سوق تحت الرقابة.. هل انتهت تلاعبات شركات الصرافة بسعر الدولار؟

يُعد سوق الدولار أحد الأسواق الرئيسية التي تؤثر بصورة مباشرة في مختلف جوانب الاقتصاد المصري، إذ يمثل سعر الصرف أحد أهم المتغيرات الاقتصادية الحاكمة، لما له من تأثير على معدلات النمو، ومستويات التضخم، وحجم العجز أو الفائض في ميزان المدفوعات، فضلًا عن انعكاساته على حركة الاستثمار والتجارة الخارجية. وفي هذا السياق، تؤدي شركات الصرافة دورًا مكملًا للقطاع المصرفي من خلال تنظيم عمليات تداول النقد الأجنبي وتلبية احتياجات الأفراد والشركات، بما يجعلها أحد المكونات الأساسية في استقرار سوق الصرف ودعم النشاط الاقتصادي.
وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا التحليل إلى استعراض أبرز المتغيرات المرتبطة بعمل شركات الصرافة في مصر، وبيان تأثيرها في سوق الدولار في ظل الأطر التنظيمية والرقابية التي تفرضها الدولة. كما يناقش التحديات التي تواجه هذا القطاع، ويختتم بطرح مجموعة من الآليات التنفيذية التي يمكن أن تسهم في تعزيز كفاءة شركات الصرافة، بما يدعم استقرار سوق النقد الأجنبي ويرفع من فاعلية دورها في خدمة الاقتصاد الوطني.

متغيرات رئيسية:

يُمكن تفكيك ظاهرة شركات الصرافة إلى مجموعة من المتغيرات الرئيسية، هي كالتالي:

الشكل (1): عدد شركات الصرافة في مصر

المصدر: تقرير الاستقرار المالي2025، البنك المركزي المصري

(١) عدد شركات الصرافة: يُشير متغير عدد شركات الصرافة إلى حجم سوق الصرافة في مصر، فكل شركة يُقابلها رأس مال تُساهم به في السوق، ما أن هذا المتغير يوضح حجم التغيير الذي حدث في هذا السوق من خلال تدخلات رقابية وتنظيمية من قبل الدولة، ومن ثم فالشكل (1) يوضح أن شركات الصرافة في مصر انخفضت من 115 شركة في عام 2015 إلى 62 شركة في عام 2016، أي انخفضت بنسبة 40.09%، إذ تم اختيار هذه الفترة لتوضيح شكل التنيظم الذي قامت به الدولة منذ ذلك الوقت.

وقد استمر العدد في الانخفاض إلى نحو 26 في عام 2026، وهو ما يُمكن اعتباره عملية تطهير كبيرة لسوق الصرافة في مصر من قبل البنك المركزي المصري، كمحاولة لتوفيق الأوضاع في هذا السوق الذي يؤثر على مسارات نمو الاقتصاد.

الشكل (2): مؤشرات ربحية شركات الصرافة من 2021 إلى 2024

المصدر: تقرير الاستقرار المالي2025، البنك المركزي المصري

(٢) الأداء المالي للشركات: ارتفعت قيمة الأصول المتداولة- التي تُمثل نسبة 79 % من إجمالي الأصول في نهاية عام 2024 – لتسجل 1.8 مليار جنيه في نهاية عام 2024، بمعدل زيادة 81.7 % مقارنة بالعام السابق، كما ارتفعت قيمة الأصول الثابتة لتسجل 483.2 مليون جنيه في نهاية عام 2024 بمعدل 49.8% مقارنة بالعام السابق، كما حققت الشركات أرباح في عام 2024 بقيمة 280.4 مليون جنيه، مقارنة بصافي خسائر بلغ 199.4 مليون جنيه في عام 2023، مما انعكس على ارتفاع كل من معدل العائد على الأصول ومعدل العائد على حقوق الملكية في عام 2024 كما يوضح الشكل(2) ليسجل كل منهما %12.2و%14.5 على الترتيب.

وبالإضافة إلى ذلك ارتفع معدل الدوران في عام 2024 ليسجل 119 مرة مقارنة بعدد 10مرات في عام 2023، كما ارتفعت قيمة المبيعات لتسجل 212.7 مليار جنيه في عام 2024 مقارنة بقيمة 12.5 مليار جنيه في عام 2023، وهو الأمر الذي يوضح الانتعاش الكبير الذي حدث في سوق هذه الشركات، وبالتالي في مساهمتها في نمو الاقتصاد.

دور الدولة المصرية:

قامت الدولة المصرية بدور كبير في إعادة توجيه دور شركات الصرافة، وهو ما سيتم توضيحه في النقاط التالية: –

(-) إصدار ضوابط جديدة: قام البنك المركزي المصري بإصدار ضوابط رقابية جديدة لشركات الصرافة من حيث قواعد الترخيص والرقابة والإشراف عليها، مما طور أدائها وعزز كفاءتها، وذلك في ضوء متطلبات قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي الصادر رقم 194 لسنة 2020.

ففي هذا الإطار قد تم تحديث قواعد الرقابة والإشراف المُطبقة على شركات الصرافة وإدراج المتطلبات المهمة، والتي تتمثل في أنظمة التشغيل الآلية والحوكمة، والتعهيد، بالإضافة إلى قواعد التملُك في رؤوس أموال تلك الشركات والاندماج، وفي هذا الإطار تم منح هذه الشركات مهلة عام من تاريخ صدور التعليمات؛ لتوفيق أوضاعها.

وبالإضافة إلى ذلك فرضت تعليمات البنك المركزي على شركات الصرافة أن تُطبق نظم حوكمة متكاملة تشمل اعتماد السياسات الخاصة بإدارة المخاطر، وإنشاء لجان مراجعة ومراقبة، كما تتضمن التعديلات أن يوافق البنك المركزي على تعيين مسؤول التزام في كل شركة صرافة، بعد فحص مؤهلاته وخبراته بشكل كامل، ففي السابق كان تعيين المسؤول يتم داخليًا من قبل الشركة، ومن ناحية أخرى أصبحت هذه الشركات مُطالبة بتطبيق أنظمة استرشاديه تُتيح لها التعرف على أي شبهات مرتبطة بالمعاملات، حيث جرى تحديد 22 مؤشر؛ لمساعدة هذه الشركات على الاشتباه بوجود عمليات غسيل أموال أو تمويل إرهاب.

(-) تعديل بوصلة دور الشركات: عمل البنك المركزي المصري على إحداث تعديل كبير في دور شركات الصرافة، ففي عام 2016 بلغ إجمالي عدد الشركات المشطوبة أو المسحوب ترخيصها بشكل نهائي أو مؤقت نحو 47 شركة، تُمثل نحو 40.86% من إجمالي عدد الشركات العاملة في السوق في هذا العام، وقد شمل قرار الإغلاق 3 شركات بقرار من لجنة التحفظ على أموال الإخوان، وفي عام 2014 تم إغلاق نحو 14 شركة منهم 7 شركات مملوكة لجماعة الإخوان الإرهابية.

وفي هذا النطاق يُمكن القول إن شركات الصرافة قبل تنظيمها من قبل الدولة، كان من أهم أدوارها تمويل الجماعات الإرهابية، والقيام بعمليات تلاعب تضر بالاقتصاد المصري، فأزمة الدولار التي ظهرت في مصر خلال الفترة الأخيرة، كانت هذه الشركات تقوم بدور ضليع فيها، ففي أحد التفسيرات لقرارات الإغلاق أوضح البنك المركزي المصري أن السبب هو قيام الشركات بمُضاربات شديدة على سعر الدولار وتحقيق مكاسب وأرباح قياسية، مما خلق سوق سوداء كبيرة، تسببت في ارتفاع كبير في أسعار السلع والخدمات.

ولكن مع رقابة البنك المركزي تم تنقية شركات الصرافة العاملة في السوق المصري بشكل كبير، وأصبح دورها يتمثل في تبديل العملات، وتسهيل تحويلات المصريين بالخارج، بشكل يدعم عمليات التنمية في الاقتصاد المصري.

انعكاسات مؤثرة:

أثر تنظيم شركات الصرافة في تحقيق عدد من العوائد الإيجابية، التي تتمحور في الآتي:

الشكل (3): سعر الدولار في مصر من 2016 إلى يوليو 2026

(*) ضبط سعر الدولار: يؤثر دور شركات الصرافة بشكل رئيسي في سعر الدولار، وظهور سوق موازية نتيجة المُضاربة، ولكن مع اهتمام الدولة بتنظيم سوق شركات الصرافة ووضع القيود التنظيمية به، أصبحت هذه الشركات تُكمل نشاط البنوك في هدف تحقيق استقرار سعر الصرف.

وكما يوضح الشكل (3) فسعر الدولار في مصر كان مستقرًا خلال الفترة من 2016 إلى 2021، إذ انخفض من 18.07 جنيه إلى 15.66 جنيه، ولكن مع تأثيرات أزمة كورونا واستغلال شركات الصرافة لهذا الوضع ارتفع السعر إلى 30.84 جنيه في عام 2023، ومع بداية أحداث غزة في السابع من أكتوبر 2023 ارتفع السعر إلى 50.79 جنيه، ولكن نتيجة لسياسة الدولة في تحرير سعر الصرف وتنظيمها لشركات الصرافة انخفض سعر الدولار إلى 47.63 جنيه في عام 2025، ومع تأثيرات حرب إيران ارتفع السعر ولكن سرعات ما صحح السوق نفسه وانخفض إلى 48.08 جنيه.

وكان من أهم مزايا ذلك هو القضاء على السوق السوداء، فقد وصل سعر الدولار في بعض الأحيان في هذه السوق إلى 65 جنيه، ولكن رقابة البنك المركزي أوقفت هذه المُضاربات وأصبح السعر الرسمي الذي تُعلنه البنوك هو السعر السائد في السوق.

الشكل (4): معدل التضخم في مصر خلال الفترة من ديسمبر 2024 إلى مايو 2026

المصدر: البنك المركزي المصري

(*) انخفاض معدلات التضخم: طبقت الدولة المصرية مجموعة من السياسات؛ لكبح جماح معدلات التضخم المرتفعة، ومنها زيادة المعروض من السلع وضبط دور شركات الصرافة بشكل كفء، وهو الأمر الذي خفض المعدلات من 24.1% في ديسمبر 2024 إلى 12.3% في ديسمبر 2025، واستمر في الانخفاض إلى 11.9% في يناير 2026، ولكنها ارتفعت في الأشهر التالية؛ بسبب تأثيرات حرب إيران على منطقة الشرق الأوسط بوجه عام، والاقتصاد المصري بوجه خاص، وعلى الرغم من ارتفاعها إلا أنها لم تصل إلى المستويات القياسية في عام 2024.

(*) جذب تحويلات المصريين العاملين بالخارج: تتعاون شركات الصرافة بشكل تكاملي مع البنوك في جذب تحويلات المصريين بالخارج من خلال تقديم التسهيلات المتنوعة لها، وبالتالي قفزت تحويلات المصريين بالخارج إلى مستوى قياسي بلغ 39.2مليار دولار خلال العشرة أشهر الأولى من العام المالي 2025/2026، مقابل نحو 29.4 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام المالي السابق، مُسجلة أعلى مستوى شهري تاريخيًا بـ 4.3مليار دولار في أبريل2026، بالمقارنة بنحو 3 مليار دولار في الشهر نفسه من العام السابق.

أليات تطويرية:

يُمكن تطوير دور شركات الصرافة في مصر حتى تُساهم بدور أكبر في عمليات التنمية، وذلك من خلال الطرق التالية:

(١)- التبني الرقمي: تبنَت شركات الصرافة على مستوى العالم التكنولوجيا بشكل كبير؛ للحفاظ على قدرتها التنافسية مع البنوك الكبرى، فهناك المحافظ الرقمية حيث تُقدم العديد من الشركات تطبيقات خاصة بها تتيح للمستخدمين الاحتفاظ بعملات متعددة في وقت واحد، هذا فضلًا عن المدفوعات الإلكترونية، فغالبًا ما يتم دمجها في أنظمة الدفع الإلكترونية الوطنية، مما يُمكّن المستهلكين من دفع فواتير الخدمات العامة والرسوم الحكومية وغيرها من الخدمات بسلاسة.

ففي هذا النطاق قامت بريطانيا بالسماح لشركات الصرافة المرخصة بتقديم خدمات تحويل الأموال الدولية بصورة رقمية، كما ربطت الشركات بأنظمة التحقق الإلكتروني من هوية العملاء(e-KYC)، كما أن سنغافورة عملت على دمج شركات الصرافة مع المحافظ الإلكترونية، فقد وفرت خدمات شراء وبيع العملات وتحويل الأموال من خلال تطبيق واحد.

(٢)- تحفيز الشراكات مع شركات تكنولوجيا المعلومات: قامت اليابان بتشجيع شركات التكنولوجيا المالية للعمل في شركات الصرافة، كما وضعت قانونًا خاصًا يسمح للشركات غير المصرفية بتقديم خدمات تحويل الأموال بعد الحصول على ترخيص ورقابة مالية، وهو ما يُمكن أن تقوم به الشركات في مصر.

(٣)- زيادة جذب تحويلات المصريين بالخارج: إن شركات الصرافة لابد أن تلعب دور محوري في تحفيز المُغترب على تحويل أمواله إليها، وهو ما يُمكن من خلال خفض رسوم التحويل أو إعفاء التحويلات الصغيرة منها، مع تقديم عروض موسمية خلال الأعياد والمناسب التي تشهد ارتفاعًا في حجم التحويلات، مع إمكانية تطوير خدمات رقمية للمصريين العاملين بالخارج تسمح لهم بإجراء التحويلات ومتابعتها على مدار الساعة دون الحاجة إلى زيادة الفروع.

وفي هذا السياق لا ينبغي أن تقتصر الشركات على استقبال أموال المغتربين، بل يُمكن ربطها بمنتجات مثل شهادات الإدخار بالعملة الأجنبية، صناديق الاستثمار، والسندات المُخصصة للمصريين العاملين بالخارج، مما يُحفزهم على تحويل مدخراتهم إلى الاقتصاد المصري. هذا مع ضرورة أن يتم ربط التحويلات المنتظمة بمزايا إضافية مثل الأولوية في الحصول على وحدات سكنية أو أراضٍ، بما يشجع على استمرار تدفق التحويلات عبر القنوات الرسمية.

في النهاية، يُمكن القول إن شركات الصرافة أصبح لها دور حيوي في الاقتصاد المصري بعد تدخل الدولة في تنظيمها والإشراف عليها بشكل دقيق للغاية، فقد تبدلت وظيفتها من الأدوار الضارة لمسارات النمو إلى الدور الفعَال التكميلي مع دور البنوك، وهو الأمر الذي يوضح أن الدولة المصرية تعمل في استراتيجيتها الحالية على ضبط الأدوار لمختلف المؤسسات، خاصة الاقتصادية، حتى تُحقق أهدافها التنموية المستدامة.

رضوى محمد سعيد

رضوى محمد- باحث أول بالمركز، ورئيس وحدة الدراسات المصرية، ومدير برنامج الدراسات المصرفية بالمركز. حاصلة على ماجستير اقتصاد في موضوع قنوات انتقال السياسة النقدية وتأثيرها على الاقتصاد الحقيقي في مصر، كلية اقتصاد وعلوم سياسية جامعة القاهرة، وحاصلة على بكالوريوس اقتصاد من جامعة القاهرة، حاليا في مرحلة تمهيدي دكتوراة في جامعة القاهرة. الباحثة مهتمة بتحليل القضايا الاقتصادية الكلية، عملت كباحثة متخصصة في تحليل السياسات العامة المصرية بالعديد من الشركات المتخصصة ومراكز الفكر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى