عبدالسلام فاروق يكتب: الرياض وباريس.. خريطة جديدة لفلسطين

لم يكن أحد يتوقع أن تفتح أبواب الاعتراف الغربي بدولة فلسطينية بهذه السرعة، ولا أن تأتي الريادة من فرنسا، إحدى الدول الكبرى في الاتحاد الأوروبي وعضو مجموعة السبع، بدفع مشترك مع المملكة العربية السعودية، الدولة العربية الأكثر تأثيراً في الإقليم. لعقود طويلة احتكرت الولايات المتحدة ملف الوساطة بين إسرائيل والفلسطينيين، لكنها لم تقدم سوى وعود فضفاضة بعملية سلام مؤجلة، بينما الواقع على الأرض كان يتآكل بفعل الاستيطان والحصار والانقسام.

لكن مع اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر 2023 وما تبعها من وحشية إسرائيلية أدت لكارثة إنسانية، ومع عجز واشنطن عن الضغط على إسرائيل لوقف التصعيد، وُجد فراغ دبلوماسي كبير. هنا، برزت فرنسا والسعودية لتحريك الملف من الجمود، في مسار غير تقليدي، انتهى بموجة اعترافات غربية تاريخية بدولة فلسطين. ما حدث لم يكن مجرد مبادرة عابرة، بل تحول استراتيجي يعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، ويفتح الباب أمام إعادة تعريف معنى الوساطة الدولية.

غزة ومأساة الأرقام:

  السر وراء هذا التحول المفصلي تمثل أكثر ما تمثل في الكارثة الإنسانية غير المسبوقة في غزة. فبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) ووزارة الصحة في القطاع، تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين منذ اندلاع الحرب حتى منتصف 2025 أكثر من 61 ألف قتيل، بينهم نحو 19 ألف طفل وقرابة 10 آلاف امرأة، فيما تخطى عدد المصابين 150 ألف جريح. ويضاف إلى ذلك نزوح قرابة مليوني شخص، أي ما يعادل أكثر من 80% من سكان غزة.

الأمم المتحدة وصفت غزة بأنها “أكبر مأساة إنسانية يشهدها العالم في القرن الحادي والعشرين”، حيث تدمّر أكثر من 70% من المساكن، وانقطع الماء والكهرباء لأسابيع متواصلة، فيما انهار النظام الصحي تقريباً. هذه الأرقام لم تكن مجرد إحصائيات، بل صور يومية تتناقلها وسائل الإعلام الغربية، وأحدثت صدمة عميقة في الرأي العام الأوروبي، ما دفع قادة كإيمانويل ماكرون إلى التحرك خارج المألوف.

تغيير المعادلة:

لم يكن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في بداية الحرب مختلفاً كثيراً عن مواقف أسلافه: بيانات دعم لإسرائيل مقرونة بدعوات لوقف إطلاق النار. لكن مع مرور الأشهر وارتفاع أعداد الضحايا، بدأ موقف باريس يتطور؛ ففي فبراير 2024، خلال زيارته لعمّان ولقائه الملك عبد الله الثاني، قال ماكرون لأول مرة إن الاعتراف بدولة فلسطينية “لم يعد من المحرمات”. هذه العبارة بدت في وقتها مجرد إشارة، لكنها تحولت سريعاً إلى سياسة. وفي ديسمبر 2024، قام بزيارة حاسمة إلى الرياض للقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، حيث بدأ التنسيق الجدي لمسار الاعتراف.

لاحقاً، زار ماكرون مصر، والتقى جرحى فلسطينيين يتلقون العلاج قرب الحدود مع غزة. مقربون منه قالوا إن التجربة “هزته إنسانياً”، وحولت الملف الفلسطيني لديه من قضية سياسية إلى مأساة شخصية لا يمكن تجاهلها. من هنا، أخذ زمام المبادرة الأوروبية، وبدأ يقود مسار الاعتراف علناً.

