وساطة على حافة التصعيد: حسابات باكستان بين واشنطن وطهران

يشهد النظام الإقليمي في الشرق الأوسط خلال عام 2026 تصاعدًا ملحوظًا في التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، بعد أن انتقلت خلافاتهما إلى مستويات من المواجهة المباشرة انعكست بوضوح على أمن المنطقة واستقرار أسواق الطاقة العالمية، ولا سيما في الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز. وفي ظل هذا التصعيد، برزت باكستان كفاعل إقليمي يسعى إلى أداء دور الوسيط بين الطرفين، في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع انزلاقها نحو مواجهة إقليمية أوسع.
وتُعد الوساطة في العلاقات الدولية إحدى الأدوات السلمية الأساسية لإدارة النزاعات، حيث يتدخل طرف ثالث يتسم بالحياد لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، من دون امتلاك سلطة إلزام قانونية، وإنما عبر تهيئة بيئة تفاوضية تساعد على الوصول إلى تسويات توافقية. وقد رسّخ القانون الدولي هذا المفهوم منذ اتفاقيات لاهاي وميثاق الأمم المتحدة باعتباره آلية رئيسية لحفظ السلم والأمن الدوليين.
ومع تطور النظام الدولي، تعاظم دور القوى المتوسطة في هذا المجال، نظرًا لقدرتها على التحرك بين القوى الكبرى دون الاندماج الكامل في محاورها، واعتمادها على سياسات تقوم على التوازن الاستراتيجي وإدارة العلاقات المتعددة الاتجاهات.
في ضوء ذلك، يناقش هذا المقال قدرة باكستان على توظيف دورها الوسيط في الصراع الأمريكي–الإيراني بما يعزز مكانتها السياسية والاقتصادية والدولية، مقابل ما تواجهه من قيود داخلية وتعقيدات قد تحد من فاعلية هذا الدور.
دوافع باكستان للوساطة:
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، يزداد انخراط باكستان في مسار الوساطة بوصفه انعكاسًا لمجموعة من الدوافع المتداخلة ذات أبعاد سياسية واستراتيجية واقتصادية، في إطار سعيها إلى تعزيز موقعها إقليميًا ودوليًا، والانتقال من موقع المتأثر بالأزمات إلى موقع الفاعل المشارك في إدارتها.
(*) الدوافع السياسية: تتمثل في محورين رئيسيين؛ أولهما تحسين الصورة الدولية لباكستان عبر تقديم نفسها كفاعل مسؤول يسهم في احتواء التوترات بدلًا من الانخراط فيها، بما يعكس تحولًا تدريجيًا من المقاربة الأمنية التقليدية إلى مقاربة دبلوماسية أكثر توازنًا. أما الثاني فيرتبط بتعزيز مكانتها الإقليمية من خلال المشاركة في إدارة الأزمات الكبرى، بما يمنحها وزنًا تفاوضيًا أعلى ويعيد إدماجها في معادلات النفوذ في جنوب وغرب آسيا وسط بيئة إقليمية تتسم بتصاعد التنافس.
(*) الدوافع الاستراتيجية: ترتكز على توظيف الموقع الجغرافي الذي يربط جنوب آسيا بالشرق الأوسط وآسيا الوسطى، بما يمنحها قدرة نسبية على التأثير في شبكات الاتصال والتوازنات الأمنية. ولا يقتصر الأمر على البعد الجغرافي، بل يتحول إلى أداة استراتيجية لتعزيز النفوذ السياسي، عبر انتهاج سياسة تقوم على إدارة علاقات متوازنة مع أطراف متباينة، بما يتيح لها الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة دون التحيز إلى أي طرف، وهو ما يعزز مرونتها الدبلوماسية في بيئة إقليمية شديدة التقلب.
(*) الدوافع الاقتصادية: ترتبط بواقع اقتصادي ضاغط يتمثل في الأزمات المالية المتكررة، من عجز الموازنة وتراجع الاحتياطيات الأجنبية إلى الاعتماد المتزايد على التمويل الخارجي. وفي هذا السياق، يُنظر إلى الوساطة كأداة قد تفتح قنوات دعم مالي أو تسهيلات اقتصادية من القوى الكبرى والمؤسسات الدولية، فضلًا عن كونها محاولة غير مباشرة لتهيئة بيئة إقليمية أكثر استقرارًا بما يعزز فرص جذب الاستثمارات ويخفف الضغوط الاقتصادية، خاصة في ملفات الطاقة والأمن.
ويمكن القول إن تداخل هذه الدوافع لا يعكس مجرد استجابة ظرفية لأزمة راهنة، بل يشير إلى نمط من التفكير الاستراتيجي يسعى إلى تحويل القيود إلى فرص.
أدوات باكستان في ممارسة الوساطة:
في سعيها للاضطلاع بدور الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران، لا تعتمد باكستان على أداة منفردة، بل توظف مجموعة متكاملة من الأدوات، بما يتيح لها التحرك بمرونة داخل بيئة تفاوضية معقدة.
أولًا، تستند الوساطة إلى شبكة العلاقات الدولية التي تتيح لإسلام آباد التواصل مع أطراف متباينة في آن واحد؛ فهي تحتفظ بعلاقات ممتدة مع الولايات المتحدة، وتبقي على قنوات مفتوحة مع إيران، فضلًا عن عمقها الخليجي وشراكتها الاستراتيجية مع الصين. هذه الشبكة تمنحها دور قناة اتصال غير مباشرة، تسمح بتبادل الرسائل وطرح المبادرات في بيئة أقل توترًا، مع إمكانية توفير منصة للحوار عند توافر الظروف الملائمة.
ثانيًا، يشكل الجيش الباكستاني ركيزة أساسية في دعم هذا الدور، نظرًا لموقعه المؤثر في صنع القرار وعلاقاته الأمنية الدولية. ويسهم انخراط القيادة العسكرية في الاتصالات ذات الطابع الأمني في تعزيز مصداقية الوساطة، من خلال الربط بين الطرح الدبلوماسي وإمكانية ترجمته إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، خاصة في الملفات الحساسة.
ثالثًا، تستفيد باكستان من خبرتها التراكمية في إدارة قنوات الاتصال غير المباشر بين قوى متنافسة، وهو ما أكسبها دراية بآليات التفاوض التدريجي وإدارة التوازنات الدقيقة. هذه الخبرة تمنحها قدرة إضافية على التعامل مع تعقيدات الأزمة الراهنة، وإن كانت لا تضمن بالضرورة تحقيق اختراق حاسم.
رابعًا، يضيف الموقع الجغرافي القريب من إيران بعدًا آخر، إذ يجعل باكستان طرفًا متأثرًا مباشرة بتداعيات أي تصعيد، ويمنحها في الوقت ذاته شرعية أكبر في طرح نفسها كفاعل معني بالاستقرار. كما يوفر هذا الموقع إمكانية استضافة محادثات محتملة، ويشكل عنصر ضغط غير مباشر في حسابات الأطراف الأخرى.
وبذلك، يتضح أن باكستان توظف أدواتها وفق نسق تكاملي يبدأ من شبكة العلاقات، ويتعزز بالثقل المؤسسي، ويستند إلى الخبرة التاريخية، قبل أن يوظف الموقع الجغرافي كعامل دعم وضغط في آن واحد، بما يتيح لها أداء دور الوسيط ضمن حدود التوازنات المعقدة التي تفرضها طبيعة الأزمة.
القيود التي تحد من فاعلية الوساطة:
على الرغم من الانخراط النشط لباكستان في مسار الوساطة، فإن قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة تظل محكومة بجملة من القيود المرتبطة بوضعها الداخلي وتعقيدات البيئة الخارجية.
فعلى المستوى الداخلي، يشكل الوضع الاقتصادي أبرز القيود، حيث تعاني البلاد من اختلالات هيكلية تتمثل في عجز ميزان المدفوعات، وتراجع الاحتياطيات الأجنبية، والاعتماد المتزايد على التمويل الخارجي. كما أن حساسية الاقتصاد تجاه تقلبات الإقليم، خاصة في أسواق الطاقة، تجعل أي تصعيد عامل ضغط مباشر، وهو ما يفرض على باكستان السعي لتحقيق نتائج سريعة في بيئة تفاوضية لا تستجيب بالضرورة لهذا الإيقاع.
ويتقاطع ذلك مع طبيعة التوازنات السياسية الداخلية، حيث يظل صنع القرار محكومًا بعلاقة معقدة بين الحكومة المدنية والمؤسسة العسكرية. ورغم أن هذا التداخل قد يعزز من فاعلية التحرك الخارجي، فإنه يزيد من حساسية النتائج، إذ قد تتحول أي مخرجات غير مواتية إلى مصدر توتر داخلي إذا فُسرت الوساطة باعتبارها انخراطًا في صراع يتجاوز القدرات الوطنية.
أما خارجيًا، فتنبع القيود من طبيعة الصراع ذاته، الذي يتسم بتعدد مستوياته وتباين أولويات أطرافه. فالتوتر بين الولايات المتحدة وإيران يشمل ملفات نووية وأمنية وإقليمية واقتصادية متشابكة، ما يجعل من الصعب تحقيق تسوية شاملة أو مستقرة. وفي ظل هذا التعقيد، يجد الوسيط نفسه أمام معادلة تفاوضية غير متكافئة، حيث تختلف مقاربات الأطراف بصورة جوهرية، الأمر الذي يجعل أي تقدم جزئي عرضة للتراجع عند أول نقطة خلاف.
في إطار تقييم دور باكستان، تبرز الحاجة إلى اختبار طبيعة هذا الدور وحدوده وإمكاناته المستقبلية.
أولًا، تعكس التحركات الأخيرة نمطًا متكررًا في السياسة الخارجية الباكستانية يقوم على لعب أدوار الوساطة في لحظات التوتر، وهو ما يمنحها قدرًا من الاستمرارية. غير أن هذا النمط لم يتطور إلى استراتيجية مؤسسية مستقرة ذات أهداف اقتصادية وتنموية واضحة، وظل رهينًا للفرص والأزمات.
ثانيًا، يظل التحدي الأبرز أمام باكستان هو قدرتها على تحويل مكاسبها الدبلوماسية إلى عوائد اقتصادية ملموسة، في ظل هشاشة بنيتها الاقتصادية واعتمادها على القروض والمساعدات. ومن ثم، فإن نجاح الوساطة يبقى رهينًا بإصلاحات داخلية عميقة تتيح استثمار الحضور الدبلوماسي في بناء قاعدة اقتصادية أكثر استدامة.
ثالثًا، تكشف المقارنة مع تجارب دول أخرى أن نجاح الوساطة لا يرتبط بالقدرة على التوسط فحسب، بل بمأسسة هذا الدور وربطه برؤية تنموية شاملة. وهو ما يظل محدودًا في الحالة الباكستانية، حيث يغلب الطابع الأمني والسياسي على حساب البعد الاقتصادي المؤسسي.
رابعًا، تظل حدود القوة الباكستانية عاملًا حاسمًا في تقييم دورها الوسيط؛ فرغم امتلاكها عناصر قوة مهمة كالموقع الجغرافي والقدرة العسكرية وشبكة العلاقات، إلا أنها مقيدة بهشاشة اقتصادية وتقلبات سياسية داخلية واعتماد نسبي على القوى الكبرى.
وبناء على ما سبق، إن الوساطة الباكستانية تمثل فرصة استراتيجية كامنة أكثر من كونها إنجازًا مكتملًا؛ إذ إن قيمتها الحقيقية لا تُقاس فقط بقدرتها على تهدئة صراع مؤقت، بل بمدى نجاح باكستان في استثمار هذا الدور لبناء نفوذ مستدام، وتحويل الحضور الدبلوماسي إلى قوة اقتصادية قادرة على إعادة تشكيل موقعها في النظام الدولي.
من مجمل ما سبق، يمكن القول إن الوساطة الباكستانية نتاج تفاعل بين دوافع داخلية ضاغطة وطموح لإعادة التموضع الدولي، لكنها في الوقت ذاته مقيدة بحدود اقتصادية وسياسية واضحة. ومن ثم، تبقى فرص نجاح باكستان مرهونة بقدرتها على ترجمة الحضور الدبلوماسي إلى مكاسب اقتصادية حقيقية عبر إصلاحات داخلية واستثمار الزخم الدولي، وإلا ستظل الوساطة ذات أثر محدود لا يتجاوز حدود التهدئة المؤقتة. وفي هذا السياق، يمكن تصور مآلين رئيسيين:
(-) المآل الأول، يتمثل في نجاح باكستان في تحويل دورها الوسيط إلى رافعة تنموية، من خلال ربط هذا الدور باستراتيجية اقتصادية واضحة، بما يسمح بجذب الاستثمارات، وتعزيز موقعها في سلاسل التجارة الدولية، وتقليل الاعتماد على القروض الخارجية. في هذه الحالة، تتحول الوساطة من أداة لإدارة الأزمات إلى مدخل لإعادة بناء الدولة اقتصاديًا وتعزيز استقلالية قرارها السياسي.
(-) أما المآل الثاني، فيتمثل في تعثر الوساطة وبقاء الدور الباكستاني أسير النمط التقليدي دون تحقيق مكاسب مستدامة. وفي هذه الحالة، قد تواجه باكستان تراجعًا في مصداقيتها الدولية، وضغوطًا اقتصادية متزايدة، إلى جانب تقلص هامش حركتها بين القوى الكبرى، فضلًا عن انعكاسات داخلية قد تزيد من حدة التوترات السياسية، بما يحول الوساطة من فرصة لتعزيز موقعها إلى عبء إضافي عليها.
وبين هذين المآلين، يتحدد مستقبل الدور الباكستاني؛ فإما أن تنجح في تحويل اللحظة الراهنة إلى نقطة انطلاق نحو إعادة بناء موقعها الاقتصادي، أو تبقى الوساطة مجرد فصل جديد في سجل طويل من الأدوار الظرفية التي لم تُستثمر على نحو كافٍ.