من المأساة إلى المحتوى.. أزمة إدراك الواقع لدى الأجيال الرقمية

نورچيهان عبدالرحمن- باحثة مساعدة في وحدة دراسات الإعلام
في كل مرة تشهد فيها الساحة المصرية حادثة تهز الرأي العام، وكان آخرها المشهد المؤلم والمفجع لوفاة الفتاة “هدير” بائعة الشاي قبل يومين، يعود السؤال ذاته ليفرض نفسه بقوة على الواجهة: أين تبدأ مسؤولية الأسرة وأين تنتهي؟
سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في طياته أبعادًا اجتماعية وتربوية وإنسانية شديدة التعقيد.
كما نعلم، فإن الأسرة هي المؤسسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الالتزام، واحترام القانون، وتحمل المسؤولية. ومن داخل جدران المنزل تتشكل القيم الأخلاقية التي ترافق الأبناء طوال حياتهم. لذلك لا يمكن اختزال دور الأسرة اليوم في مجرد تلبية الاحتياجات المادية أو متابعة المسار الدراسي بصورة روتينية، بل يمتد دورها إلى ما هو أعمق من ذلك؛ وهو بناء شخصية سوية قادرة على اتخاذ القرار الصحيح، والتمييز الحاسم بين ما يجوز إنسانيًا وما لا يجوز.
وتزداد أهمية هذا الدور في زمننا الحالي مع ظهور “جيل زد” (Gen Z) والجيل الذي يليه “جيل ألفا” (Gen Alpha). فالتحدي التربوي لم يعد يقتصر على مراقبة سلوك الأبناء في الشارع أو البيئة المحيطة بهم، بل أصبح مرتبطًا بفهم الكيفية التي تدرك بها هذه الأجيال الرقمية مفهوم “الواقع” نفسه. فقد تلاشت الحدود الفاصلة بين العالم الحقيقي والعالم الافتراضي، ولم يعد الواقع بالنسبة لكثيرين ذلك المحيط الملموس الذي يعيشون فيه، بل بات يُرى من خلال عدسة الهاتف المحمول وخوارزميات الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر خطورة؛ فعندما تتحول المأساة الإنسانية أو آلام الآخرين في الشارع إلى مجرد “محتوى” (Content) قابل للتصوير والمشاركة من أجل حصد المشاهدات وصناعة “التريند”، تفقد المشاعر الإنسانية كثيرًا من دفئها خلف برود الشاشات. ويصبح الواقع الافتراضي هو الحقيقة الوحيدة لدى البعض، حتى لو كان ذلك على حساب انتهاك خصوصية المتألمين أو غياب التعاطف الإنساني الأساسي في لحظات الموت أو الحوادث المفجعة، كما حدث في واقعة بائعة الشاي.
ومن هنا يصبح تحقيق التوازن بين منح الثقة للأبناء وممارسة الرقابة الرشيدة تحديًا مصيريًا أمام الآباء والأمهات. فالحرية حق طبيعي للأبناء ووسيلة مهمة لإثبات الذات، لكنها لا تعني أبدًا غياب الحدود أو تجاهل المبادئ الإنسانية والقانونية. وقد كشفت العديد من الوقائع التي شغلت الرأي العام خلال السنوات الأخيرة أن بعض الأخطاء الفردية لم تكن مجرد لحظات تهور عابرة، بل جاءت نتيجة غياب التوجيه أو التساهل في أمور تمس سلامة الأبناء وسلامة المجتمع.
فحين يُسمح لمراهق بقيادة سيارة قبل بلوغه السن القانونية، أو يتم التغاضي عن سلوك يحمل مخاطر واضحة، أو تذهب فتاة لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها مع شاب في مرحلة المراهقة داخل سيارته تحت مسمى الصداقة في مجتمع شرقي مسلم، فإن الأمر يتجاوز حدود حرية الاختيار ليصبح قضية مسؤولية تتعلق بالأسرة قبل غيرها.
ولعل موقفًا شخصيًا مررت به جعلني أكثر اقتناعًا بهذه الفكرة. فعندما بلغت الثلاثين من عمري طلبت من والدي أن يعلمني قيادة السيارة. كنت أرى أن الأمر طبيعي، خاصة أنه كان يعلم قدرتي على التعلم السريع وفهم قواعد الطريق. لكنني فوجئت برفضه الشديد. لم يكن رفضه نابعًا من عدم ثقته بي، بل من شعوره العميق بالمسؤولية. فقد طلب مني أن أمتلك سيارة أولًا، وأن يكون التعلم في مكان مخصص لتعليم القيادة، ثم الحصول على رخصة قيادة بصورة قانونية. وحين حاولت إقناعه، أجابني بكلمة واحدة ما زالت عالقة في ذهني حتى اليوم: “دي مسؤولية”.
حينها أدركت أن المسؤولية الأسرية لا تعني فقط منح الأبناء الثقة، بل تعني أيضًا وضع الحدود التي تحميهم وتحمي الآخرين. فالحب الحقيقي لا يظهر دائمًا في الموافقة، بل قد يتجلى أحيانًا في الرفض، عندما يكون الهدف هو الحفاظ على الأرواح واحترام القانون.
وبالطبع، لا ينبغي تحميل الأسرة وحدها كامل المسؤولية، فالأبناء يتأثرون كذلك بالمدرسة والأصدقاء ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، كما أن المجتمع بمؤسساته المختلفة يشارك في تشكيل الوعي العام. ومع ذلك، فإن ما نحتاج إليه اليوم هو مراجعة بعض أنماط التربية الحديثة التي بالغت أحيانًا في توسيع هامش الحرية على حساب الضبط والتوجيه، والعودة إلى القيم والعادات السليمة التي أثبتت قدرتها على بناء أجيال أكثر اتزانًا. فالأسرة تظل الحلقة الأولى والأكثر تأثيرًا في حياة الإنسان، وهي القادرة على ترسيخ المبادئ التي تحكم سلوكه وتشكّل إدراكه للواقع حتى في غياب الرقابة المباشرة.
لذلك أرى أن مسؤولية الأسرة تبدأ منذ اللحظة الأولى للتربية، ولا تنتهي عند مرحلة عمرية معينة، بل تستمر في صورة قيم ومبادئ راسخة تبقى داخل الأبناء طوال حياتهم. فالأبناء قد يكبرون، لكن أثر التربية الصالحة يظل حاضرًا في كل قرار يتخذونه، وفي كل مسؤولية يتحملونها تجاه أنفسهم وتجاه المجتمع.