د. مي الدراوي تكتب: من القاهرة إلى نيروبي… أين الفرص؟
حين تتحول الدبلوماسية الاقتصادية إلى مصانع واستثمارات وأسواق جديدة

سلسلة «أفريقيا في قلب المعادلة» — المقال الثاني | نوفمبر 2026
«نقرأ السياسة بلغة الاقتصاد… ونرى في أفريقيا مستقبلًا تصنعه الشراكات.»
هل يمكن أن تتحول رحلة جوية من القاهرة إلى نيروبي إلى بداية مشروع صناعي؟ وهل تستطيع شراكة بين رائدتي أعمال في مصر وكينيا أن تفتح أسواقًا تمتد إلى شرق أفريقيا؟
قد تبدو الإجابة بسيطة، لكن خلفها معادلة اقتصادية وسياسية معقدة، تتداخل فيها المصالح الاستراتيجية والاتفاقيات الدولية والاستثمارات وسلاسل الإمداد، وصولًا إلى مستقبل الصناعة المصرية خارج حدودها التقليدية.
من واقع تجربتي العملية في الأسواق الأفريقية، أرى أن نيروبي ليست مجرد عاصمة لدولة أفريقية صديقة، بل تمثل نقطة انطلاق مهمة نحو شرق أفريقيا، ومنصة يمكن من خلالها بناء شراكات إنتاجية وتجارية تتجاوز الحدود الكينية.
فالقاهرة تمتلك قاعدة صناعية وخبرات إنتاجية، ونيروبي تمتلك موقعًا إقليميًا وشبكات تجارية وفرصًا استثمارية؛ وبين المدينتين مساحة اقتصادية تستحق أن تتحول من الإمكانات إلى المشروعات.
من القاهرة إلى نيروبي… الدبلوماسية ترسم الطريق
شهدت العلاقات المصرية الكينية تحولًا مهمًا في يناير 2025، عندما استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي نظيره الكيني ويليام روتو بالقاهرة، وأعلن البلدان الارتقاء بعلاقاتهما إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية والشاملة.
ولم تكن الزيارة مجرد مناسبة بروتوكولية، فقد شهدت توقيع 12 اتفاقًا للتعاون شملت مجالات الاستثمار والموانئ والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتعليم العالي وتمكين المرأة وغيرها.
ثم جاءت قمة الكوميسا الرابعة والعشرون في نيروبي، في أكتوبر 2025، لتؤكد أهمية التكامل الاقتصادي الإقليمي وتطوير سلاسل القيمة الأفريقية، بمشاركة مصرية رفيعة المستوى برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، نيابة عن الرئيس السيسي.
وفي مايو 2026، جاءت زيارة الرئيس السيسي إلى كينيا لتضيف محطة جديدة إلى مسار العلاقات الثنائية، بينما استمرت المشاورات بين مسؤولي البلدين بشأن الاستثمار والبنية التحتية والتجارة والملفات الإقليمية.
وهنا أطرح سؤالًا أراه أكثر أهمية من عدد الزيارات والاتفاقيات: كيف يمكن أن تتحول كل زيارة رئاسية إلى فرص تصديرية، وكل اتفاقية إلى استثمار، وكل تفاهم سياسي إلى مشروع اقتصادي قابل للقياس؟
إن قوة العلاقات السياسية تمثل عنصرًا مساعدًا، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة التكامل الاقتصادي. فالاستثمار يحتاج إلى تشريعات واضحة، وتمويل مناسب، ونقل ولوجستيات، وضمانات تجارية، ومؤسسات قادرة على المتابعة والتنفيذ.
كينيا… لماذا تمثل بوابة اقتصادية لشرق أفريقيا؟
تقع كينيا على الساحل الشرقي للقارة الأفريقية، وتطل على المحيط الهندي، وتمتلك ميناء مومباسا الذي يؤدي دورًا مهمًا في خدمة التجارة الإقليمية، بما في ذلك حركة السلع المتجهة إلى دول مجاورة غير ساحلية. كما تتمتع نيروبي بمكانة إقليمية في قطاعات الخدمات المالية والتكنولوجيا والتجارة والمؤسسات الدولية.
وتستفيد كينيا من عضويتها في مجموعة شرق أفريقيا «EAC» والسوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا «COMESA»، فضلًا عن مشاركتها في منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية «AfCFTA».
وهذا الموقع يمنح الشركات التي تعمل في السوق الكينية فرصًا للتوسع الإقليمي، مع مراعاة قواعد المنشأ والمتطلبات التنظيمية والجمركية لكل سوق.
لكن أهمية كينيا لا تتوقف عند الجغرافيا. فهي تمتلك قطاعات زراعية وتصديرية معروفة عالميًا، أبرزها الشاي والقهوة والزهور والمنتجات البستانية، إلى جانب نشاط متنامٍ في التكنولوجيا والخدمات والصناعات التحويلية.
ومن هنا أرى أن التكامل بين مصر وكينيا يمكن أن يقوم على معادلة واضحة: الخبرة الصناعية المصرية، والموارد والقدرات الزراعية الكينية، والأسواق الإقليمية المشتركة. إنها معادلة تستحق الدراسة والاستثمار، وليست مجرد شعار للتعاون الأفريقي.
لغة الأرقام… هل تعكس التجارة حجم الفرص؟
بحسب بيانات أعلنتها وزارة التجارة الكينية، بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وكينيا نحو 567 مليون دولار خلال عام 2024.
وفي سبتمبر 2026، أشارت تصريحات منشورة عن جهاز التمثيل التجاري المصري إلى تجاوز التبادل التجاري السنوي بين البلدين 600 مليون دولار، مع وجود أكثر من 80 شركة مصرية تعمل وتستثمر في السوق الكينية.
ورغم أهمية هذه الأرقام، فإنها تفتح الباب أمام تساؤل اقتصادي مشروع: هل يعكس حجم التجارة الحالي الإمكانات الحقيقية لاقتصادين بحجم مصر وكينيا؟
في تقديري، لا تزال هناك مساحات واسعة للنمو، خصوصًا في القطاعات التي تسمح بالتكامل الصناعي بدلًا من المنافسة التقليدية. فالمنتجات المصرية تمتلك فرصًا في مواد البناء والتعبئة والتغليف والصناعات الغذائية والدوائية والكيماوية والمنسوجات.
وفي المقابل، تمتلك كينيا فرصًا مهمة لتصدير الشاي والقهوة والمنتجات الزراعية، فضلًا عن التعاون في تصنيعها ورفع قيمتها المضافة. والقيمة الحقيقية للتجارة ليست في زيادة حجم الصادرات وحده، وإنما في بناء سلاسل إنتاج واستثمار تخلق فرص عمل في البلدين.
من تصدير المنتج إلى تصدير الصناعة
أعتقد أن أحد أهم التحولات المطلوبة في التفكير الاقتصادي المصري تجاه أفريقيا هو الانتقال من نموذج «بيع المنتج» إلى نموذج «بناء السوق».
فبدلًا من أن تكتفي الشركة المصرية بإرسال حاوية منتجات إلى نيروبي، لماذا لا تدرس إنشاء مركز توزيع، أو خط تعبئة، أو شراكة تصنيع محلية؟ ولماذا لا تتعاون الشركات المصرية مع نظيراتها الكينية في مجالات الصناعات الغذائية والمستحضرات التجميلية والمنسوجات والجلود والنباتات الطبية والعطرية؟
يمكن، على سبيل المثال، تطوير مشروعات مشتركة لمعالجة النباتات العطرية واستخلاص الزيوت وتصنيع منتجات العناية الشخصية، بحيث تستفيد من الخبرة الفنية والمواد الخام والأسواق المتاحة. كما يمكن أن تتحول الصناعات الغذائية إلى نموذج للتكامل، من خلال الاستفادة من المحاصيل الأفريقية في تصنيع منتجات ذات قيمة مضافة، وتسويقها تحت علامات تجارية مشتركة.
وهنا لا أتحدث عن فرص نظرية فقط، بل عن توجه اقتصادي يمكن اختباره من خلال دراسات جدوى وشراكات إنتاجية محددة. فالمستقبل ليس لمن يصدر أكبر كمية من المواد الخام، بل لمن يستطيع تحويلها إلى منتجات تحمل معرفة وتكنولوجيا وقيمة مضافة.
الاتفاقيات التجارية… فرص على الورق أم في الأسواق؟
تجمع مصر وكينيا عضوية الكوميسا، كما تشتركان في اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية. وتتيح هذه الأطر فرصًا لتيسير التجارة وخفض بعض الحواجز الجمركية وفقًا للشروط والجداول وقواعد المنشأ المعمول بها.
لكن المشكلة التي أراها في كثير من تجارب الشركات الصغيرة والمتوسطة ليست غياب الاتفاقيات، بل ضعف المعرفة بكيفية الاستفادة منها. فكم مصنعًا مصريًا يعرف التعريفة الجمركية الفعلية لمنتجه عند دخوله كينيا؟ وكم شركة درست تكلفة النقل والتخزين والتوزيع؟ وكم مستثمرًا يعرف شروط تسجيل منتجه، ومتطلبات المطابقة والجودة، وآليات التحصيل وضمان مخاطر عدم السداد؟
إنني أرى أن دور المؤسسات الاقتصادية لا ينبغي أن يتوقف عند التعريف بالاتفاقيات، بل يجب أن يمتد إلى توفير أدلة عملية للتصدير، وربط الشركات بالموزعين والمصنعين والمستثمرين.
وفي أغسطس 2026، برز مثال عملي على ذلك مع إطلاق مركز «بيت مصر» اللوجستي في كينيا، بمساحة معلنة تبلغ 20 ألف متر مربع، ليكون منصة لتخزين وعرض وتوزيع المنتجات المصرية. مثل هذه المشروعات يمكن أن تقلص المسافة التجارية بين المصنع والمستهلك، بشرط أن ترتبط بكفاءة التشغيل والتوزيع والطلب الفعلي في الأسواق.
المرأة والشباب… قوة اقتصادية لم تُستثمر بالكامل:
من خلال مشاركتي في لقاءات الأعمال وبرامج التدريب والتواصل مع سيدات الأعمال في كينيا، لفت انتباهي حجم الطاقات الريادية، والرغبة في اكتساب المهارات الإنتاجية، والبحث عن فرص اقتصادية مستدامة.
وأؤمن بأن تمكين المرأة اقتصاديًا لا يتحقق بمجرد تنظيم المؤتمرات أو منح شهادات التدريب. بل يبدأ عندما تتحول المعرفة إلى منتج، والمنتج إلى مشروع، والمشروع إلى دخل مستدام.
ومن هنا أرى فرصة مهمة لتطوير برامج مصرية كينية مشتركة لتدريب النساء والشباب على التصنيع الصغير، والتعبئة والتغليف، وإدارة الجودة، والتسويق والتجارة الإلكترونية، وربطهم بقنوات البيع المحلية والإقليمية. كما أن الشراكات بين الجامعات ومراكز البحث العلمي والشركات يمكن أن تسهم في تطوير منتجات جديدة قائمة على الموارد الطبيعية والزراعية المتاحة.
فالتنمية الاقتصادية لا تُقاس فقط بحجم الاستثمارات، بل بعدد الأشخاص الذين أصبحوا قادرين على الإنتاج والمشاركة في الاقتصاد.
التحديات… لماذا لا ينجح كل من يدخل السوق الأفريقية؟
رغم جاذبية الفرص، فإن التوسع التجاري في كينيا وشرق أفريقيا ليس خاليًا من المخاطر. فهناك تحديات تتعلق بتكاليف النقل، وتقلبات أسعار الصرف، والضرائب، والإجراءات التنظيمية، والمنافسة، وتكاليف التمويل، فضلًا عن مخاطر التحصيل المالي.
كما أن اختلاف ثقافة المستهلك وطرق التوزيع ومستويات الدخل بين الأسواق يفرض على الشركات المصرية دراسة كل سوق بصورة مستقلة. ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن نجاح المنتج في مصر يضمن نجاحه في كينيا أو غيرها من الأسواق الأفريقية.
فالمنتج الناجح هو الذي يتوافق مع احتياجات المستهلك المحلي وسعره المناسب ومتطلبات الجودة والتوزيع. ولذلك فإنني أدعو إلى بناء منظومة أكثر تكاملًا لدعم التوسع المصري في أفريقيا، تشمل المعلومات السوقية، والتأمين على الصادرات، وتسهيل المدفوعات، ودعم المعارض التجارية، وتطوير الخدمات اللوجستية، وربط الشركات الصغيرة والمتوسطة بشركاء موثوقين.
ماذا نحتاج من القاهرة ونيروبي؟
أرى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى خمسة مسارات اقتصادية متوازية:
أولًا: تفعيل التعاون المؤسسي بين مجتمعي الأعمال في البلدين، وتحويل مجالس الأعمال واللجان المشتركة إلى منصات لمتابعة المشروعات.
ثانيًا: التوسع في التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا، خصوصًا في الصناعات الدوائية والغذائية والزراعية والمنسوجات.
ثالثًا: تطوير منظومة لوجستية تدعم التصدير والتخزين والتوزيع وتقلل تكلفة الوصول إلى المستهلك.
رابعًا: إنشاء برامج تمويل وضمان مخاطر تجارية تناسب احتياجات الشركات الصغيرة والمتوسطة.
خامسًا: الاستثمار في العنصر البشري، من خلال التدريب وريادة الأعمال والبحث العلمي وتمكين المرأة والشباب.
وهذه المسارات لن تحقق نتائجها دون مشاركة حقيقية من القطاع الخاص، ووجود آليات واضحة لقياس حجم الاستثمارات والصادرات والوظائف الجديدة.
وأخيرًا… من القاهرة إلى نيروبي، المسافة ليست جغرافية عندما أنظر إلى خريطة أفريقيا، لا أرى فقط حدودًا تفصل بين الدول، بل أرى فرصًا للتكامل بين المصانع والمزارع والموانئ والأسواق والجامعات ورواد الأعمال.
وأرى أن العلاقات المصرية الكينية تمتلك مقومات تسمح ببناء نموذج عملي للتعاون الاقتصادي الأفريقي، إذا نجح الطرفان في تحويل الإرادة السياسية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ.
إن نيروبي ليست نهاية الطريق أمام المستثمر المصري، بل يمكن أن تكون بداية رحلة أوسع نحو شرق أفريقيا. وكذلك فإن القاهرة ليست مجرد سوق للمنتجات الكينية، بل يمكن أن تكون شريكًا صناعيًا وتجاريًا يضيف قيمة حقيقية للموارد والمنتجات.
لقد حان الوقت لنتوقف عن النظر إلى أفريقيا باعتبارها سوقًا نبحث فيها عن مشترٍ، ونبدأ في النظر إليها باعتبارها شريكًا نصنع معه المستقبل. فالسؤال لم يعد: هل توجد فرص اقتصادية بين القاهرة ونيروبي؟ بل أصبح: من سيحوّل هذه الفرص إلى مصانع؟ ومن سيحوّل الاتفاقيات إلى صادرات؟ ومن سيحوّل العلاقات السياسية إلى استثمارات مستدامة؟ لأن المسافة الحقيقية بين القاهرة ونيروبي لا تُقاس بعدد الكيلومترات… بل بعدد الفرص التي لم نستثمرها بعد.
«نقرأ السياسة بلغة الاقتصاد… ونرى في أفريقيا مستقبلًا تصنعه الشراكات.»