د. عبدالمجيد المالكي يكتب.. عِزُّنَا بِطَبعِنَا

نعيش في هذه الأيام الغالية ذكرى عزيزة على قلوبنا، ومجيدة في تاريخنا، هذه الذكرى تمثل أيام المجد والفخر، نستلهم منها العبر، ونستمد منها العزائم. هذه الذكرى الخالدة هي يومنا الوطني الذي يرمز إلى وحدة هذه البلاد المباركة على يدي المؤسس المغفور له – إن شاء الله – الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود.

وحينما يمر بنا هذا اليوم التاريخي العظيم، يتبادر إلى الذهن مباشرة شخصية هذا القائد العظيم الذي وهب نفسه وحياته لتحقيق أسمى وأغلى غاية، وما ذلك إلا نتيجة لإيمانه العميق بأن هذه البلاد هي أولى بالوحدة في الدين والدم، بعد أن عانت كثيرًا من الفتن والإحن والفوضى والتناحر وفقدان الأمن والأمان، الذي أودى بها إلى ثالوث الفقر والجهل والمرض. ولأن الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن – طيب الله ذكراه – كان صادقًا مع الله، حسن النوايا، كان العون والتوفيق له من الله، فطويت له الأرض، ودانت له الأقاليم والبلدان، حتى أعلنها دولة راسخة ذات كيان متين، دينها واحد، واسمها واحد: المملكة العربية السعودية.

وإذا كانت أعين التاريخ قد رصدت هذا الحدث التاريخي العظيم بملامحه وتفصيلاته ووقائعه وبطولاته، فإن شعوب العالم أيضًا كانت ترقب هذا القائد الفذ وهو يضحي بحياته ودمه ونفسه وبكل غالٍ ونفيس من أجل وحدة بلاده، وليسمع العالم صوتها، ولتأخذ مكانتها التي تستحقها بين الأمم، وتحقق له الحلم، وكان له ما أراد. وبلا شك، فإن تحقيق حلم هذه الوحدة الوطنية، التي كانت في يوم من الأيام هاجسًا ملحًّا للملك المؤسس حتى عاشها واقعًا وحقيقة، وينعم بها أبناء هذه البلاد الغالية، لم يكن عملًا تلقائيًا أو وليد صدفة أو جاء بضربة حظ، وإنما كان ملحمة تاريخية متفردة امتدت لعقود من الزمن، صنعها إخلاص الرجال ووفاؤهم وتضحياتهم ودماؤهم، فكان الثمن باهظًا، ولكنها همم الرجال الصادقين، وسمو الأهداف ونبل المقاصد، هي التي صنعت هذه الملحمة التاريخية العظيمة، التي قلّ نظيرها في التاريخ وعلى مر العصور قديمًا وحديثًا.

وتبدو عظمة هذا الإنجاز التاريخي العملاق واضحة وجلية بالمقارنة بين هذا الواقع المعاصر الذي نعيشه، والنهضة العملاقة التي تشهدها المملكة بجميع عناصرها الوحدوية والاجتماعية والاقتصادية والتنموية، وبين واقع وحال تلك البلاد والمناطق والأقاليم لو لم يقم الملك المؤسس بتوحيدها، وظلت على حالها من الفرقة والفوضى والصراعات وعدم توفر الأمن والأمان والاستقرار. ومتى ما تخيلنا هذه المقارنة وخلصنا إلى نتائجها، سوف ندرك حقيقة وحجم هذا الإنجاز وعظمته، التي هي في حقيقة الأمر أشبه بالمعجزة.

إنها إرادة الله سبحانه وتعالى في أن تتوحد هذه البلاد على يد الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – الذي كان أسمى أهدافه تنقية المعتقد مما شابه من بدع وضلالات، ليعم الدين القويم هذه البلاد، فهي مهبط الوحي ومهد الرسالة، منها الإشعاع ينطلق إلى جميع أنحاء المعمورة وكافة أصقاع الأرض، وإليها تهفو الأفئدة لأداء ركن ركين من أركان هذا الدين الحنيف، وهي وجهة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في صلواتهم.

وحريّ بنا ونحن نعيش هذه الذكرى الخالدة أن نستلهم العبر، وأن نعي الدرس في سبيل وحدة هذا الوطن المبارك؛ فالوطن ليس ترابًا فحسب، وإنما أفكار بنّاءة، ومبادئ وقيم النبل والإنسانية التي يعرفها العالم قاطبة عنا أيضًا، والتي أرسى دعائمها ووضع الأسس الثابتة لنهضتها الملك عبدالعزيز – رحمه الله – وعمل على إرساء قواعد العدل والمساواة بين الجميع، ثم دعم الأمن الذي أدى إلى الاستقرار الذي ننعم به جميعًا، ومن ثم أعقبه البناء والتشييد والتقدم والازدهار الذي نعيشه الآن.

وتوالت المسيرة الخيرة، حيث تولى الحكم أبناء الملك عبدالعزيز – رحمه الله – فترسموا خطى والدهم، وحققوا المزيد من الإنجازات العملاقة في مختلف المجالات، حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان – حفظهما الله – والتي وصلت المملكة العربية السعودية بفضل جهودهما الكبيرة التي يبذلانها وحكومتهما الرشيدة في البناء المستمر والنهضة الشاملة، إلى مستويات راقية وعالية من التقدم والنمو، على الرغم من الفترة القصيرة التي تسلما فيها – يحفظهما الله – مقاليد الحكم في تلك البقاع الطاهرة.

ونستطيع أن نشاهد التطور الكبير في شتى المجالات وفقًا لرؤية المملكة العظيمة 2030، التي أبدعها وتبناها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله – والتي من شأنها تحويل أحلام الأمة إلى واقع لبناء المستقبل الواعد لجيل الغد. وأصبحت مشاريعه تحاكي العصر وتعزز طموحات رؤية المملكة 2030 وأهدافها من أجل رفاهية ورخاء المواطن ودعم جودة الحياة، وكذلك قيام المشاريع الاستثمارية والصناعية القوية التي تسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتقلل من الاعتماد على النفط.

وسيظل هذا الوطن شامخًا بقادته وأبنائه، متحدًا في معتقده ومجتمعه، عزيزًا في اقتصاده، منتصرًا في دينه، وستظل هذه الذكرى الوطنية محل تقدير وفخر واعتزاز أبناء هذا الوطن جيلًا بعد جيل، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وستظل سيرة المؤسس الموحّد الملك عبدالعزيز محل الفخر والاعتزاز على مر العصور، ولن تهزنا الأقلام الحاقدة والأصوات الحاسدة، فحسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.

ودمت يا وطني في حفظ الله ونصره وتوفيقه ورعايته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى