صراع الهوية: كيف روّجت المعارضة الإيرانية لقضيتها في منافسات كأس العالم 2026؟

لم يكن الملعب الأخضر يومًا، مجرد مستطيل من العشب وحلبة يتنافس فيها 22 لاعبًا، بعيدًا عن صراعات السياسة والحدود، وإنما تحول إلى مساحة للتعبير عن التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تشهدها الدول المشاركة، حتى أصبحت المدرجات امتدادًا للمجال العام ووسيلة تعكس مواقف الجماهير من القضايا الداخلية والخارجية.

وفي هذا السياق، مثلت مباريات المنتخب الإيراني في كأس العالم 2026 نموذجًا واضحًا لتسييس الفضاء الرياضي، إذ تحولت المدرجات الأمريكية التي ضمت نسبة كبيرة من الجماهير الإيرانية المقيمة في الولايات المتحدة، إلى ساحة للصراع الرمزي بين الجمهورية الإسلامية ومعارضيها في الخارج، بحيث لم تعد المنافسة داخل المستطيل الأخضر هي الحدث الوحيد، وإنما أصبحت الشعارات واللافتات والرموز السياسية جزءًا من المشهد العام للمباريات، بل وفي أحيان كثيرة طغت على الحدث الرياضي نفسه.

ولعبت التحولات التي شهدتها إيران خلال السنوات الأخيرة، بداية من احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” التي اندلعت بعد مقتل الفتاة الكردية مهسا أميني عام 2022، ووصولًا إلى الحرب الإسرائيلية الإيرانية في يونيو 2025 وما تبعها من إعادة تشكيل الخطاب السياسي لدى أطراف المعارضة والنظام في إعادة تعريف المنتخب الوطني الإيراني “تيم ملي”،  باعتباره رمزًا متنازعًا عليه. فبينما سعت الدولة إلى توظيفه بوصفه تجسيدًا للوحدة الوطنية والسيادة الإيرانية، حاولت الجالية الإيرانية في الخارج إعادة توظيفه باعتباره منصة لانتقاد النظام وإبراز مطالب التغيير السياسي، وهو ما انعكس في طبيعة الشعارات والرموز التي ظهرت داخل المدرجات الأمريكية خلال مباريات كأس العالم.

وتتميز الجالية الإيرانية في الولايات المتحدة بخصوصية تختلف عن غيرها من الجاليات الإيرانية بالخارج، حيث تضم أطيافًا سياسية وإثنية متعددة، تشمل معارضين للجمهورية الإسلامية، وأنصارًا للنظام، ومستقلين يفضلون الفصل بين الرياضة والسياسة، فضلًا عن وجود أجيال جديدة وُلدت خارج إيران لكنها ما تزال ترتبط بالهوية الوطنية من خلال الرياضة والثقافة. إلا أن مباريات كأس العالم أظهرت أن هذا التنوع لم يمنع هيمنة الخطاب السياسي داخل المدرجات، حيث ظهرت الملاعب وكأنها انعكاس مصغر للخريطة السياسية الإيرانية، بما تحمله من انقسامات حول الاعتراف بالنظام، ومستقبل الدولة، ورمزية العَلَم، وهوية المنتخب الوطني، الأمر الذي جعل كل مباراة مناسبة لإعادة إنتاج الصراع السياسي أمام جمهور عالمي واسع. وتعكس هذه المشاهد مفهوم “الدبلوماسية الجماهيرية” أو Public Diplomacy from Below، والذي يشير إلى قدرة الفاعلين غير الحكوميين، ومن بينهم الجاليات المهاجرة، على التأثير في الصورة الذهنية للدول خارج حدودها، من خلال استخدام المناسبات الدولية لإيصال رسائل سياسية وإعلامية، فقد امتدت المنافسة من الملعب إلى المدرجات التي أصبحت وسيلة يستغلها كل طرف في تشكيل روايته، وهو ما أدى إلى تداخل غير مسبوق بين الخطابين الرياضي والسياسي.

وتأسيسًا على ذلك، يسعى هذا التحليل إلى تفنيد شعارات ولافتات الجالية الإيرانية في المدرجات خلال كأس العالم 2026 ودلالتها والقضايا التي أشارت إليها، وكيف تحولت مباريات المنتخب الإيراني إلى مساحة للصراع بين الدولة والمعارضة، وكيف حاولت المعارضة الإيرانية استغلال كأس العالم، مقابل محاولات النظام الإيراني المحافظة على احتكاره للرموز الوطنية المرتبطة بالمنتخب.

