معدلات مقلقة.. لماذا يتزايد عنف الأبناء ضد الأمهات في مصر مؤخرًا؟
قراءة تحليلية ورصد ميداني لظاهرة العنف الأسري ضد الأمهات في مصر

نورچيهان عبدالرحمن- باحثة مساعدة بمركز رع
تستمر قضايا العنف الأسري في تصدر المشهد الاجتماعي المصري، خاصة في الفترة الأخيرة التي شهدت ازديادًا ملحوظًا لظاهرة كانت تُصنَّف تاريخيًا ضمن خانة “المحرمات الاجتماعية”، ألا وهي العنف البنوي المباشر الموجّه ضد الأمهات، بمعنى تعدي الأبناء والشباب على أمهاتهم. ولم يعد الأمر يقتصر على التجاوز اللفظي أو الإهمال المعنوي، بل امتد، في حالات وثقتها البلاغات والتحقيقات، إلى التعدي الجسدي العنيف، والاستيلاء القسري على أملاك الأمهات ومعاشاتهن التقاعدية، وصولًا إلى طردهن تعسفيًا والتخلص منهن في مشاهد صادمة تحولت إلى “تريند” عبر المنصات الرقمية.
وتقتضي هذه الظاهرة قراءة تحليلية متأنية ومحكمة تنفذ إلى جوهر الأزمة، عبر التفكيك الشامل لمسبباتها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والدينية، هذا ما يطرح السؤال: لماذا تتزايد هذه الظاهرة، وما آليات مواجهتها؟
البعد الإنساني.. شهادات حية من الواقع:
تتوارى خلف لغة الإحصاءات قصصٌ إنسانية مفجعة تعكس حجم الانهيار القيمي والنفسي لدى بعض الأشخاص، ولعل الوقائع الأخيرة التي اهتز لها الشارع المصري تشكل برهانًا ساطعًا على تحول البيت من مصدر للأمان إلى مساحة للترقب والخوف:
(*) واقعة “التجرد من الإنسانية والإلقاء في القمامة”: شهدت إحدى المحافظات واقعة مؤلمة تداولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها واحدة من أكثر الوقائع قسوة؛ حيث أقدم ابن على الاعتداء الجسدي واللفظي على أمه المسنة، متجردًا من أدنى مشاعر البر والرحمة، ليصل به الأمر إلى إلقائها وإهمالها بجوار أكياس القمامة في الشارع. وجسدت تلك الواقعة انكسار رمزية الأمومة وحجم الهوان الذي قد تعانيه الأم في صمت، قبل أن توثق كاميرات المارة الجريمة.
(*) واقعة “الشقيقين وابتزاز الملكية تحت تأثير المواد المخدرة”: وفي واقعة أخرى تجسد التداخل بين الإدمان والجشع المادي، أقدم شقيقان على الاعتداء الجسدي المتكرر بالضرب المبرح على أمهما، مستغلين وضعها الصحي وسنها، للاستيلاء على الشقة السكنية التي تمتلكها وورثتها قانونًا عن والدها. وكشفت البلاغات والتحقيقات وشهادات الجيران أن الباعث الأساسي لممارسة هذا العنف القسري طوال فترة متصلة كان إكراه الأم على التنازل عن ملكية العقار وبيع محتوياته، لتوفير السيولة المالية اللازمة لشراء المواد المخدرة، في مشاهد تعكس تحول الأبناء إلى مصدر تهديد مباشر لحياة الأم.
(*) سيكولوجية التكتم وخشية الوصمة: تُظهر دراسات المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن غالبية الأمهات المتضررات يفضلن الصمت لعدة أسباب إنسانية مركبة:
١. الخوف على المستقبل القانوني للابن: ترفض الأم الإبلاغ الرسمي خشية سجن الابن أو تدمير مستقبله.
٢. عقدة الذنب الذاتي: ممارسة “جلد الذات”، وافتراض أن سلوك الابن نتيجة تقصير تربوي من جانبها.
٣. خشية الوصمة المجتمعية: النظرة العرفية التي تعتبر الإعلان عن تعنيف الابن لأمه مصدرًا لـ”العار” العائلي.

مؤشرات هامة وقراءة في منهاجية الأرقام الرسمية:
تُظهر تقارير الرصد الميداني الصادرة عن المراكز التوثيقية والحقوقية المستقلة، مثل مؤسسة إدراك للتنمية والمساواة، أبعادًا دقيقة حول الجرائم الأسرية ومحور الاعتداء البنوي:
أ. إجمالي جرائم العنف الأسري: يتم توثيق مئات من جرائم العنف العائلي سنويًا، حيث تشكل الجرائم الواقعة داخل المحيط الأسري المباشر ما يتراوح بين 45% و50% من إجمالي البلاغات والحالات المرصودة.
ب. تصدر الأطراف المعتدية: يُسجل اعتداء الأبناء على الأمهات تصاعدًا ملحوظًا، ليأتي الأبناء في صدارة الأطراف المعتدية، إلى جانب الأزواج، في قضايا التعدي الجسدي والابتزاز المالي والسيطرة القسرية.
ج. توضيح منهجية الأرقام الرسمية: تعتمد المسوح الحكومية العامة، مثل مسح صحة الأسرة المصرية الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فئة ديموغرافية قياسية تُحدد بـ(15-49 سنة) لقياس مؤشرات صحة المرأة. وتقتضي الدقة الصحفية التنويه بأن هذه الفئة المعيارية تُعنى بالجانب الديموغرافي العام، وتضم فتيات دون السن القانونية، بينما يعاني رصد العنف الموجّه ضد الأم البالغة والأم المسنة، خاصة فوق سن الخمسين والستين عامًا، من فجوة إحصائية رسمية مستقلة، إذ تندر المسوح الوطنية المخصصة لكبار السن، مما يجعل البلاغات القضائية والرصد الميداني للمؤسسات الاجتماعية من المراجع الأساسية لاستكشاف حجم هذه الظاهرة.
اتجاهات رصد وتحليل مسببات الظاهرة:
تتقاطع مجموعة من الأسباب المركبة لتصنع البيئة المحفزة لارتفاع معدلات الاعتداء على الأمهات:
(#) – الجانب الاقتصادي والحالة المادية: الضغط المالي وجشع الاستيلاء على الممتلكات: مع ارتفاع معدلات التضخم وزيادة الأعباء المعيشية، يتشكل لدى بعض الأبناء سلوك عدواني يسعى إلى الحصول على المال السريع، ويتجلى ذلك في الإكراه القسري للأم على التنازل عن ملكية العقار، أو بيع المشغولات الذهبية، أو تسليم معاشها الشهري بالكامل. وفي حال امتناع الأم، قد يتحول الضغط النفسي إلى تعدٍ جسدي أو طرد مباشر بهدف الاستيلاء على السكن.
(#)- تفشي المواد المخدرة والإدمان: تشير التقارير الأمنية والاجتماعية إلى أن تعاطي المخدرات، مثل “الشابو” و”الآيس”، يمثل أحد المحركات المباشرة لجرائم العنف البنوي الشديد؛ إذ تؤثر هذه المواد في قدرة المتعاطي على الإدراك والتمييز وضبط السلوك، وقد تدفعه إلى ارتكاب أشكال شديدة من التعدي على الأم للحصول على المال اللازم لشراء المواد المخدرة.
(#)- الجانب الاجتماعي والتفكك الأسري: انهيار التماسك العائلي: يُعد غياب البيئة الأسرية المستقرة وانتشار النزاعات بين الوالدين، أو كثرة حالات الطلاق والانفصال، من العوامل التي قد تؤثر في البناء النفسي للأبناء. فقد ينشأ الابن في بيئة تفتقر إلى الدفء والاستقرار، مما قد يضعف الرابط العاطفي داخل الأسرة ويزيد من احتمالات السلوك العدواني عند الأزمات.
(#)- الجانب التربوي والتعليمي: تراجع دور التنشئة السليمة للمؤسسات؛ حيث يعاني البناء التربوي من غياب التوازن بين تحصيل المعلومات وغرس القيم الأخلاقية والسلوكية. كما ساهم تراجع الدور التوجيهي للمدارس، والتركيز على المنهج الأكاديمي دون العناية الكافية بمهارات الذكاء العاطفي والاحترام الأسري، في إضعاف الوعي الأخلاقي لدى بعض الأجيال التي تجد صعوبة في ضبط انفعالاتها أو تقدير مكانة الوالدين.
(#)- الجانب الديني والأخلاقي والثقافي: سطحية الفهم الديني وتراجع الرادع الأخلاقي: شهدت السنوات الأخيرة تراجعًا في حضور بعض القيم الدينية والأخلاقية لدى فئات من المجتمع، والتنكر للوصايا الصريحة الداعية إلى إكرام الوالدين وحسن معاملتهما، مثل قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾. ويقل التحرج الأخلاقي والتأنيب الضميري لدى المعتدين عندما تتجرد المعاملة الأسرية من البُعد الروحي، ويحل محل احترام الوالدين منطق نفعي مادي وسلوك فردي حاد.

منظومة الدعم وآليات الحماية الرسمية:
لتدارك هذه الأزمات ومواجهتها، تتيح مؤسسات الدولة خطوطًا ومراكز متخصصة للدعم والتوجيه القانوني والنفسي:
١. خط نجدة المرأة (15115): الخط الساخن التابع للمجلس القومي للمرأة لتلقي الشكاوى والبلاغات وتقديم الاستشارات القانونية.
٢. مراكز الاستضافة وتوفير الحماية: تشغيل مراكز حماية تابعة لوزارة التضامن الاجتماعي لاستقبال النساء والأمهات المتضررات، وتوفير الإقامة الآمنة والدعم الاجتماعي والنفسي المتكامل.
في النهاية، يُمكن القول إن الوقائع الميدانية المتداولة تظل ناقوس خطر يستوجب تكاتف المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية لترسيخ الوعي القانوني، وتعزيز الحماية التشريعية للأم وممتلكاتها، وإعادة إحياء الرادع الأخلاقي والتربوي للحد من انتشار هذه الظاهرة.