د. محمد الجمال يكتب: لماذا يرتفع سعر الألمنيوم عالميًا؟

خلال الشهور الأخيرة، أصبح ارتفاع سعر الألمنيوم خبرًا متكررًا في صفحات الاقتصاد، لكن اللافت هذه المرة أن الزيادة جاءت أسرع وأقوى مما اعتادته الأسواق. وصول سعر طن الألمنيوم إلى أكثر من 3000 دولار لم يكن مجرد رقم قياسي، بل إشارة إلى تغير حقيقي في ميزان العرض والطلب عالميًا، وتحوّل واضح في طريقة تسعير المعادن الصناعية الأساسية.
وفق بيانات التداول الأخيرة، ارتفع سعر الألمنيوم بنحو 17% على أساس سنوي، وهي أكبر زيادة يشهدها المعدن منذ عام 2021. في بعض الجلسات، سجل السعر زيادات يومية تراوحت بين 0.3% و0.5%، ليصل إلى نحو 3008 دولارات للطن. في الوقت نفسه، صعد النحاس إلى مستويات تاريخية تجاوزت 12400 دولار للطن، بينما اقترب سعر خام الحديد من 106 دولارات. هذا التزامن في الارتفاع يعكس أن ما يحدث ليس أزمة في معدن واحد، بل موجة أوسع تضرب سوق المعادن ككل.
أحد الأسباب الرئيسية وراء هذا الارتفاع يعود إلى جانب الإنتاج. الصين، التي تمثل وحدها أكثر من نصف الإنتاج العالمي للألمنيوم، قررت تثبيت سقف إنتاج المصاهر عند نحو 45 مليون طن سنويًا. القرار جاء في إطار سياسات بيئية وترشيد استهلاك الطاقة، لكنه عمليًا أوقف أي توسع جديد في المعروض العالمي. في السابق، كانت زيادة الإنتاج الصيني كفيلة بتهدئة السوق عند أي ارتفاع، أما الآن، فقد اختفى هذا الهامش.
في أوروبا، الصورة لم تكن أفضل. ارتفاع أسعار الكهرباء دفع العديد من مصانع الألمنيوم إلى خفض الإنتاج أو التوقف المؤقت، لأن الألمنيوم من أكثر الصناعات استهلاكًا للطاقة. بعض التقديرات تشير إلى خروج ما بين 10% و15% من الطاقة الإنتاجية الأوروبية من الخدمة خلال فترات الذروة، وهو ما ساهم في تراجع المخزونات العالمية ودفع الأسعار إلى الأعلى.
في المقابل، ظل الطلب قويًا ولم يتأثر بنفس القدر. قطاعات البناء لا تزال تستهلك كميات كبيرة من الألمنيوم، سواء في النوافذ أو الواجهات أو الهياكل المعدنية. لكن الزيادة الأكبر جاءت من قطاعات أحدث نسبيًا، مثل السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة. فمتوسط السيارة الكهربائية يستخدم ألمنيومًا أكثر بنسبة تقارب 30% مقارنة بالسيارات التقليدية، كما تعتمد الألواح الشمسية وتوربينات الرياح على الألمنيوم في الهياكل والدعامات. هذا الطلب ليس مؤقتًا، بل مرتبط بخطط طويلة الأجل لدى الدول والشركات.
مع هذا الوضع، بدأت انعكاسات الارتفاع تظهر بوضوح على الصناعات المرتبطة بالألمنيوم. شركات مواد البناء تواجه زيادة مباشرة في تكلفة الإنتاج، وهو ما يضغط على الأسعار النهائية أو على هامش الربح. مصانع الأجهزة المنزلية تعاني من ارتفاع تكلفة الخامات، بينما تجد صناعات التغليف نفسها أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على الأسعار أو تمرير الزيادة للمستهلك. حتى الصناعات الهندسية والنقل لم تعد بعيدة عن التأثير، خاصة مع ارتفاع تكلفة المكونات المعدنية.
بالنسبة لمصر، فإن الصورة تحمل قدرًا من التعقيد. الصناعة المصرية تعتمد على الألمنيوم في قطاعات متعددة، من البناء إلى الصناعات الهندسية، كما تمتلك مصر قاعدة إنتاجية قائمة في هذا المجال. لكن في الوقت نفسه، فإن الأسعار المحلية لا تنفصل عن السوق العالمي، سواء من حيث تسعير الخام أو مدخلات الطاقة أو قطع الغيار المستوردة.
ارتفاع السعر العالمي يفرض ضغطًا مباشرًا على المصانع المصرية، خاصة تلك التي تعمل بهوامش ربح محدودة. أي زيادة في تكلفة الطن، حتى لو كانت 100 أو 200 دولار، تنعكس فورًا على تكلفة المنتج النهائي. ومع استمرار الصعود، يصبح من الصعب على بعض المصانع امتصاص الزيادة دون تعديل الأسعار أو تقليص الإنتاج.
لكن في المقابل، يحمل هذا الارتفاع فرصة إذا جرى التعامل معه بشكل عملي. ارتفاع السعر العالمي يعني أن الإنتاج المحلي يمكن أن يصبح أكثر جدوى، خاصة إذا تم التركيز على تقليل التكلفة وتحسين الكفاءة. هنا يبرز ملف إعادة تدوير الألمنيوم كأحد الحلول الأساسية. إعادة التدوير تستهلك طاقة أقل بنسبة قد تصل إلى 95% مقارنة بالإنتاج الأولي، كما تقلل الاعتماد على الخامات المستوردة، وتمنح المصانع مرونة أكبر في التسعير.
كذلك، يصبح تحسين كفاءة استخدام الطاقة داخل المصانع أمرًا حاسمًا. أي خفض في استهلاك الكهرباء أو تقليل الفاقد يمكن أن يعوض جزءًا من ارتفاع السعر العالمي. هذا إلى جانب أهمية التعاقدات طويلة الأجل، سواء لشراء الخام أو بيع المنتج، لتقليل أثر التقلبات الحادة في السوق.
دور الدولة في هذه المرحلة لا يقتصر على الدعم المباشر، بل يمتد إلى تهيئة بيئة تساعد الصناعة على الصمود. تسهيلات ائتمانية، سياسات جمركية مرنة، وتشجيع الاستثمار في الصناعات التحويلية، كلها أدوات يمكن أن تقلل من أثر الصدمة السعرية. الأهم هو التركيز على تعميق التصنيع المحلي بدل الاعتماد على استيراد المنتجات شبه المصنعة.
في النهاية، يبدو أن ارتفاع أسعار الألمنيوم ليس حدثًا عابرًا، بل جزء من مرحلة جديدة تمر بها الأسواق العالمية. استمرار القيود الإنتاجية، وزيادة الطلب المرتبط بالتحول الصناعي والطاقة النظيفة، يشيران إلى أن الأسعار قد تظل مرتفعة لفترة. بالنسبة لمصر، التحدي الحقيقي ليس في الارتفاع نفسه، بل في كيفية التعامل معه. فإما أن يتحول إلى عبء يضغط على الصناعة، أو إلى فرصة لإعادة ترتيب القطاع ورفع قدرته على المنافسة في سوق عالمي أكثر تعقيدًا.

د. محمد الجمال

د. محمد الجمال، كبير الهيئة الاستشارية بمركز رع للدراسات، هو خبير في شئون الصناعات والاستثمار. حاصل على بكالوريوس في الهندسة الكهربائية – جامعة القاهرة، وحاصل على دكتوراه في الهندسة الكهربائية – أكاديمية فينكس، الولايات المتحدة الأمريكية. هو عضو في مجلس الأعمال المصري الفنلندي منذ عام 2013، ورئيس شعبة الألومنيوم باتحاد الصناعات المصرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى