إلى أي مدى تتأثر تركيا بالحرب بين إسرائيل وإيران؟

إسراء قاسم- باحثة متخصصة في الشأن التركي.

أعرب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن قلق بلاده البالغ إزاء تطورات الحرب الإيرانية–الإسرائيلية، لا سيما بعد الضربة الأميركية الأخيرة التي استهدفت منشآت نووية إيرانية، مما رفع منسوب التوتر في المنطقة وهدد بانزلاق الأوضاع نحو تصعيد خطير. وخلال اجتماع وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول، أكد أردوغان رفض بلاده القاطع للهجمات الإسرائيلية الأخيرة، معتبرًا أن إسرائيل تسعى لعرقلة المفاوضات النووية الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، ومحذرًا من صمت المجتمع الدولي الذي يكرّس استمرار السياسات العدوانية الإسرائيلية في الشرق الأوسط.

أردوغان اتهم إسرائيل بعدم رغبتها في الوصول إلى حلول سلمية تضمن استقرار المنطقة، داعيًا الدول الإسلامية إلى التكاتف من أجل فرض عقوبات على إسرائيل استنادًا إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، محذرًا من نوايا حكومة بنيامين نتنياهو لإعادة تشكيل خريطة المنطقة على غرار اتفاقية “سايكس بيكو” التاريخية، وسعيها لرسم حدود جديدة تخدم أجندتها الإقليمية.

تقف تركيا اليوم على مفترق طرق في ظل هذا التصعيد. فبينما تراقب الوضع عن كثب، تشعر أن عليها أن تكون مستعدة لأي سيناريو، خصوصًا مع اقتراب الصراع من حدودها: إسرائيل تقترب من الجبهة السورية، في حين تشترك تركيا بحدود طويلة مع إيران، ما يجعلها جزءًا مباشرًا من دائرة التهديدات.

مخاوف تركيا:

تدرك أنقرة أن إسرائيل غير راضية عن الوجود التركي في سوريا، وهو ما ترى فيه القيادة التركية تهديدًا مباشرًا. وقد اعتبر الرئيس أردوغان أن الضربة الإسرائيلية لإيران تحمل رسالة غير مباشرة لتركيا أيضًا، تسعى من خلالها إسرائيل إلى إضعاف النفوذ التركي في المنطقة.

في هذا السياق، رفعت تركيا حالة التأهب تحسبًا لأي تداعيات قد تطرأ في حال امتد الهجوم الإسرائيلي أو تطورت الحرب لتشمل أطرافًا جديدة. وترى أنقرة أن إسرائيل لا تعترف بالقانون الدولي، وتسعى لتكريس نفسها كقوة مهيمنة وحيدة في المنطقة.

وسارعت تركيا إلى إطلاق تحرك دبلوماسي واسع، حيث أجرى أردوغان اتصالات مع قادة الولايات المتحدة وروسيا وإيران وباكستان وعدد من دول العالم، في محاولة لاحتواء التصعيد والدفع نحو حل دبلوماسي. كما أصدرت الخارجية التركية بيانًا يحذّر من خطورة تطور الأوضاع، داعية إلى التهدئة والحوار، وحذّرت من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى صراع إقليمي واسع وربما إلى مواجهة عالمية.

من جهة أخرى، يثير تدفق اللاجئين الإيرانيين إلى الأراضي التركية مخاوف إضافية، لا سيما أن تركيا لا تزال تتعامل مع أعباء ملف اللاجئين السوريين، الذين تجاوز عددهم 3.5 ملايين لاجئ. وكون إيران دولة مجاورة، ومع إعفاء مواطنيها من تأشيرة الدخول إلى تركيا لمدة 90 يومًا، فإن احتمال حدوث موجات نزوح واسعة يُشكل عبئًا جيوسياسيًا وأمنيًا على الداخل التركي، خصوصًا في ظل المخاوف من انفجار الصراع الداخلي في إيران بين المكونات المذهبية والعرقية، وما لذلك من تبعات أمنية على الحدود التركية.

الاستعدادات العسكرية التركية:

أكد أردوغان أن بلاده ستتخذ خطوات عملية خلال المرحلة المقبلة لتعزيز قدراتها الدفاعية، بما يشمل تطوير وإنتاج صواريخ متوسطة وبعيدة المدى، تزامنًا مع دخول الولايات المتحدة على خط المواجهة، مما يعرّض القواعد الأميركية في تركيا، مثل قاعدة “إنجرليك” بالقرب من أضنة، والقواعد التابعة لحلف الناتو، لاحتمال الاستهداف الإيراني.

وبدأت أنقرة بالفعل مراجعة منظومتها الدفاعية، وتحديث أنظمة الرادار، وتشديد حماية المنشآت الاستراتيجية. كما أن الصناعات الدفاعية التركية شهدت تطورًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، ما جعل تركيا واحدة من أبرز الدول المنتجة والمصدّرة للأسلحة، بما فيها الطائرات المسيّرة والصواريخ والمدرعات.

وباتت أنقرة تمتلك ترسانة عسكرية تنافس حتى بعض دول الغرب، وتتجاوز من حيث التأثير كثيرًا من القوى الإقليمية، بما فيها إسرائيل، التي طالما اعتُبرت المزود الأول للأسلحة في الشرق الأوسط. هذا التوازن يجعل أي مواجهة مباشرة مع تركيا خيارًا مكلفًا وخطرًا، من شأنه أن يعمق أزمة الإقليم.

السيناريوهات المحتملة:

رغم أن إيران وتركيا خصمان تقليديان في بعض ملفات المنطقة، إلا أن أنقرة حرصت دائمًا على تحقيق توازن في علاقاتها مع طهران. ورغم أن استنزاف إيران في هذه الحرب قد يفتح المجال أمام تمدد النفوذ التركي، خصوصًا في العراق وسوريا، إلا أن تركيا تميل إلى دعم إيران في هذه المواجهة لعدة أسباب.

فمن ناحية، ترتبط الدولتان بعلاقات تجارية وطاقة متينة؛ إذ تُعد إيران ثالث أكبر مورّد للغاز الطبيعي إلى تركيا، كما يُمثل التبادل التجاري عبر الحدود بين البلدين مصدرًا مهمًا للاقتصاد، ويصعب تعويضه بسهولة في حال إغلاق المعابر الحدودية. ومن ناحية أخرى، ترى أنقرة أن انهيار إيران سيؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار الإقليمي، بما يهدد الداخل التركي، خاصة في ما يتعلق بالأقليات الكردية، وحزب العمال الكردستاني، الذي تحاول تركيا ضبط تحركاته مؤخرًا.

وترى تركيا أن إسرائيل قد تستخدم نفس الذريعة التي استخدمتها مع إيران ــ الملف النووي ــ لتبرير استهداف أنقرة مستقبلًا، ولذلك تسعى جاهدة لتعزيز خيار الحلول الدبلوماسية، وتقديم نفسها كوسيط محتمل بين طهران وواشنطن لإحياء المفاوضات النووية التي أجهضتها الضربات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة.

في النهاية، يمكن القول إن تركيا تقف في منطقة معقّدة بين حدود النار، وتوازن حساس بين المصالح والمخاطر. وتحاول في هذا المشهد المضطرب أن تتجنب الانجرار إلى الصراع، عبر مزيج من التحركات الدبلوماسية والاستعدادات الدفاعية، إدراكًا منها أن أي تصعيد جديد قد يحوّلها من وسيط إلى طرف مباشر في حرب إقليمية واسعة النطاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى