عبدالسلام فاروق يكتب: السياسة الخارجية المصرية بين ثقل التاريخ وضغوط الواقع

بينما تستعد مصر للدخول في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، يبدو المشهد الإقليمي والدولي حولها أكثر تعقيداً وأشد تداخلاً مما كان عليه في أي وقت مضى. فالعالم يتغير بسرعة هائلة، والتحالفات الدولية تتبدل، والأدوار الإقليمية تتزحزح، والنظام الدولي يشهد تحولات عميقة في موازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة الجيوسياسية، تقف السياسة الخارجية المصرية أمام اختبار حقيقي ومصيري، فهل تستطيع مصر أن تحافظ على دورها التاريخي كقائدة للعالم العربي، وأن تكون جسراً حيوياً بين الشرق والغرب، وشريكاً أصيلاً لأفريقيا في رحلة تنميتها، في وقت تتصارع فيه القوى الكبرى على النفوذ، وتتصاعد فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتتشابك فيه المصالح بشكل غير مسبوق؟
بين الطموح والإمكانيات
التحليل الموضوعي المتعمق للفترة التي تلت عام 2021، وخاصة مع إطلاق فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي لنهج “الاتزان الاستراتيجي” كإطار حاكم ومنظم للسياسة الخارجية المصرية، يكشف عن تحول عميق في النموذج المصري للتفاعل مع العالم. لقد انتقلت القاهرة تدريجياً من سياسة خارجية كانت تقوم في فترات سابقة على الانحياز الأيديولوجي أو التحالف الثابت الأحادي الجانب، إلى سياسة مرنة براجماتية واقعية، تضع استقرار الدولة المصرية وأمنها القومي في قلب حساباتها، وتوازن في تعاملها مع جميع الأقطاب الدولية دون استثناء، سعياً لتعظيم المصلحة الوطنية في ظل نظام دولي متعدد الأقطاب.
هذه المقالة التحليلية تحاول أن تتتبع هذا المسار الجديد، وتنظر بموضوعية في مدى قدرته على استعادة الزخم التاريخي لمصر ودورها الريادي في ظل ضغوط الواقع الداخلي والخارجي المتشابكة. ولطالما تحدثت الحكومات المصرية المتعاقبة عن دوائر ثلاث رئيسية تحدد أولويات وسياسات مصر الخارجية: الدائرة العربية، والدائرة الأفريقية، والدائرة الإسلامية.
لكن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه اليوم بقوة هو: هل تملك مصر بالفعل الإمكانيات المادية والسياسية والاقتصادية التي تمكنها من لعب دور فعال ومؤثر في هذه الدوائر جميعاً في وقت واحد؟ أم أن المتغيرات الجديدة تفرض إعادة ترتيب الأولويات بشكل أكثر واقعية؟
في الدائرة العربية، تواجه مصر تحديات غير مسبوقة في تاريخ علاقاتها مع محيطها الإقليمي. فالمنطقة العربية التي كانت فيما مضى تشكل كتلة واحدة تتحدث بصوت واحد في المحافل الدولية، أصبحت اليوم مشتتة ومقسمة بين تحالفات متضاربة ومتنافسة. فبعض الدول العربية توجهت شرقاً نحو روسيا والصين، وبعضها حافظ على تحالفات تقليدية وثيقة مع الغرب، وبعضها الآخر سعى لبناء تحالفات إقليمية جديدة خارجة عن الإطار العربي التقليدي. مصر، التي كانت لعقود في قلب النظام العربي وعموده الفقري، تجد نفسها اليوم في موقف بالغ الحساسية، تحاول أن تحافظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف، لكنها في الوقت نفسه تواجه ضغوطاً وتوقعات متضاربة من جميع الجهات.
والقضية الفلسطينية، التي كانت دائماً المحك الحقيقي والجوهر الأخلاقي للسياسة الخارجية المصرية، تمر اليوم بأصعب وأخطر مراحلها. فالاحتلال الإسرائيلي يتوسع، والمستوطنات تزحف، والحل الذي طالما نادت به مصر ودافعت عنه في المحافل الدولية – وهو حل الدولتين – يبدو بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى. مصر تقدم الدعم الدبلوماسي والسياسي والإنساني المتواصل لإخواننا الفلسطينيين، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يكفي هذا الدعم لوقف ما يحدث على الأرض؟ أم أن الواقع المتغير في فلسطين يتشكل بسرعة أكبر مما تستطيع الدبلوماسية المصرية والعربية مواكبته؟
وفي الدائرة الأفريقية، تشهد السنوات الأخيرة محاولات مصرية جادة حثيثة للعودة بقوة إلى عمقها الاستراتيجي الأفريقي. فاستضافة مصر لمؤتمر الشراكة الروسية-الأفريقية كان خطوة دبلوماسية مهمة، لكنه يطرح في الوقت نفسه أسئلة عميقة: هل تستطيع مصر أن تكون جسراً حقيقياً بين أفريقيا والعالم، في وقت تتنافس فيه القوى الكبرى والاقتصادات الناشئة على النفوذ في القارة السمراء؟ وهل تملك مصر ما يكفي من الإمكانيات الاقتصادية والاستثمارية لتقديم نفسها كشريك تنموي حقيقي وفعال لدول أفريقيا، أم أن دورها سيبقى مقتصراً على الدبلوماسية السياسية والوساطة في حل النزاعات؟
المطرقة والسندان
أكثر ما يميز السياسة الخارجية المصرية في السنوات الأخيرة هو محاولتها الحثيثة والحذرة للحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع القوى الكبرى في النظام الدولي. فهي تتعامل بجدية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وتحافظ على علاقات تاريخية مع روسيا، وتبني شراكة استراتيجية متنامية مع الصين، وتحاول في الوقت نفسه استعادة وتطوير علاقاتها التقليدية مع أوروبا. هذا النموذج من “التوازن الإستراتيجي” الذي تتبناه مصر يبدو نظرياً مثالياً، لكن تطبيقه العملي على أرض الواقع أكثر تعقيداً وأشد صعوبة.
فالولايات المتحدة الأمريكية، الشريك التقليدي لمصر منذ عقود، تمر هي نفسها بتحولات داخلية وخارجية عميقة تجعل العلاقة معها أكثر تعقيداً. فالكونجرس الأمريكي يمارس ضغوطاً متزايدة على مصر في قضايا حقوق الإنسان والحريات العامة، في وقت تحتاج فيه مصر أكثر من أي وقت مضى إلى الدعم الأمريكي في المجالات الاقتصادية والأمنية والعسكرية. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل تستطيع مصر أن تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن في ظل هذه الضغوط المتصاعدة؟ أم أن العلاقة ستتحول تدريجياً من شراكة استراتيجية شاملة إلى علاقة مصلحة مؤقتة ومحدودة؟
وفي الاتجاه المقابل، تقدم روسيا والصين نفسيهما كبديلين جديين للهيمنة الغربية التقليدية، وتسعى مصر بذكاء للاستفادة من هذا التنافس الدولي. لكن هذا التوجه يطرح بدوره أسئلة محورية: فهل تستطيع مصر أن تتعامل مع موسكو وبكين بشكل مكثف دون أن يؤثر ذلك سلباً على علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن وأوروبا؟ وهل تملك روسيا والصين بالفعل الاستعداد السياسي والقدرة الاقتصادية على تقديم بديل حقيقي ومتكامل للدعم الغربي التقليدي لمصر، خاصة في المجالات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية الحيوية؟
الاقتصاد قوة ناعمة
وفي هذا السياق الشامل، لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل السياسة الخارجية لأي دولة عن أوضاعها الداخلية، ومصر بالتأكيد ليست استثناء من هذه القاعدة. خاصة وأن الأزمة الاقتصادية العالمية وتداعياتها التي تمر بها مصر تلقي بظلالها الثقيلة على سياستها الخارجية وحرية حركتها الدولية. فالدين الخارجي المتصاعد، والعجز في الموازنة العامة، والضغوط التضخمية على الجنيه المصري، جميعها عوامل تحد من قدرة مصر على المناورة في الساحة الدولية واتخاذ قرارات مستقلة. فعندما تكون الدولة مقيدة بأزمة اقتصادية حادة، تصبح خياراتها الخارجية محدودة، وتصبح أكثر عرضة للضغوط والابتزاز الخارجي.
وبالطبع، فإن السياسة الخارجية الفاعلة ما هي إلا انعكاس طبيعي للقوة الداخلية للدولة. فقوة الاقتصاد، وتماسك النسيج الاجتماعي، وثقة الشعب في مؤسساته الوطنية، جميعها عوامل حاسمة تحدد مدى فاعلية واستقلالية السياسة الخارجية. والسؤال المصيري الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هو: هل تملك مصر اليوم القوة الداخلية الكافية التي تمكنها من ممارسة سياسة خارجية فاعلة ومستقلة؟ أم أن التحديات الداخلية العديدة تجبرها على تبني سياسة خارجية انكماشية وحذرة، تهدف في المقام الأول إلى تجنب المخاطر والحفاظ على الوضع القائم؟
إشكاليات معاصرة
ولطالما اعتزت مصر وافتخرت بدبلوماسيتها العريقة المحترفة ، التي تعود جذورها إلى عهد محمد علي باشا وتأسيس الدولة الحديثة. لكن الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين تختلف كثيراً عن دبلوماسية القرن التاسع عشر أو حتى القرن العشرين. فاليوم، الدبلوماسية لم تعد حكراً على السفراء والدبلوماسيين المحترفين، فهي تشمل أيضاً القوة الناعمة المتمثلة في الشركات الكبرى متعددة الجنسيات، والمؤسسات المالية الدولية، ووسائل الإعلام العالمية، ومنظمات المجتمع المدني العابرة للحدود. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل استطاعت الدبلوماسية المصرية التقليدية أن تتكيف مع هذا التحول الجذري؟ أم أنها ما زالت تعمل بمنطق الدولة القومية التقليدية في عالم أصبحت فيه الحدود بين الداخل والخارج أكثر ضبابية وتداخلاً؟
وشباب مصر، الذين يشكلون غالبية السكان، يجب أن يكونوا في قلب السياسة الخارجية المصرية وهمومها. لكن السؤال المطروح: هل يجد الشباب المصري نفسه وطموحاته في السياسة الخارجية لبلده؟ هل يشعر أن هذه السياسة تمثل تطلعاته وتصوراته لمستقبل مصر في العالم؟ أم أن هناك فجوة واسعة بين أجيال الدبلوماسية القديمة التي تدير السياسة الخارجية اليوم، وجيل الشباب الذي ينتمي إلى عالم مختلف تماماً، عالم الرقمنة والعولمة وثورة المعلومات؟
مفترق طرق عالمي
تواجه السياسة الخارجية المصرية اليوم مفترق طرق تاريخي. فإما أن تستمر على النهج الحالي، الذي يجمع بين المحافظة على العلاقات التقليدية ومحاولة بناء علاقات جديدة، أو أن تتبنى نهجاً أكثر جرأة وابتكاراً، يعيد تعريف دور مصر في العالم بناء على مصالحها الوطنية العليا وليس فقط على اعتبارات التوازن والاستقرار قصير المدى.
فالخيار الأول يعني الاستمرار في سياسة “إطفاء الحرائق”، والتدخل عندما تتفجر الأزمات، والسعي الدائم للحفاظ على التوازن بين القوى الكبرى. هذا الخيار قد يحقق لمصر قدراً من الاستقرار على المدى القصير، لكنه لن يمكنها من لعب دور قيادي حقيقي في المنطقة أو في النظام الدولي.
أما الخيار الثاني، وهو الأكثر صعوبة والأكثر تحدياً، فيعني تبني رؤية استراتيجية واضحة وجريئة، تعيد تعريف مصالح مصر الوطنية في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية الجديدة، وتبني تحالفات استراتيجية طويلة الأمد تعزز من موقع مصر الإقليمي والدولي. هذا الخيار يتطلب جرأة سياسية غير عادية، واستثماراً ضخماً في بناء القوة الداخلية الشاملة، وإيماناً راسخاً بقدرة مصر على أن تكون فاعلاً رئيسياً وصانعاً للأحداث وليس مجرد متفرج أو مستجيب لها.
نحو استعادة الدور الريادي
في نهاية المطاف، السياسة الخارجية ما هي إلا وسيلة أو أداة لتحقيق الأهداف الوطنية العليا. والهدف الأسمى لأي سياسة خارجية وطنية يجب أن يكون خدمة مصالح الشعب، وحماية أمن الوطن، وتعزيز مكانة الدولة ومكانتها في العالم.
ومصر التي قدمت للعالم أقدم حضارة إنسانية عرفها التاريخ، والتي قادت العالم العربي لعقود طويلة، وكانت ولا تزال قلب العالم الإسلامي النابض، تواجه اليوم تحدياً وجودياً: هل تستطيع أن تعيد اكتشاف دورها في عالم متغير بسرعة؟ أم أن ثقل التاريخ سيكون عبئاً عليها بدلاً من أن يكون مصدر قوة وإلهام؟
الأيام القادمة كفيلة بالإجابة على هذا السؤال المصيري. لكن ما يمكن قوله اليوم بثقة هو أن مصر لن تستعيد دورها القيادي بمجرد الاعتماد على أمجاد الماضي، ولن تحقق مكانتها المرموقة بمجرد الحفاظ على التوازن بين القوى الكبرى. فقط من خلال بناء قوة داخلية حقيقية وشاملة، اقتصادية واجتماعية وسياسية وعلمية، ستستطيع مصر أن تمارس سياسة خارجية فاعلة ومستقلة، تليق بتاريخها العريق وتطلعات شعبها العظيم.
فالعالم من حولنا يتغير بسرعة مذهلة، والمؤكد الوحيد هو أن من لا يستطيع مواكبة هذا التغيير، سيجد نفسه خارج التاريخ. والسؤال الذي يبقى معلقاً في الهواء هو: أين ستكون مصر في هذا العالم الجديد؟ هل ستكون في قلب الأحداث، كما كانت دائماً، أم ستكون على الهامش، تراقب من بعيد بينما يكتب الآخرون مستقبل المنطقة والعالم؟
الوقت لا ينتظر أحداً، ومصر أمام خيارات مصيرية. والأمل معقود على أن قيادتها الحكيمة وشعبها العظيم سيختارون الطريق الصحيح، طريق البناء الداخلي والقوة الوطنية الشاملة، الذي سينعكس حتماً على السياسة الخارجية، فيعود لمصر دورها الريادي الذي لا ينكره إلا جاحد أو جاهل.