ابتهال عبدالوهاب تكتب: أحمد زايد بين سؤال الفكر ومسؤولية المؤسسة

في لحظات التحول الكبرى التي تشهدها المجتمعات، تبرز الثقافة بوصفها مؤشرًا حاسمًا على مستوى الوعي، وعلى قدرة المجتمع على التفاعل مع أسئلة الحداثة والهوية والمعرفة. فالمؤسسات الثقافية لا يمكن النظر إليها باعتبارها كيانات محايدة أو مجرد حواضن للتراث، بل باعتبارها فاعلًا مركزيًا في تشكيل الوعي العام، وإنتاج الخطاب، وإدارة العلاقة المعقدة بين المعرفة والواقع الاجتماعي.
في هذا الإطار، تكتسب تجربة الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، أهمية خاصة؛ فهي تجربة تقع عند تقاطع الفكر والممارسة، وتجمع بين التكوين الأكاديمي الصارم في علم الاجتماع السياسي، والخبرة المؤسسية في إدارة أحد أبرز الصروح الثقافية في العالم العربي. ومن ثم، فإن الكتابة عنه لا تنطلق من زاوية احتفائية أو شخصية، بل من محاولة لقراءة مشروع فكري وإداري متكامل، يتأسس على تصور نقدي لدور الثقافة في المجال العام.
ينتمي أحمد زايد إلى جيل من الأكاديميين الذين تشكل وعيهم في قلب التحولات الاجتماعية العميقة التي شهدها المجتمع المصري منذ النصف الثاني من القرن العشرين. وقد انشغل، في مجمل أطروحاته وكتاباته، بتحليل الاختلالات البنيوية التي صاحبت مسارات التحديث، لا سيما ما يتعلق بتراجع البعد الأخلاقي، وتفكك المجال العمومي، وهيمنة أنماط استهلاكية للمعرفة، حوّلت الثقافة، في كثير من الأحيان، إلى خطاب بلا أثر.
ويظهر هذا الوعي النقدي بوضوح في مؤلفاته، التي لا تكتفي بوصف الواقع، بل تسعى إلى مساءلته. ففي كتابه «تناقضات الحداثة في مصر»، يقدم زايد قراءة تحليلية لمسار الحداثة المصرية، كاشفًا عن الفجوة بين التحديث الشكلي والتحديث القيمي، ومؤكدًا أن استيراد مظاهر الحداثة دون ترسيخ أسسها الاجتماعية والأخلاقية يؤدي إلى اغتراب الفرد، لا إلى تحرره. وقد أسهم هذا الكتاب في إعادة طرح سؤال الحداثة بوصفه إشكالًا اجتماعيًا وأخلاقيًا، لا مجرد خيار تقني أو سياسي.
أما في كتابه «سؤال الأخلاق في مشروع الحداثة»، فيضع أحمد زايد يده على أحد أكثر الجوانب إلحاحًا في الواقع المعاصر، حيث يناقش تراجع القيم في ظل منطق السوق والتسليع، ويؤكد أن أي مشروع حداثي لا يستند إلى بعد أخلاقي يظل مشروعًا ناقصًا، عاجزًا عن إنتاج إنسان حر ومسؤول. وقد مثّل هذا الكتاب إسهامًا مهمًا في إعادة الاعتبار للأخلاق داخل النقاشات السوسيولوجية العربية، وربطها بقضايا التنمية والعدالة الاجتماعية.
وفي كتاباته حول الدولة والمجتمع والريف المصري، مثل كتاب «البناء السياسي في الريف المصري»، يتجلى اهتمام زايد بالبنى الاجتماعية المهمشة، وبكيفية تشكل السلطة والعلاقات السياسية خارج المركز. هذه الدراسات لم تكن مجرد أبحاث أكاديمية، بل وفّرت أدوات لفهم الواقع الاجتماعي المصري بعمق، وأسهمت في كشف أنماط الهيمنة والتهميش التي تعيق التحول الديمقراطي والتنمية المتوازنة.
كما يحتل الخطاب الديني موقعًا مهمًا في مشروعه الفكري، لا بوصفه قضية لاهوتية، بل باعتباره خطابًا اجتماعيًا مؤثرًا في تشكيل الوعي الجمعي. وفي كتابه «صوت الإمام: الخطاب الديني من السياق إلى التلقي»، يدعو زايد إلى قراءة عقلانية للخطاب الديني، تضعه في سياقه التاريخي والاجتماعي، وتحرره من الجمود والتوظيف الأيديولوجي، بما يسمح له بأن يسهم في بناء إنسان فاعل، لا منسحب أو مستسلم.
هذه الرؤية الفكرية لم تبق حبيسة الكتب، بل اتخذت بعدًا جديدًا مع تولي أحمد زايد إدارة مكتبة الإسكندرية. فالمكتبة، في تصوره، ليست مستودعًا للتراث ولا فضاءً نخبويًا مغلقًا، بل مؤسسة معرفية حية، يُفترض أن تؤدي دورًا تنويريًا في تنشيط الحوار الثقافي، ودعم البحث العلمي، وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة للتفاعل مع المعرفة بوصفها ممارسة حية وسؤالًا مفتوحًا.
وقد سعى، منذ توليه المنصب، إلى التأكيد على الطابع التعددي للمكتبة، وعلى انفتاحها على مختلف التيارات الفكرية، انطلاقًا من قناعة مفادها أن الثقافة لا تزدهر في مناخ الإقصاء، بل في فضاء الحوار والاختلاف. كما أولى اهتمامًا خاصًا بربط المكتبة بقضايا المجتمع، وبالوصول إلى الشباب، حتى لا تتحول إلى مؤسسة رمزية معزولة عن المجال العام.
إن تأثير أحمد زايد في المشهد الثقافي المصري لا يمكن قياسه فقط بعدد الفعاليات أو المبادرات، بل بما يحاول ترسيخه من تصور لدور المثقف والمؤسسة الثقافية في زمن تتراجع فيه الثقة بالمعرفة، وتتصاعد فيه النزعات الاستهلاكية والسطحية. فهو يقدم نموذجًا للمثقف العضوي الذي لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يشتبك معها من داخل المؤسسة، مدركًا حدود الممكن، دون أن يتنازل عن جوهر الفكرة.
في زمن يتوارى فيه المثقف خلف الخطاب، وتتحول فيه الإدارة إلى تقنية بلا روح، تبرز تجربة أحمد زايد بوصفها موقفًا أخلاقيًا قبل أن تكون نجاحًا وظيفيًا. فقد أثبت أن المعرفة، حين تسكن موقع القرار، لا تفقد نقاءها بالضرورة، بل قد تكتسب قدرة جديدة على التأثير، وأن الفكر، حين يُختبر في الواقع، لا ينكسر، بل يثبت جدواه.
ومن هنا، لا تُقرأ تجربة أحمد زايد بوصفها سيرة فرد، بل باعتبارها برهانًا ثقافيًا على أن التنوير ما زال ممكنًا، وأن المؤسسة، حين يقودها عقل نقدي وضمير حي، تستطيع أن تستعيد دورها التاريخي، وأن الثقافة، رغم كل ما يحيط بها من تهميش وضجيج، تظل قادرة على أن تقول كلمتها.
لقد أثبت أحمد زايد، عبر كتبه وممارسته المؤسسية، أن المثقف العضوي لا يُقاس بحدة خطابه، بل بقدرته على تحويل التفكير النقدي إلى طاقة تغيير هادئة، تراكمية، وعنيدة. ففي كتاباته، فكك أوهام الحداثة الناقصة، واستعاد سؤال الأخلاق، وواجه اختلالات الواقع الاجتماعي بلا مجاملات؛ وفي إدارته لمكتبة الإسكندرية، منح هذه الأسئلة فضاءً مؤسسيًا يسمح لها بأن تتحول من نصوص إلى ممارسة، ومن تأملات فردية إلى وعي جماعي.
تلك هي القيمة الحقيقية لهذه التجربة: أنها تبرهن أن التنوير ما زال ممكنًا، وأن الثقافة، مهما اشتد عليها الحصار، لا تموت.