جغرافيا الكيف.. كيف تغير مزاج المصريين بين الأجيال المتعاقبة؟

نورچيهان عبدالرحمن- باحثة مساعدة بمركز رع للدراسات
لم تكن خريطة “الكيف” في مصر، في الذاكرة الاجتماعية على الأقل، منفصلة تماما عن الجغرافيا. فعلى مدى عقود تشكل ما يمكن وصفه بـ”المزاج المحلي للكيف”، حيث ارتبطت بعض أنواع المخدرات ببيئات جغرافية وشرائح اجتماعية وأجيال أكثر من غيرها، حتى بدت الصورة وكأن لكل إقليم مادته الأكثر حضورا، ولكل طبقة طقوسها، ولكل جيل عاداته التي ورثها عمن سبقه، بل كانت هناك عائلات ارتبطت في الذاكرة المحلية بأنواع بعينها.
ولا يعني ذلك أن سكان محافظة بعينها كانوا يتعاطون نوعا محددا من المخدرات، فمثل هذا التعميم لا يستقيم علميا، وإنما المقصود أن أنماطا بعينها ظلت أكثر حضورا في دوائر معينة، بحكم طبيعة العمل ومستوى الدخل والعادات وشبكات التجارة والانتقال.
في الصعيد، على سبيل المثال، ظل الأفيون حاضرا في الذاكرة الاجتماعية لبعض القرى والنجوع، خاصة بين أجيال أكبر سنا وبعض العائلات والمزارعين، إلى جانب الحشيش، بينما كان الأخير أكثر ظهورا داخل المدن والمراكز. وفي القاهرة الكبرى والإسكندرية كانت الصورة أكثر تنوعا، مع حضور الحشيش والبانجو، إلى جانب العقاقير والهيروين في دوائر مختلفة. أما الدلتا فبدت منطقة وسط تجمع بين أنماط الريف والمدينة، بينما احتفظت مدن القناة والمناطق الحدودية بخصوصية فرضتها طبيعة العمل وحركة الموانئ والعلاقات القبلية والاجتماعية.
كان المكان، إذن، يشارك في صناعة “المزاج”. لكن هذه القاعدة بدأت تتراجع بقوة. فالجيل الجديد لم يعد يرث بالضرورة “كيف” الجيل السابق، كما لم تعد المادة المخدرة محكومة بالدرجة نفسها بحدود المحافظة أو القرية. اتسعت السوق، وتعددت المواد، ودخلت المخدرات التخليقية والعقاقير المصنعة، وظهر التعاطي المتعدد، وأصبحت المسافة بين جيلين داخل المنطقة الواحدة أحيانا أكبر من المسافة بين منطقتين مختلفتين. ومن هنا يصبح السؤال: كيف تغير مزاج المصريين؟ ولماذا تفككت جغرافيا الكيف القديمة؟

خريطة قديمة:
في الصعيد، ارتبط الأفيون في بعض البيئات الريفية بالعمل الشاق والقدرة على التحمل والوجاهة الاجتماعية لدى بعض الدوائر، بينما كان الحشيش أكثر انتشارا داخل المدن والمراكز. وفي أسوان والنوبة، لعبت الروابط الأسرية والاجتماعية القوية دورا في بقاء بعض الأنماط داخل دوائر ضيقة نسبيا، خاصة بين كبار السن.
أما القاهرة الكبرى والإسكندرية فكانتا أكثر انفتاحا على أنواع متعددة، بحكم الكثافة السكانية وحركة البشر واتساع السوق. وشكل الحشيش والبانجو جزءا من “المزاج الحضري”، إلى جانب الهيروين والعقاقير وبعض الأدوية التي يساء استخدامها في دوائر محددة. وفي الدلتا اختلط الريف بالمدينة؛ فاحتفظت بعض القرى بأنماط تقليدية، بينما اقتربت المدن والمراكز الكبرى من النموذج الحضري، ولذلك ظلت الدلتا منطقة تداخل أكثر من كونها سوقا ذات نمط واحد.
أما مدن القناة، الإسماعيلية والسويس وبورسعيد، فقد أسهمت طبيعة الموانئ وحركة النقل والتجارة في تشكيل نمط اجتماعي مختلف، ارتبط فيه الحشيش والبانجو والشيشة بالمقاهي والبيئات العمالية وجلسات السمر. وفي مطروح وسيوة وبعض مناطق سيناء، لعبت العلاقات القبلية والعشائرية دورا أكبر في الضبط الاجتماعي، وهو ما جعل وصول بعض الأنماط الجديدة إليها أبطأ لفترات طويلة.
حتى التبغ نفسه كانت له طقوسه وجغرافيته. فالسلوم والقص والعجمي والمعسل والشيشة والجوزة ارتبطت بالمقهى والديوان والحقل وجلسات المساء. وأتذكر جيدا، في بيت جدي بإحدى قرى الدلتا، جارنا ذلك الشيخ المسن، المزارع الذي أثقلت السنون خطواته. كان يستيقظ عقب صلاة الفجر ليبدأ طقسه اليومي في إعداد “كيفه” الخاص، يمسك بهونه الخشبي ويدق أوراق التبغ بطرقات هادئة ومنتظمة يخترق صوتها سكون الفجر. لم أكن أعرف وقتها أن صوت الهون ورائحة التبغ سيبقيان في الذاكرة، شاهدين على زمن كان فيه “المزاج” مرتبطا بالمكان وبالعادة اليومية، قبل أن تنتقل أدوات التدخين نفسها إلى أجهزة إلكترونية وسوائل ومنتجات مصنعة.
كيف تفككت جغرافيا الكيف؟
ما حدث خلال السنوات الأخيرة أن هذه الحدود بدأت تفقد معناها القديم. فلم يعد الصعيد مرتبطا بالأفيون والحشيش فقط، ولم تعد القاهرة والإسكندرية وحدهما سوق التنوع، كما لم تعد الدلتا مجرد منطقة وسط بين الاثنين. دخل الترامادول ثم العقاقير، وبعدها الاستروكس والفودو والشابو والبودر والكريستال ميث وغيرها من المواد التخليقية، وأصبح الانتقال من مادة إلى أخرى أسرع من أي وقت مضى.
وتشير البيانات المعلنة إلى أن معدل التعاطي العام في مصر يدور حول 5.9% تقريبا بين الفئة العمرية من 15 إلى 60 عاما. وفي الربع الأول من عام 2026، قدم صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي خدمات علاجية لنحو 40 ألف مريض تقريبا، من خلال ما يقرب من 35 مركزا علاجيا في نحو 20 محافظة.
لكن الأكثر دلالة من العدد نفسه هو نوع المواد التي ظهرت بين المستفيدين من الخدمات العلاجية. فقد جاءت المخدرات الاصطناعية، وفي مقدمتها الكريستال ميث والاستروكس والفودو والبودر والشابو، في مقدمة المواد المسجلة، تليها مواد تقليدية مثل الحشيش، ثم الترامادول والهيروين، إلى جانب حالات التعاطي المتعدد. وفي الثلث الأول من العام نفسه، ارتفع عدد المستفيدين إلى نحو 55 ألف حالة تقريبا، مع استمرار المخدرات الاصطناعية في المقدمة.
وبناء على ما سبق، يمكن القول إن الأمر تجاوز مجرد دخول مواد جديدة إلى السوق، فنحن أمام إعادة ترتيب لسوق الكيف المصري نفسه. ففي إحدى عينات اتصالات الخط الساخن خلال عام 2025، كان الحشيش يمثل نحو 51% تقريبا من الحالات، يليه الترامادول والهيروين ثم المخدرات التخليقية، لكن عند النظر إلى فترات لاحقة أصبحت المخدرات الاصطناعية في صدارة المواد المسجلة بين طالبي العلاج. ويشير ذلك إلى سرعة حركة السوق، وأن مادة واحدة لم تعد قادرة على الاحتفاظ بمكانتها بالطريقة نفسها بين مختلف الفئات والمناطق.
ويقدم الصعيد واحدا من أوضح النماذج على هذا التحول. فالصورة القديمة التي ارتبطت بالأفيون والحشيش تغيرت تدريجيا مع انتشار الترامادول، ثم ازدادت الخريطة تعقيدا مع دخول المواد التخليقية. وأظهرت دراسة علمية على مرضى في صعيد مصر أن نحو 59% تقريبا من العينة كانوا يستخدمون أكثر من مخدر، بينما استخدم نحو 25% تقريبا الترامادول وحده.
وتكشف هذه النسب أن التحول لم يبدأ مع الشابو والاستروكس فقط، بل سبقه تغير واضح في نمط التعاطي نفسه. فالشاب الذي كان محيطه الاجتماعي في جيل سابق أكثر معرفة بالحشيش أو الأفيون، أصبح أمام سوق مختلفة تماما تضم الترامادول والشابو والاستروكس والبودر والعقاقير، وأحيانا أكثر من مادة في الوقت نفسه.
وهنا تحديدا تبدأ الخريطة الجغرافية القديمة للكيف في التفكك. فالمنطقة لم تعد وحدها هي التي تحدد المادة، إذ أصبح السعر والتوافر وشدة التأثير وسهولة الحصول عليها عوامل مؤثرة في الاختيار. وحتى التفضيلات نفسها لم تعد مستقرة؛ فالنوع الذي يرتفع سعره أو يقل المعروض منه قد يتراجع لصالح بديل أرخص أو أسرع تأثيرا أو أكثر انتشارا بين دوائر الأصدقاء. ولذلك لا يتعلق التحول بالثقافة وحدها، وإنما أيضا باقتصاديات السوق.
ثم جاءت حركة السكان لتزيد الخريطة اختلاطا. فالشاب في قرية بالصعيد قد يدرس في مدينة أخرى، أو يعمل في القاهرة، أو ينتقل يوميا بين المحافظة والمركز والمدينة الجديدة. كما تجمع المدن الصناعية والجامعات ومواقع العمل شبابا من الصعيد والدلتا والقاهرة والقناة في مساحات واحدة، بما يسمح بانتقال أنماط التعاطي بين مناطق كانت تبدو في السابق أكثر تمايزا.
وجاء الهاتف والإنترنت ليقللا ما تبقى من عزلة الجغرافيا. فالشاب في سوهاج أو أسيوط أو قنا يشاهد المحتوى نفسه الذي يشاهده شاب في القاهرة أو الإسكندرية، ويتابع الموسيقى والمشاهير أنفسهم، ويتحرك داخل فضاء ثقافي يتجاوز حدود القرية والمحافظة. ولا يعني ذلك أن الإنترنت سبب للإدمان، لكنه جعل البيئة الثقافية أكثر تشابها، وأضعف قدرة المكان على صناعة “مزاج محلي” مغلق.
حتى القاهرة نفسها لم تعد وحدها سوق التنوع. صحيح أنها استحوذت في بعض بيانات 2026 على ما يقرب من 26 إلى 27% تقريبا من مكالمات الخط الساخن، وجاءت الجيزة في حدود 21% تقريبا، لكن هذه الأرقام ترتبط أيضا بالكثافة السكانية وعدد المراكز وسهولة الوصول إلى العلاج، ولذلك لا يجوز تفسيرها باعتبارها معدلا مباشرا للتعاطي. كما أن الخدمات العلاجية أصبحت موزعة على نحو 20 محافظة تقريبا، بما يعكس اتساع نطاق الوصول إلى العلاج جغرافيا.
الشباب في قلب التحول:
والتحول الأخطر لا يتعلق بالمادة وحدها، وإنما بالجيل الذي يتعامل معها. فبيانات صندوق مكافحة الإدمان أظهرت أن نحو 18% تقريبا من بعض المستفيدين بدأوا التعاطي بين سن 15 و20 عاما، بينما بدأ ما يقرب من 38% تقريبا بين سن 21 و30 عاما. وهذا يعني أن نسبة كبيرة من بدايات التعاطي تقع في سنوات الشباب.
وفي بيانات عام 2025، جاء أصدقاء السوء في مقدمة دوافع التعاطي بنسبة تقارب 61% تقريبا، وجاء حب الاستطلاع في حدود 23% تقريبا. وهنا يظهر أحد التحولات المهمة في ثقافة “الكيف”. فالمتعاطي القديم كان يمكن أن يرتبط بمادة واحدة لسنوات، بينما تقوم بعض الأنماط الحديثة على التجريب والانتقال من مادة إلى أخرى، وأحيانا الجمع بين أكثر من نوع. وهو ما يفسر حضور “التعاطي المتعدد” في بيانات العلاج.
وأصبح تأثير دوائر الأصدقاء في بعض الحالات أقوى من تأثير الجغرافيا، كما أصبح التجريب والسعر والتوافر عوامل قادرة على تغيير التفضيلات القديمة. ولذلك قد يكون الشاب داخل القرية الواحدة أقرب في نمط سلوكه إلى شاب في محافظة أخرى منه إلى رجل يكبره بأربعين عاما ويعيش في البيت المجاور.
وتكتسب هذه النقطة أهمية أكبر عند ربطها بالديموغرافيا المصرية. فالفئة العمرية من 15 إلى 29 عاما تمثل ما يقرب من 26% تقريبا من سكان مصر، أي نحو ربع المجتمع. وهذه الكتلة تمثل جزءا أساسيا من سوق العمل والتعليم والإنتاج والقوة البشرية المستقبلية. ومن ثم فإن اتساع التعاطي داخلها لا يقف عند حدود الضرر الواقع على المتعاطي، وإنما يمتد أثره إلى رأس المال البشري والأمن الاجتماعي.
فالأسرة تتحمل جزءا من التكلفة، وسوق العمل قد يفقد جزءا من إنتاجيته، كما ترتبط بعض حالات التعاطي بحوادث الطرق والمشكلات الأسرية والعنف والاضطرابات السلوكية، خاصة مع بعض المواد شديدة التأثير أو حالات التعاطي المتعدد.
وفي الوقت نفسه، تتغير خريطة التبغ داخل الجيل نفسه. فالشيشة والجوزة والسيجارة التقليدية أصبحت تتقاسم السوق مع السجائر الإلكترونية ومنتجات التبغ المسخن والسوائل المنكهة.
وفي بعض الدراسات الميدانية الحديثة في القاهرة والجيزة، ظهرت إعلانات منتجات التبغ المسخن في نحو 75% تقريبا من نقاط البيع التي شملها الرصد، كما ظهرت بعض هذه المنتجات بالقرب من الحلوى والعلكة في نسبة قاربت 80% تقريبا من بعض المواقع محل الدراسة. وتعكس هذه المؤشرات تغيرا في طريقة تسويق النيكوتين نفسه. فلم يعد الشكل التقليدي للسيجارة أو الشيشة هو النموذج الوحيد، بل ظهرت أجهزة صغيرة سهلة الحمل والإخفاء، بنكهات وتصميمات أقرب إلى لغة الشباب والمراهقين.
من جغرافيا الكيف إلى جغرافيا السوق:
التحول الذي تشهده مصر لا يمكن اختصاره في تراجع الأفيون أو تقدم الشابو أو فقدان الحشيش جزءا من مكانته، لأن المسألة تتعلق بتغير المنظومة التي كانت تصنع “المزاج” من الأساس.
في الماضي، كان المكان يلعب دورا أكبر: القرية، والعائلة، والمقهى، والتاجر المحلي، وطبيعة العمل، والعادة التي تنتقل من جيل إلى آخر. أما اليوم فقد دخلت عوامل أخرى أكثر تأثيرا، من بينها السعر وشبكات التوزيع وحركة السكان والمواد المصنعة والعقاقير ودوائر الأصدقاء والإنترنت وثقافة التجريب والتعاطي المتعدد. ولذلك لم تعد المحافظة وحدها قادرة على تفسير نوع المخدر الأكثر حضورا، بل ربما أصبح الفارق بين جيلين داخل المحافظة الواحدة أكبر من الفارق بين محافظتين.
قد يعيش رجل في الستين وشاب في العشرين داخل القرية نفسها، لكنهما ينتميان فعليا إلى عالمين مختلفين من “الكيف”. الأول يعرف المواد التي عرفها منذ عقود، بينما يعيش الثاني داخل سوق وطنية سريعة الحركة، تتغير فيها المواد والأسعار وأنماط الانتشار بصورة مستمرة. وهنا يمكن الحديث عن انتقال واضح من “جغرافيا الكيف” إلى “جغرافيا السوق”.
ويفرض هذا التحول بدوره تغييرا في أدوات المواجهة. فلا يمكن مخاطبة شاب في العشرين بالطريقة نفسها التي يخاطب بها رجل في الستين، كما لا يكفي بناء حملات الوقاية على التقسيم الجغرافي للمحافظات وحده. المطلوب قراءة أكثر دقة للعمر ونوع المادة والسعر والسياق الاجتماعي ودوائر الأصدقاء ومكان السكن والعمل وطبيعة السوق.
كما أن انتشار المخدرات التخليقية والتعاطي المتعدد يفرض تطوير قدرات العلاج والرصد المبكر، لأن الخطر لم يعد مرتبطا بمادة واحدة مستقرة، وإنما بسوق قادرة على إدخال بدائل جديدة وتغيير أنماط التعاطي بسرعة. وفي قلب هذه المواجهة يأتي الشباب باعتبارهم الفئة الأكثر أهمية في معادلة المستقبل.
فحين يمثل الشباب أكثر من ربع السكان تقريبا، فإن حماية هذه الكتلة من الإدمان لا يمكن النظر إليها باعتبارها ملفا علاجيا فقط، وإنما قضية ترتبط بمستقبل قوة العمل واستقرار الأسرة والأمن المجتمعي، وبقدرة الدولة على تحويل تركيبتها السكانية إلى قوة تنموية.
لقد تراجعت إلى حد بعيد صورة “الكيف المحلي”، وتقدمت مكانها سوق أكثر مرونة وقدرة على تجاوز حدود المحافظات والأجيال. ومن هنا لم يعد السؤال فقط: كيف تغير مزاج المصريين؟ بل أصبح السؤال الأهم، هو: هل تغيرت أدوات الدولة والمجتمع بالسرعة نفسها التي تغيرت بها سوق الكيف؟