الرياض وتحالفها الاستثنائي:

 السعودية لم تكن مجرد داعم، بل كانت شريكاً استراتيجياً في صياغة هذا المسار. فالمملكة التي أعلنت مراراً أن قيام دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية شرط لا يمكن تجاوزه لأي تطبيع مع إسرائيل، وجدت في فرنسا حليفاً أوروبياً مناسباً لتجاوز جمود السياسة الأمريكية.

 على مدى عقود، قدمت السعودية للفلسطينيين أكثر من 5.3  مليار دولار في شكل دعم إنساني وتنموي، بحسب بيانات رسمية. لكنها في هذه المرحلة تجاوزت دور “الممول” إلى “المحرك السياسي”، إذ لعبت دوراً محورياً في إقناع الدول الغربية بقبول مبادرة الاعتراف، وربطتها بوعود لاحقة بإعادة إعمار غزة وتثبيت الاستقرار. بذلك، تحولت الرياض من مجرد مراقب إلى لاعب مركزي يصوغ التوازنات الجديدة، مانحة الخطوة الفرنسية غطاءً عربياً وإسلامياً واسعاً.

 التحالف الفرنسي–السعودي بدا للكثيرين مفاجئاً: بلد أوروبي يملك مقعداً دائماً في مجلس الأمن وقوة نووية، ودولة عربية ذات ثقل اقتصادي وسياسي وديني. لكن الجمع بين النفوذين منح التحرك وزناً غير مسبوق.

 اللقاء الذي جمع ماكرون وبن سلمان في جدة نهاية 2024 كان نقطة الانطلاق الحقيقية، حيث اتفق الطرفان على خريطة طريق تبدأ بالضغط على العواصم الأوروبية، ثم حشد مؤتمر دولي في نيويورك يضع الأسس لاعتراف غربي متتابع. هذه الثنائية نجحت في كسر “القداسة” الأمريكية على الملف الفلسطيني، وفتحت الباب لتوازنات جديدة.

موجة اعترافات وغضب صهيوني:

في يوليو 2025، فاجأ ماكرون العالم بإعلانه أن فرنسا ستعترف رسمياً بدولة فلسطين في الأمم المتحدة. وبالفعل، في سبتمبر، صوّتت فرنسا لصالح الاعتراف وأعلنت فتح سفارة في رام الله.

الخطوة الفرنسية أطلقت موجة غير مسبوقة من الاعترافات: بريطانيا، كندا، أستراليا، البرتغال، موناكو، لوكسمبورغ، ومالطا تبعت باريس سريعاً. كما أعلنت بلجيكا نيتها الاعتراف بعد تلبية شروط تتعلق بخروج حماس من غزة وإطلاق الأسرى. بهذا، ارتفع عدد الدول المعترفة بفلسطين إلى نحو 156 دولة من أصل 193 عضواً في الأمم المتحدة، أي ما يعادل أكثر من 80% من المجتمع الدولي، بينها للمرة الأولى دول كبرى من الغرب الصناعي.

 إسرائيل ردت بغضب شديد. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اتهم ماكرون بـ”مكافأة الإرهاب” وإضفاء الشرعية على حماس، فيما لوّح أعضاء في حكومته بخطوات أحادية مثل ضم أجزاء من الضفة الغربية.

الولايات المتحدة بدورها أبدت تحفظاً علنياً. مسئول كبير في إدارة ترامب قال إن الاعتراف “قد يمثل نهاية الأمل في حل الدولتين”، معتبراً أن الخطوة ستُضعف قدرة واشنطن على الوساطة. لكن في المقابل، واجه البيت الأبيض ضغوطاً متزايدة من داخل الكونجرس ومن الرأي العام الأمريكي، الذي بات أكثر انتقاداً لإسرائيل بعد صور الدمار في غزة.

 رغم الحماسة، لم يأتِ الاعتراف الغربي خالياً من الشروط. معظم الدول التي تبنت القرار شددت على رفض أي دور لحماس في الدولة الفلسطينية المقبلة، وطالبت بإصلاحات جذرية داخل السلطة الفلسطينية، بما في ذلك مكافحة الفساد وتحديث المؤسسات.

كما ربطت بعض الدول، مثل بلجيكا، اعترافها العملي بانسحاب حماس من غزة والإفراج عن الأسرى الإسرائيليين. أما فرنسا وبريطانيا، فقد دعمتا فكرة نشر “بعثة استقرار دولية مؤقتة” في الأراضي الفلسطينية، لتأمين المرحلة الانتقالية.

ما بعد الاعتراف:

التحدي الأكبر لا يكمن في الاعترافات، بل في تحويلها إلى واقع على الأرض. فإسرائيل تواصل بناء المستوطنات في الضفة الغربية بوتيرة متسارعة، بينما يعاني الفلسطينيون من انقسام داخلي عميق بين حركتي فتح وحماس.

في غزة، لا تزال الكارثة الإنسانية مستمرة: نصف المستشفيات خارج الخدمة، أكثر من 70% من المنازل مدمرة، واقتصاد محاصر بالكامل. وفي الضفة، تصاعدت اعتداءات المستوطنين تحت حماية الجيش الإسرائيلي.

هذه التناقضات تطرح سؤالاً مركزياً: هل يكفي الاعتراف الدولي لصناعة دولة فلسطينية قابلة للحياة، أم أن الأمر يحتاج إلى تغييرات أعمق على المستويين الفلسطيني والإسرائيلي؟

السؤال الذي فرض نفسه: لماذا الآن؟ أي ما الذي جعل هذا التحرك ممكناً في 2024–2025 بينما فشل لعقود؟ هناك ثلاثة عوامل رئيسية:

  1. الكارثة الإنسانية في غزة: صور الأطفال القتلى والمستشفيات المدمرة خلقت ضغطاً شعبياً لا تستطيع الحكومات الغربية تجاهله.
  2. تراجع الدور الأمريكي: واشنطن بدت عاجزة عن وقف الحرب أو حتى التأثير على إسرائيل، ما أضعف صورتها كوسيط حصري.
  3. التحالف الفرنسي–السعودي: الجمع بين قوة غربية كبرى وثقل عربي إقليمي منح التحرك شرعية مضاعفة، وأقنع عواصم أخرى بأن الوقت قد حان لكسر الجمود.

مرحلة جديدة للقضية الفلسطينية:

 بفضل ما فعلته المملكة العربية السعودية، والذي تسبب فى أحداث تحول بمسار الأحداث الإقليمية، رأي المراقبون ثلاثة سيناريوهات محتملة: أولها: دولة فعلية بدعم دولي: إذا استمر زخم الاعترافات وترافق مع إصلاح داخلي فلسطيني وضغط دولي على إسرائيل لوقف الاستيطان، فقد تشهد السنوات القادمة ولادة دولة فلسطينية معترف بها ومؤسسات عاملة. السيناريو الثاني: اعتراف مشروط يراوح مكانه:  قد يظل الاعتراف الدولي قائماً على الورق، لكن دون أثر ملموس بسبب استمرار الاحتلال والانقسام. ثالثاً: انسداد يقود إلى الضم : إذا ردت إسرائيل بخطوات أحادية مثل ضم الضفة، فقد يتبخر المسار الدبلوماسي، وينهار ما تحقق من اعترافات إلى مجرد رمزية بلا أثر.

 ما فعلته السعودية ومعها فرنسا لم يكن مجرد خطوة بروتوكولية، بل محاولة لإعادة تعريف قواعد اللعبة الدبلوماسية في الشرق الأوسط. لقد كسرتا احتكار الولايات المتحدة للوساطة، وأثبتتا أن التحالفات الذكية يمكن أن تغير خرائط النفوذ حتى في أعتى الملفات.

abdelsalamfarouk@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى