مجدي طنطاوي يكتب.. حين نحاكم الفكرة ونقدّس الخاتم

تعودنا في مجتمعاتنا أن لا نقبل قولًا، ولا نطمئن إلى فكرة، إلا إذا جاءت ممهورة بخاتم الخواجة. فإذا قالها أجنبي صفقنا لها، وإذا نطق بها ابن البلد حاصرناه بالشكوك والاتهامات. هذه العقدة المزمنة تطل برأسها اليوم في معركة فكرية، طرفها أستاذ دكتور بكلية الطب، طرح رؤية واضحة تقول إن المعدة بيت الداء، وإن إصلاح الطعام هو بداية إصلاح الجسد، وإن الدقيق الأبيض في صورته المنتشرة اليوم خطر داهم يجب الإقلاع عنه، وإن كثيرًا من الأمراض المزمنة ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة أسلوب حياة وغذاء مختل.
فماذا حدث؟ قامت الدنيا ولم تقعد، وانطلقت الاتهامات يمينًا ويسارًا، وكأن الرجل ارتكب جريمة لا تُغتفر. لم يناقشوه بالحجة، لم يردوا عليه بدراسة مضادة، لم يفتحوا حوارًا علميًا رصينًا، بل سارع البعض إلى التشكيك في نواياه، وفي علمه، وفي أهدافه.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل أزعجتنا الفكرة لضعفها، أم لقوتها؟ إن الحقيقة التي لا يحب كثيرون الاعتراف بها أن صناعة المرض أصبحت اقتصادًا ضخمًا، وأن شركات الأدوية ليست جمعيات خيرية، بل كيانات اقتصادية عابرة للقارات، تبني ميزانياتها على استمرار المرض لا على اختفائه. فإذا خرج من يقول إن بإمكانك أن تقلل اعتمادك على الدواء، وإن بإمكانك أن تراجع ما يدخل جوفك قبل أن تبتلع قرصًا كيميائيًا، فمن الطبيعي أن يثير ذلك قلق من ترتبط مصالحهم باستمرار نمط غذائي معين، ونمط علاجي معين.
لسنا هنا لنؤله شخصًا، ولا لنحوله إلى معصوم، لكننا نطالب بشيء واحد: أن تُناقش الفكرة بعلم لا بانفعال، وببيانات لا بشائعات. الدقيق الأبيض الذي جُرّد من أليافه وعناصره الطبيعية، وحُوّل إلى منتج سريع الامتصاص، عالي الأثر على سكر الدم،
هل هو فعلًا غذاء مثالي؟ أم إن مراجعة حضوره الطاغي في موائدنا ضرورة صحية؟ الأمر لا يحتاج إلى معركة شخصية، بل إلى بحث موضوعي، وتجارب موثقة، ونقاش مفتوح.
أما أن نرفض الفكرة فقط لأن قائلها ليس أجنبيًا، أو لأنها تهدد مصالح اقتصادية، فهنا تكمن المأساة. كم من أفكار حوربت في بدايتها ثم ثبتت صحتها لاحقًا، وكم من أطروحات سخر منها الناس ثم صارت من بديهيات العلم. إن أخطر ما يصيب العقول هو تقديس المصدر لا تمحيص المضمون، فالعلم لا وطن له، والحقيقة لا جنسية لها، والبرهان هو الحكم.
إننا بحاجة إلى شجاعة فكرية، شجاعة تسمح لنا بأن نعيد النظر في نمط غذائنا، وفي علاقتنا بالدواء، وفي مفهومنا للمرض المزمن. هل كل مرض مزمن قدر لا يُرد؟ أم إن جزءًا كبيرًا منه صناعة سلوك يومي خاطئ؟
بدلًا من أن نهاجم الرجل، فلنطرح السؤال الأهم: ماذا لو كان على حق؟ وماذا لو كان إصلاح ما يدخل أفواهنا هو الخطوة الأولى لإصلاح ما يرهق أجسادنا؟
إن المجتمع الذي يخاف من الفكرة لن يتقدم، والمجتمع الذي يربط القبول بخاتم أجنبي سيظل تابعًا لا صانعًا. فلنترك الضجيج جانبًا، ولنفتح ملفات العلم بهدوء، فصحة الناس أكبر من مصالح الشركات، وأكبر من حسابات النفوذ، وأكبر من عقدة الخواجة التي طال بقاؤها أكثر مما ينبغي.