نماذج متعارضة: كيف يفكر الخبراء في نزع سلاح حزب الله؟

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها لبنان، يظل ملف سلاح حزب الله أحد أكثر القضايا تعقيدا وتشابكا، نظرا لارتباطه ليس فقط بالتوازنات الداخلية اللبنانية الهشة، بل أيضا بصراعات إقليمية أوسع تتداخل فيها حسابات إيران و”إسرائيل” ودول إقليمية أخرى.
ومع تصاعد الضغوط الدولية والإقليمية لفرض تسوية مستدامة في لبنان، يبرز نموذج “نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج”(DDR)، كبديل محتمل لفكرة “الحسم العسكري”، خاصة في حالات النزاعات التي تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاجتماعية مع العمل المسلح.
إلا أن محاولة إسقاط هذا النموذج على الحالة اللبنانية تثير إشكاليات عميقة، ترتبط بطبيعة حزب الله ذاته، وبنية الدولة اللبنانية. فالحزب لا يعد مجرد تنظيم مسلح، بل هو كيان مركب يجمع بين القوة العسكرية والنفوذ السياسي والامتداد الاجتماعي والاقتصادي، ما يجعله أقرب إلى “دولة داخل الدولة”، خاصة في بيئته الحاضنة والتي تتسم بالبعد الطائفي.
وفي المقابل، تعاني الدولة اللبنانية من ضعف مزمن في تركيبتها البنيوية، وهو ضعف ناتج عن نظام طائفي معقد، ومؤسسات هشة، وأزمات اقتصادية متراكمة، مما يحد من قدرتها على فرض سيادتها أو احتكارها لاستخدام القوة، فضلا عن حالة الخلاف التي ولدها إعلان “إسرائيل” في 9 إبريل الجاري، موافقتها على مقترح الرئيس اللبناني جوزيف عون لفتح مفاوضات مباشرة مع تل أبيب، بهدف التوصل إلى تسوية سياسية تتضمن نزع سلاح حزب الله، لتعيد هذا الملف إلى صدارة المشهد التفاوضي.
وعلى وقع هذا المشهد المعقد، انقسمت دوائر التحليل ما بين داعمة لتطبيق نموذج “نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج” في لبنان، وأخرى ترى أنه يواجه تحديات تجعل من الصعب تطبيقه، حتى لو سبق نجاحه في تجارب أخرى مثل أيرلندا الشمالية، حيث كان جزءا رئيسيا من اتفاقية “الجمعة العظيمة” في 1998، ونجح في إنهاء عقود من الصراع المسلح عبر عملية تدريجية شملت جمع الأسلحة، والإفراج المبكر عن السجناء، وإدماج الجماعات شبه العسكرية سياسيا، وتستحضر تجربته كنموذج دولي لإدارة الأزمات والنزاعات.
معطيات يطرحها المناصرون:
على صعيد المناصرين، تبرز مجموعة من المعطيات التي قد تسهم في تهيئة بيئة مناسبة لتطبيق نموذج “نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج” في لبنان؛ وتتمثل هذه المعطيات في تحولات عسكرية وسياسية داخلية، إلى جانب دعم إقليمي ودولي متزايد، بما يفتح المجال أمام مقاربة تدريجية لمعالجة ملف سلاح حزب الله ضمن رؤية شاملة لإعادة بناء منظومة الأمن والاستقرار في البلاد؛ وتستند تلك الرؤية إلى معطيات عدة أهمها: تراجع قوة حزب الله عسكريا، وتزايد الدعم الداخلي اللبناني المؤيد لنزع سلاح الحزب. هذا بالإضافة إلى الدعم الإقليمي لسعي الدولة اللبنانية لاحتكار القوة العسكرية. كذلك الطابع التدريجي طويل الأمد المناسب لتعقيد الحالة اللبنانية.
تحديات في الجهة المقابلة:
في المقابل، يرى المعارضون أن تطبيق نموذج “نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج” لا يبدو سهل التطبيق على وقع مجموعة من التحديات البنيوية والسياسية العميقة التي تعقد إمكانية تنفيذه على أرض الواقع. فالمشهد اللبناني يتسم بتوازنات دقيقة وتشابكات طائفية وأمنية تجعل أي محاولة لإعادة تشكيل ميزان القوة الداخلية محفوفة بردود فعل واسعة، تزامنا مع الدور الذي يلعبه حزب الله داخل الدولة والمجتمع، وطبيعة ارتباطه الإقليمي وقدراته العسكرية والتنظيمية المتراكمة. ويطرح المعارضون مجموعة من التحديات الجوهرية التي من شأنها أن تعرقل تطبيق هذا النموذج في لبنان، يعد أبرزها:
(-) محاولة نزع سلاح حزب الله دون تحولات سياسية واقتصادية ومؤسسية موازية قد تؤدي إلى ردود فعل طائفية تضعف الدولة.
(-) يمتلك الحزب قاعدة شعبية شيعية واسعة تشكلت عبر عقود من التدخلات الخارجية، حيث يُنظر إلى سلاحه كضمانة أمنية لدى شريحة كبيرة من أبناء الطائفة الشيعية.
(-) يعد حزب الله تنظيما هجينا يجمع بين الجناح العسكري والسياسي والاجتماعي، ويظل رغم الضربات التي تعرض لها أقوى قوة مسلحة في لبنان، مع ترسانة متقدمة تضم صواريخ وطائرات مسيرة وأنظمة دفاع وآلاف المقاتلين.
(-) يشكل حزب الله ما يمكن وصفه بـ”دولة داخل الدولة” من خلال شبكة اقتصادية واجتماعية وإعلامية وتعليمية وصحية واسعة، مع استمرار ارتباطه الوثيق بإيران واعتماده على دعم مالي إيراني يقدر بنحو مليار دولار سنويا.
خيار لبناني قابل للنقاش:
من الناحية النظرية، يقوم نموذج “نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج” على ثلاث مراحل مترابطة، هي: نزع السلاح عبر جمعه وتفكيكه تحت إشراف دولي، ثم تسريح المقاتلين من البنى العسكرية، وأخيرا إعادة إدماجهم في الحياة المدنية أو السياسية. ويهدف هذا المسار إلى تحقيق استقرار أمني سريع، تمهيدا لإعادة بناء الدولة على أسس اقتصادية واجتماعية أكثر تماسكا.
غير أن تطبيق هذا النموذج في لبنان يصطدم بواقع معقد يتسم بضعف الدولة، والانقسام الطائفي، وتآكل المؤسسات، وهي عوامل تحد من إمكانية توفير بيئة مناسبة لنجاحه؛ إذ يتطلب نجاح أي عملية لنزع السلاح التزاما واضحا بوقف العمل المسلح، واستعدادا لنقل الترسانة تدريجيا إلى الدولة، بالتوازي مع إصلاحات عميقة تشمل تعزيز قدرات الجيش اللبناني، وإعادة هيكلة المؤسسات، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وضبط قنوات التمويل غير الرسمية.
كما أن عملية إعادة الإدماج لا تقتصر على العناصر العسكرية، بل تمتد إلى البيئة الاجتماعية والاقتصادية للحزب، ما يستلزم تفكيك منظومته الموازية ودمجها في مؤسسات الدولة، إلى جانب إصلاح النظام التعليمي، والتحول نحو اقتصاد أكثر شفافية وتنظيماً.
في النهاية، يمكن القول إن نموذج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، يبدوا خيارا نظريا قابلا للنقاش على الساحة اللبنانية، لكنه يبقى مرهونا بتوافر بيئة سياسية داخلية داعمة، وإرادة إقليمية ودولية منسقة، وقدرة فعلية على إعادة بناء الدولة اللبنانية. وبدون ذلك، قد يتحول من أداة محتملة للحل إلى عامل جديد لتعقيد الأزمة.