الجالية الإيرانية والصراع على تمثيل إيران

لم يكن الحضور الكثيف للجالية الإيرانية في المدرجات الأمريكية خلال مباريات المنتخب الإيراني مجرد انعكاس للحجم الديموغرافي لهذه الجالية التي بلغت 518,774 نسمة في عام 2024، وإنما مثل امتدادًا لصراع سياسي منذ سنوات بين الجمهورية الإسلامية ومعارضيها في الخارج. فقد جاءت مباراة إيران ونيوزيلندا في لوس أنجلوس، المدينة التي تضم أكبر تجمع للإيرانيين خارج الوطن عام 2026 وفقًا لواشنطن بوست لتكشف أن الانقسام السياسي لم يعد يقتصر على المنابر الإعلامية أو شبكات التواصل الاجتماعي، بل انتقل بصورة مباشرة إلى الفضاء الرياضي. فقبل انطلاق المباراة، احتشد مئات المتظاهرين خارج ملعب “صوفي” رافعين شعارات تطالب بإسقاط النظام، ولافتات تؤكد أن المنتخب الحالي “لا يمثل الشعب الإيراني بل يمثل النظام”، في محاولة واضحة للفصل بين الدولة والأمة، وهي الفكرة التي شكلت الأساس الفكري لمعظم الشعارات التي رُفعت لاحقًا داخل المدرجات.

وقد نقلت وكالة الأنباء الفرنسية، عن تقرير نشره Al-Monitor، تصريحات لعدد من المتظاهرين اعتبروا أن مشاركتهم لم تكن موجهة ضد اللاعبين بقدر ما كانت رفضًا لاستخدام المنتخب كأداة لإضفاء الاعتراف السياسي بالنظام، ويكشف ذلك أن المعارضة الإيرانية باتت تنظر إلى البطولات الرياضية الكبرى باعتبارها مساحة لتدويل خطابها السياسي أكثر من كونها مجرد مناسبة رياضية.

دلالات رمزية.. أبرز شعارات ولافتات الجالية

كان أكثر الرموز حضورًا في المدرجات هو العلم الإيراني السابق للثورة، المعروف بعلم “الأسد والشمس، وهو العلم الذي استخدمته إيران قبل عام 1979، ولا يزال يمثل بالنسبة لقطاع واسع من المعارضة رمزًا لـ”إيران التاريخية” التي سبقت قيام الجمهورية الإسلامية. وقد أظهرت الصور القادمة من ملعب “صوفي” في لوس أنجلوس عشرات المشجعين وهم يرفعون هذا العلم، رغم القيود التي حاولت بعض الجهات المنظمة فرضها على إدخاله استنادًا إلى لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم المتعلقة بالرموز السياسية.

ومن ناحية أخرى، فإن الحضور المكثف لعلم “الأسد والشمس” يعكس تحول الصراع الإيراني من التنافس على السلطة إلى التنافس على الرموز المؤسسة للدولة، فالدول لا تستمد شرعيتها من المؤسسات وحدها، وإنما أيضًا من قدرتها على احتكار الأعلام، والنشيد الوطني، والمنتخب الرياضي، والذاكرة التاريخية. وعندما ينجح معارضو النظام في رفع علم بديل داخل حدث عالمي يتابعه مئات الملايين، فإنهم يوجهون رسالة مفادها أن الهوية الوطنية الإيرانية أصبحت محل نزاع، وأن الجمهورية الإسلامية لم تعد تحتكر تمثيلها كما كان الحال في العقود السابقة. ولهذا السبب تعاملت السلطات الإيرانية مع هذا العلم باعتباره تحديًا سياسيًا أكثر من كونه مخالفة تنظيمية، بينما رأت المعارضة في انتشاره داخل الملاعب انتصارًا رمزيًا في معركة الشرعية.

إلى جانب الرموز البصرية، برزت لافتات حملت رسائل مباشرة، كان أبرزها عبارة “This is not the people’s team, it’s the regime’s team”، وهي العبارة التي وثقتها وكالة الصحافة الفرنسية في تغطيتها للاحتجاجات خارج ملعب “صوفي”. وتعكس هذه الرسالة تحولًا مهمًا في خطاب المعارضة؛ إذ لم تعد تكتفي بانتقاد سياسات الجمهورية الإسلامية، وإنما باتت تشكك أيضًا في شرعية المؤسسات التي تمثل الدولة في الخارج، بما فيها المنتخب الوطني. ويقوم هذا الخطاب على فكرة أن صمت بعض لاعبي المنتخب تجاه الانتهاكات الداخلية، أو مشاركتهم في فعاليات رسمية داخل إيران، يجعلهم – من وجهة نظر قطاع من المعارضين – جزءًا من أدوات القوة الناعمة للنظام.

ومن الملاحظ أن الشعار لم يحظى بإجماع داخل الجالية الإيرانية نفسها، فبعض المعارضين أكدوا رفضهم للنظام، وفي الوقت ذاته رفضهم اعتبار المنتخب ممثلًا للحكومة. فقد رأى هؤلاء أن اللاعبين أنفسهم يعيشون تحت ضغوط سياسية، وأن تحويلهم إلى طرف في الصراع الداخلي يخدم في النهاية خطاب السلطة التي تسعى إلى تصوير المعارضة باعتبارها معادية للوطن لا النظام فقط. ويكشف هذا الانقسام أن المعارضة الإيرانية ليست كتلة متجانسة، وإنما تضم اتجاهات متعددة تختلف حول كيفية التعامل مع الرموز الوطنية، وهو ما جعل المدرجات تعكس ليس فقط الصراع بين النظام والمعارضة، وإنما أيضًا الجدل الدائر داخل المعارضة نفسها حول حدود تسييس الرياضة.

كما قام بعض المشجعين بإرتداء قمصانًا تحمل صور معتقلين أو محكوم عليهم بالإعدام ولافتات بعنوان “Stop Executions in Iran”، في محاولة لتحويل المدرجات إلى منصة ضغط سياسي موازية للمؤسسات الحقوقية والإعلامية.

وتعكس هذه الظاهرة إدراك المعارضة الإيرانية أن كأس العالم يمثل فرصة يصعب على وسائل الإعلام الدولية تجاهلها، وهو ما يمنح الرسائل السياسية قدرة أكبر على الوصول إلى الرأي العام العالمي مقارنة بالفعاليات التقليدية. وفي الوقت نفسه، حرصت هذه الجماعات على استخدام عبارات ذات طابع حقوقي وإنساني أكثر من استخدامها شعارات حزبية مباشر

الدولة الإيرانية واستعادة رمزية “تيم ملي”

سعت الدولة الإيرانية إلى تبني استراتيجية مضادة للمعارضة تقوم على إعادة تقديم المنتخب الوطني باعتباره رمزًا جامعًا لكل الإيرانيين، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية. وقد بدأت هذه الاستراتيجية قبل انطلاق البطولة، من خلال تنظيم مراسم شعبية لتوديع المنتخب في ساحة “انقلاب” بطهران، بحضور آلاف المواطنين، مع التركيز في الخطاب الرسمي على أن اللاعبين يمثلون “الأمة الإيرانية” وليس الحكومة. كما حرص الإعلام الرسمي على إبراز صور الجماهير المحتشدة لدعم “تيم ملي”، في محاولة لترسيخ فكرة أن المنتخب يجسد وحدة المجتمع في مواجهة الضغوط الخارجية، خاصةً في ظل التوترات بين إيران والولايات المتحدة خلال فترة البطولة.

وواجهت هذه المحاولة تحديات عملية بمجرد وصول المنتخب إلى أمريكا الشمالية، حيث أثرت القيود اللوجستية، وإقامة الفريق في مدينة تيخوانا المكسيكية بدلًا من الولايات المتحدة، على الخطاب الرسمي الذي حاول تقديم المشاركة باعتبارها انتصارًا للدبلوماسية الرياضية. كما استغل الإعلام المعارض هذه الظروف ليؤكد أن المنتخب نفسه أصبح ضحية للتوترات السياسية بين طهران وواشنطن، الأمر الذي جعل كل أزمة تنظيمية أو تصريح صادر عن اللاعبين مادة جديدة في الصراع الإعلامي بين الطرفين. وقد عبر قائد المنتخب مهدي طارمي لاحقًا عن استيائه من الظروف اللوجستية، معتبرًا أن الفريق لم يحظ بالمعاملة التي تستحقها المنتخبات المشاركة، وهو تصريح استثمرته وسائل الإعلام الإيرانية بوصفه دليلًا على أن الرياضة لم تنفصل عن الاعتبارات السياسية حتى داخل البطولة.

حدود التأثير

لم يكن السؤال الرئيسي خلال مشاركة المنتخب الإيراني في كأس العالم 2026 هو ما إذا كانت المعارضة الإيرانية ستتمكن من تنظيم احتجاجات داخل أو خارج الملاعب، وإنما ما إذا كانت هذه الاحتجاجات ستنجح في تحويل البطولة إلى منصة ضغط سياسي تتجاوز حدود الحدث الرياضي. فالمعارضة كانت تدرك منذ البداية أن كأس العالم يمثل فرصة استثنائية يصعب تعويضها، نظرًا لما يحظى به من متابعة إعلامية وجماهيرية عالمية، وهو ما يسمح بإعادة تدويل القضايا الإيرانية، خاصة في ظل تراجع الاهتمام الدولي النسبي بالملف الإيراني مقارنة بذروة احتجاجات عام 2022. ومن هذا المنطلق، لم يكن الهدف الأساسي هو التأثير في نتائج المباريات أو مقاطعة المنتخب، بقدر ما كان يتمثل في استثمار كل مباراة باعتبارها حدثًا إعلاميًا عالميًا يمكن من خلاله إعادة توجيه الأنظار إلى ملفات حقوق الإنسان، والحريات السياسية، ومستقبل النظام الإيراني. وقد ساعدت استضافة الولايات المتحدة جانبًا كبيرًا من البطولة، ووجود واحدة من أكبر الجاليات الإيرانية في العالم على أراضيها، في توفير بيئة مناسبة لتحقيق هذا الهدف، حيث تحولت محيطات الملاعب إلى مساحات للتظاهر، بينما أصبحت المدرجات نفسها امتدادًا لساحات الاحتجاج السياسي.

وإذا كان معيار النجاح يتمثل في فرض القضية الإيرانية على أجندة التغطية الإعلامية الدولية، فإن المعارضة حققت قدرًا من هذا الهدف. فقد أظهرت تغطيات وسائل إعلام دولية مثل Reuters  وAssociated Press  وLos Angeles Times  أن الحديث عن المنتخب الإيراني لم يقتصر على الجوانب الفنية أو نتائج المباريات، بل اقترن بصورة شبه دائمة بتحليل الانقسام داخل الجالية الإيرانية، والاحتجاجات خارج الملاعب، واللافتات السياسية داخل المدرجات، والخلاف حول رمزية علم “الأسد والشمس”. وبذلك، نجحت المعارضة في جعل الملف السياسي حاضرًا إلى جانب الملف الرياضي، وهو ما منحها فرصة لإعادة إنتاج خطابها أمام جمهور عالمي ربما لم يكن ليتابع الشأن الإيراني لولا انعقاد البطولة. كما ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في تضخيم هذا الحضور، إذ انتشرت صور اللافتات والمظاهرات ومقاطع الفيديو الخاصة بالجماهير الإيرانية على نطاق واسع، بما منح الاحتجاجات تأثيرًا تجاوز عدد المشاركين فيها فعليًا.

وفي المقابل، لم يكن النظام الإيراني هو الطرف الخاسر بالكامل في هذه المواجهة ، إذ نجح بدوره في الحفاظ على أحد أهم عناصر قوته، وهو استمرار المنتخب الوطني بوصفه رمزًا يجذب قطاعات واسعة من الإيرانيين، بمن فيهم معارضوا للنظام. فقد أظهرت تقاريرLos Angeles Times  أن عددًا كبيرًا من الإيرانيين الذين شاركوا في الاحتجاجات خارج الملاعب عادوا إلى داخل المدرجات لتشجيع المنتخب، مؤكدين أن دعم اللاعبين لا يعني دعم السلطة السياسية. ويعكس هذا المشهد أن المعارضة لم تستطع بناء إجماع داخل الجالية الإيرانية حول مقاطعة المنتخب أو اعتباره ممثلًا حصريًا للنظام، بل ظل “تيم ملي” بالنسبة لكثيرين أحد آخر الرموز الوطنية التي يمكن الفصل بينها وبين السلطة الحاكمة. وقد حدّ هذا الانقسام من قدرة المعارضة على احتكار الخطاب الوطني، وأظهر أن الصراع الحقيقي لا يدور حول المنتخب نفسه، بل حول تفسير رمزيته السياسية.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن ما جرى في مدرجات كأس العالم 2026 يعكس تحولًا أوسع في طبيعة المعارضة الإيرانية في الخارج. فبدلًا من الاعتماد فقط على المؤتمرات السياسية أو النشاط الحقوقي التقليدي، أصبحت الجاليات الإيرانية تستغل الأحداث الثقافية والرياضية الكبرى بوصفها أدوات للدبلوماسية الشعبية والضغط غير الرسمي. ويعني ذلك أن الملاعب لم تعد مجرد أماكن للمنافسة الرياضية، وإنما أصبحت ساحات لإعادة إنتاج السرديات السياسية، والتنافس على تمثيل الهوية الوطنية، وكسب التعاطف الدولي. ومن المرجح أن يستمر هذا النمط في البطولات الدولية المقبلة، خاصة في ظل اتساع دور وسائل التواصل الاجتماعي، التي تجعل من أي لافتة أو هتاف داخل المدرجات مادة إعلامية قادرة على الوصول إلى ملايين المتابعين خلال ساعات قليلة، وهو ما يمنح الفاعلين غير الحكوميين قدرة على التأثير في الصورة الخارجية للدول، حتى وإن لم يمتلكوا أدوات الدولة التقليدية.

وبناءًا على ذلك، فإن المعارضة الإيرانية نجحت في تحويل كأس العالم إلى منصة للتعبير السياسي، لكنها لم تنجح في تحويلها إلى منصة لإحداث تغيير سياسي مباشر. فقد تمكنت من كسر احتكار النظام للمشهد الإعلامي، وأعادت طرح قضايا الحريات والحقوق والتمثيل السياسي أمام الرأي العام العالمي، إلا أنها لم تستطع انتزاع رمزية المنتخب الوطني من الدولة بصورة كاملة، كما لم تتمكن من تجاوز الانقسامات الداخلية التي لا تزال تميز قوى المعارضة في الداخل والخارج. ومن ثم، فإن نتيجة هذه المواجهة لم تكن انتصار طرف على آخر، ولكن  تكريسًا لحقيقة أن المنتخب الإيراني أصبح ساحة للصراع على الشرعية والهوية الوطنية، وأن كل بطولة دولية مقبلة مرشحة لأن تشهد إعادة إنتاج هذا الصراع بأشكال جديدة، طالما بقيت الأزمة السياسية داخل إيران دون تسوية، وطالما استمرت الجاليات الإيرانية في الخارج في اعتبار الرياضة إحدى أكثر المنصات فاعلية لإيصال رسائلها إلى العالم.

ختامًا، يمكننا القول إن تجربة إيران في كأس العالم 2026 تؤكد أن البطولات الرياضية الكبرى باتت تشكل أحد ميادين القوة الناعمة والصراع على السرديات السياسية، حيث تتنافس الحكومات والمعارضات والجاليات في الخارج على التأثير في الصورة الذهنية للدولة أمام المجتمع الدولي. كما تكشف أن الجاليات المهاجرة أصبحت فاعلًا مؤثرًا في تشكيل الخطاب السياسي العابر للحدود، مستفيدة من الفضاءات الرياضية والإعلامية العالمية لإعادة طرح قضاياها خارج الأطر الدبلوماسية التقليدية. ومن ثم، فإن ما شهدته المدرجات الأمريكية لا يمكن اعتباره استثناءً مرتبطًا ببطولة بعينها، بل يمثل مؤشرًا على اتجاه متصاعد يتمثل في تزايد تسييس الأحداث الرياضية، وتحولها إلى منصات للتنافس على الشرعية والهوية الوطنية.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن المعركة الحقيقية في كأس العالم 2026 لم تكن بين المنتخبات داخل الملعب بقدر ما كانت بين روايتين متنافستين حول إيران خارج الملعب؛ رواية رسمية سعت إلى توظيف المنتخب باعتباره رمزًا لوحدة الدولة واستمرار مؤسساتها، ورواية معارضة حاولت إعادة تعريف هذا الرمز باعتباره ملكًا للشعب وليس للنظام. وبين هاتين الروايتين، برزت الجالية الإيرانية في الولايات المتحدة باعتبارها أحد أهم الفاعلين السياسيين غير الرسميين، القادرين على توظيف المناسبات الرياضية العالمية لإعادة تشكيل صورة إيران في الخارج. ومن المرجح أن يستمر هذا النمط في البطولات الدولية المقبلة، ما دام الانقسام قائمًا، وما دامت الرياضة توفر فضاءًا عالميًا يصعب على أي طرف احتكار رسائله أو السيطرة عليه.

سناء عوض الله

سناء عوض الله- باحثة ببرنامج دراسات السياسات العامة بالمركز. الباحثة حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية، وتعد رسالة الماجستير في دراسات الأمن الإقليمي. مهتمة بدراسة التحولات الاجتماعية والديمغرافية في منطقة الشرق الأوسط، كما أنها متابعة للشئون المصرية، خاصة التحولات الاقتصادية في السوق المصري (دراسات السوق).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى