، كان أكثر من ثمانية من كل عشرة أطفال يتلقون التعليم في الكتاتيب.

الحروب والأوضاع الأمنية كانت من العوامل الدافعة لانتشار الكتاتيب، حيث عانت هذه المجتمعات من صراعات وحروب جعلت من الكتاتيب أكثر أشكال التعليم استقرارًا ومرونة، نظرًا لغياب الحاجة إلى بنية تحتية معقدة، وقدرتها على الاستمرار في ظروف غير مستقرة، وهو ما يعزز دورها كآلية بقاء تعليمي في بيئات الهشاشة.

وبذلك، يمكن القول إن الكتاتيب في غرب أفريقيا تؤدي دورًا متعدد الأبعاد، فهي ليست مجرد مؤسسة لحفظ القرآن، بل منظومة متكاملة تسهم في التعليم، وبناء الهوية، وضبط القيم الاجتماعية، وتعويض غياب الدولة أحيانًا في تقديم الخدمة التعليمية، مما يفسر استمرارها واتساع حضورها حتى اليوم.

تحديات مهددة:

تواجه الكتاتيب في غرب أفريقيا مجموعة من التحديات التي تهدد وجودها واستمرارها، وهذه التحديات تعكس هشاشة النظام التعليمي المُتبع فيها وعدم ملاءمته مع التقدم الحالي.

وفي مقدمة هذه التحديات يأتي ضعف البنية المؤسسية وافتقارها إلى إطار رسمي منظم، حيث تعمل هذه الكتاتيب خارج أي إطار حكومي أو إشراف تعليمي، مما يثير التساؤلات حول جودة التعليم ومحتواه، بالإضافة إلى عدم وجود معايير موحدة للتدريس والتقييم.

كما تبرز التحديات الاقتصادية بوصفها من أكثر العوائق تأثيرًا، حيث تعتمد الكتاتيب على موارد محدودة تقوم على التبرعات والدعم المقدم من الأسر، وهو ما ينعكس على أوضاع المعلمين، كما أن عدم الاستقرار المالي يحد من عملية تحسين البيئة التعليمية أو توفير أدوات تعليم حديثة.

تتمثل أهم التحديات الجوهرية في محدودية المناهج التعليمية، حيث تعتمد معظم الكتاتيب على تحفيظ القرآن والقراءة فقط، مع إهمال باقي العلوم والمهارات، مما يخلق فجوة بينها وبين الوسائل التعليمية الأخرى ويجعلها أقل كفاءة وغير قادرة على المنافسة.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الكتاتيب، رغم مكانتها التاريخية ودورها في نشر المعرفة، إلا أنها أصبحت تواجه عدة تحديات تتطلب إعادة النظر في دورها وتنظيمها، بهدف تطويرها مع الأوضاع الحالية والتطور المستمر ودمجها بشكل متوازن داخل المنظومة التعليمية.

آليات التطوير:

إن عملية تطوير الكتاتيب لا تعني إلغاء دورها التقليدي بل دمجها بشكل متوازن داخل المؤسسات التعليمية، بحيث تواكب طرق التعليم المعاصر. في هذا السياق، يعتبر أهم مسارات التطوير هو الدمج بين الكتاتيب والتعليم النظامي، وذلك من خلال تدريس مقررات أساسية مثل الرياضيات والعلوم واللغات إلى جانب تحفيظ القرآن، وبذلك تكون عملية تعليمية شاملة.

ومن ناحية أخرى، يجب تقديم دعم مؤسسي وتمويل مستدام لتحسين أوضاع الكتاتيب، وذلك من خلال إدماجها في سياسات التعليم الرسمية وتوفير الدعم الحكومي لها وتحسين البنية التحتية بحيث تكون أكثر ملاءمة للعملية التعليمية.

ويعد تعزيز حماية الطفل من الاستغلال من المحاور المهمة، حيث في بعض الدول يقوم المعلمون باستغلال الأطفال وإجبارهم على التسول، وفقًا لمنظمة اليونيسيف قدرت عدد الأطفال المتسولين في السنغال عام 2010م 100 ألف طفل سنغالي، تبلغ نسبة أطفال المدارس القرآنية منهم حوالي 90٪.

كما يعد تحديث المناهج التعليمية من خلال عدم حصر التعليم في الحفظ بل تدريب الطلاب على التفكير النقدي والمهارات الحياتية، بما يعزز من قدرة الطلاب على الاندماج، بالإضافة إلى تأهيل المعلمين وتدريبهم على أساليب التدريس الحديثة ومهارات إدارة الصف، لضمان جودة العملية التعليمية دون المساس بطبيعتها الدينية.

ختامًا، فإن اتساع نطاق الكتاتيب القرآنية في منطقة غرب أفريقيا لا يمكن تفسيره باعتباره استمرارًا لنمط تعليمي تقليدي فحسب، بل يعكس تحولات أعمق في البنية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للمجتمعات المحلية. فهذه الظاهرة تكشف عن إعادة تموضع للدين بوصفه مرجعية مركزية في تشكيل الوعي الجمعي، وعن حضور قوي للتدين الشعبي والتصوف كإطار منظم للعلاقات الاجتماعية وبناء المعنى داخل المجتمع.

وفي الوقت ذاته، فإن استمرار هذا النموذج التعليمي يرتبط بواقع تنموي غير متكافئ، تتداخل فيه عوامل الفقر وضعف البنية التعليمية الرسمية مع الأزمات السياسية والإنسانية، مما يجعل الكتاتيب ليست مجرد خيار ثقافي أو ديني، بل استجابة عملية لغياب البدائل التعليمية المستقرة في بعض السياقات.

ومن ثمّ، يمكن القول إن الكتاتيب لم تعد تُفهم فقط باعتبارها مؤسسات لحفظ القرآن وتعليم القراءة، بل بوصفها بنية اجتماعية مرنة تعيد إنتاج نفسها داخل بيئات متغيرة، وتتكيف مع شروط الواقع أكثر مما تتأثر بالنماذج التعليمية الحديثة. وعليه، فإن قراءة هذه الظاهرة تتجاوز حدود الوصف التقليدي إلى فهم أعمق لطبيعة التحولات التي تشهدها المجتمعات الأفريقية، حيث تتداخل الهويات الدينية مع الضرورات الاقتصادية والاجتماعية في تشكيل شكل التعليم ودوره ووظيفته.

وبذلك، فإن التعامل مع مستقبل الكتاتيب لا ينبغي أن يقتصر على تقييمها كبديل للتعليم النظامي، بل على فهم موقعها داخل منظومة اجتماعية أوسع، تتطلب إعادة صياغة العلاقة بين التعليم، والثقافة، والتنمية، بما يحقق التوازن بين الحفاظ على الخصوصية الثقافية ومتطلبات التطور المعاصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى