لواء أحمد زغلول: تحالف من أجل البقاء.. الجذور الاستراتيجية للعلاقة المصرية – الخليجية في عالمٍ مضطرب

في عالمٍ تتآكل فيه الدول من الداخل قبل أن تُهزم من الخارج، يفرض الواقع سؤالًا جوهريًا:
هل الثروة وحدها تحمي الأوطان؟
أم أن التحالفات الذكية، المتوازنة والمتزنة، العابرة للأزمات، هي خط الدفاع الأول؟
تؤكد التجارب المعاصرة، من فنزويلا إلى ليبيا، ومن اليمن إلى السودان، أن المال بلا توازن سياسي وأمني قد يتحول من نعمة إلى لعنة. وهنا يظهر التحالف المصري الخليجي كنقيضٍ كامل لنموذج الفوضى؛ لا لأنه ضد أحد، بل لأنه من أجل البقاء والاستقرار.
أولًا: الجذور الاستراتيجية للعلاقة المصرية الخليجية
التاريخ حين يتحول إلى عمق أمني
العلاقة بين مصر ودول الخليج ليست وليدة اللحظة، ولا نتاج اللغة وحدها، بل هي امتداد جيوسياسي طبيعي فرضته الآتي:
وحدة المصير العربي والهوية المشتركة
المصالح الأمنية المتبادلة
إدراك مبكر بأن سقوط دولة مركزية كبرى يعني اهتزاز الإقليم بأكمله
تمثل مصر الثقل العسكري والبشري والسياسي، بينما تمثل دول الخليج القوة الاقتصادية والاستثمارية والطاقة العالمية. هذا التكامل جعل العلاقة تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي إلى مستوى التحالف الاستراتيجي الحقيقي، وهو ما يتجلى بوضوح في الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية الحيوية.
ويستند هذا التحالف إلى إطار قانوني عربي ودولي، من بينها اتفاقيات الدفاع المشترك في جامعة الدول العربية، بما يوفر غطاءً قانونيًا يحمي الدول المشاركة من أي مساءلات أو تداعيات دولية.
ثانيًا: مصر في العمق الخليجي
حين تتحول الجغرافيا إلى معادلة توازن
دخول مصر في العمق الخليجي لم يكن توسعًا سياسيًا، بل استعادة لمعادلة التوازن العربي. فمصر لا تدخل الخليج بجيشها فقط، بل بثقلها المؤسسي، وخبرتها في إدارة الدول، وقدرتها على ضبط إيقاع الصراعات.
وجود مصر في العمق الخليجي يعني:
تحجيم التدخلات الإقليمية غير العربية
تقليص فرص تفكك الدولة
منع اختزال الأمن في المال أو السلاح وحدهما
إنها شراكة تعيد تعريف مفهوم الأمن: أمن الدول قبل أمن الأنظمة، وأمن الشعوب قبل حسابات النفوذ.
ثالثًا: إيجابيات دخول مصر في العمق الخليجي
تعزيز الاستقرار الاقتصادي المصري
الاستثمارات الخليجية وفّرت شريان حياة في لحظات بالغة التعقيد
دعم ميزان المدفوعات وتوفير العملات الأجنبية
توازن إقليمي في مواجهة الفوضى
يشكل التحالف المصري الخليجي جدار صد أمام تمدد الميليشيات والتدخلات غير العربية
تعزيز الأمن القومي العربي
أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمن مصر، والعكس صحيح
قناة السويس والبحر الأحمر والخليج العربي مسرح أمني واحد
حضور عربي مستقل في النظام الدولي
تحالف لا يخضع بالكامل للقطب الأمريكي، ولا لابتزاز القوى الغربية
رابعًا: تأثير العلاقة على الأحداث العالمية الراهنة
يشهد العالم اليوم:
صراعًا أمريكيًا – روسيًا
صعودًا متسارعًا للصين
تفككًا تدريجيًا في النظام الدولي التقليدي
الموقف الأمريكي:
لم تعد الولايات المتحدة الحليف الأوحد الموثوق به
تتعامل مع المنطقة بمنطق المصلحة لا الشراكة
تمارس ضغوطًا سياسية واقتصادية دون ضمانات حقيقية
أصبح الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة خيارًا محفوفًا بالمخاطر، ما يعزز ضرورة التحالف المصري الخليجي كشبكة أمان استراتيجية.
خامسًا: فنزويلا نموذج الفوضى حين يغيب التوازن
تمثل فنزويلا درسًا سياسيًا بالغ الخطورة؛ دولة تمتلك ثروات طاقة هائلة، لكنها عانت من العقوبات، والتدخلات الخارجية، وانهيار العملة، والفوضى الداخلية. ويأتي التحالف المصري الخليجي كنقيض كامل لهذا النموذج من خلال:
تنويع الشركاء
عدم الارتهان لقوة واحدة
بناء الاستقرار الداخلي قبل تصدير الأزمات
سادسًا: إسرائيل والقرن الإفريقي
إعلان إسرائيل اعترافها بما يُسمّى “أرض الصومال”، عقب إنشاء قاعدة عسكرية هناك، يمثل تهديدًا مباشرًا لأمن البحر الأحمر وباب المندب والخليج العربي. ويحدّ التحالف العربي الموحد من قدرة إسرائيل على اتخاذ خطوات مماثلة، ويُبرز أهمية الوحدة العربية كصمام أمان للأمن الإقليمي.
سابعًا: سد النهضة والأمن المائي
يمثل سد النهضة الإثيوبي تهديدًا مباشرًا للأمن المائي المصري والعربي، ويتجلى ذلك في:
فرض أمر واقع دون اتفاق قانوني ملزم
استخدام المياه كورقة ضغط سياسية
تصاعد احتمالات النزاع أو الفوضى في دول المصب
ويؤكد هذا الملف الحاجة الملحّة إلى تحالف عربي قوي لحماية الموارد الحيوية وضمان الأمن المائي.
ثامنًا: مصر ودورها في بؤر النزاع العربية
السودان – الدولة أولًا
دعم مؤسسات الدولة ومنع الانزلاق إلى سيناريو الميليشيات
اليمن – التماسك والوحدة
دعم الحل السياسي والحفاظ على أمن البحر الأحمر وباب المندب
ليبيا – الدولة في مواجهة الفوضى
رفض الميليشيات والانقسام، وضمان شرعية الدولة
تاسعًا: السعودية والإمارات
تظل إدارة التباينات بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ضمن إطار الدولة، ومنطق المصالح، وسقف التحالف الاستراتيجي. ويؤدي الدور المصري دورًا محوريًا في ضبط الإيقاع ومنع الانزلاق إلى مسارات صراعية.
عاشرًا: إيجابيات الاتحاد العربي وسلبيات الفرقة
أولًا: الإيجابيات
حماية الدول واستقرارها
تقليص التدخلات الأجنبية
استقرار أسواق الطاقة
توجيه الموارد للتنمية بدلًا من تمويل الحروب
خلق توازن إقليمي عربي مستقل
ثانيًا: سلبيات الفرقة
فتح المجال للميليشيات والانقسامات الداخلية
استنزاف الموارد
تحويل الدول إلى ساحات صراع بالوكالة
الحادي عشر: إمكانية إقامة تحالف أو اتحاد عربي
التحديات الرئيسية:
سياسية: اختلاف أولويات الدول العربية وتباين الرؤى الوطنية
أمنية: استمرار النزاعات في بعض المناطق
اقتصادية: تفاوت الموارد والقدرات الاقتصادية
قانونية: غياب إطار قانوني جامع وملزم للتحالف أو الاتحاد.
في ضوء التحولات الدولية المتسارعة، وتآكل مفهوم الحماية التقليدية، تبرز العلاقة المصرية–الخليجية كأحد أعمدة الاستقرار العربي. وانطلاقًا مما سبق، يمكن تقديم التوصيات التالية:
1- على المستوى السياسي
• الانتقال من التنسيق الطارئ إلى التنسيق الدائم للتحالف المصري–الخليجي، عبر أطر مؤسسية ثابتة وملزمة.
• توحيد الخطاب السياسي العربي في القضايا المصيرية، وعلى رأسها الأمن الإقليمي، وفلسطين، والأمن المائي.
• تعزيز دور مصر كوسيط متوازن داخل الإطار العربي.
2- على المستوى الأمني والعسكري
• إنشاء آلية أمنية عربية مشتركة لحماية البحر الأحمر وباب المندب والخليج العربي.
• تفعيل اتفاقيات الدفاع العربي المشترك بصيغة حديثة تراعي التهديدات غير التقليدية (الميليشيات، الأمن السيبراني، الإرهاب).
• تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية والتدريب المشترك بين مصر ودول الخليج.
3- على المستوى الاقتصادي
• توجيه الاستثمارات الخليجية نحو مشروعات إنتاجية استراتيجية داخل مصر، بما يعزز الاكتفاء الذاتي والأمن القومي.
• إنشاء صندوق عربي سيادي مشترك لحماية الاقتصادات العربية من الضغوط والعقوبات الخارجية.
• تنسيق السياسات المالية والنقدية بما يقلل من هشاشتها أمام التقلبات العالمية.
4- على مستوى الطاقة والممرات الاستراتيجية
• اعتبار قناة السويس والبحر الأحمر والخليج العربي منظومة أمن واحدة غير قابلة للتجزئة.
• تنسيق المواقف العربية داخل أسواق الطاقة العالمية لحماية المصالح المشتركة.
• منع التدخلات الخارجية في الممرات البحرية من قبل قوى غير عربية.
5- بشأن الأمن المائي والغذائي
• تدويل قضية الأمن المائي العربي ضمن إطار قانوني يحمي حقوق دول المصب.
• دعم موقف مصر قانونيًا وسياسيًا في ملف سد النهضة.
• إنشاء آلية عربية لإدارة الموارد المائية والغذائية باعتبارها جزءًا من الأمن القومي الجماعي.
6- قانونية ومؤسسية
• إعداد ميثاق عربي جديد للتحالف الاستراتيجي، يتضمن آليات ملزمة للتدخل الوقائي وحل النزاعات.
• تفعيل دور مراكز التحكيم العربية في فض النزاعات.
• مواءمة التشريعات الوطنية مع متطلبات الأمن العربي.
7- إعلامية واستراتيجية
• مواجهة حملات التشكيك والاستقطاب الإعلامي عبر خطاب عربي موحد ومتوازن.
• دعم مراكز الفكر والدراسات الاستراتيجية في صياغة الرؤى المستقبلية للتحالف.
• إعادة بناء الوعي العربي بأن الأمن لا يُشترى بالمال وحده، بل يُصنع بالتوازن والتحالف.
8- توصيات مستقبلية
• الاستعداد لمرحلة ما بعد الهيمنة الأحادية في النظام الدولي.
• تنويع الشراكات الدولية دون الارتهان إلى قوة عظمى بعينها.
• بناء تحالف عربي قادر على الصمود، لا على ردّ الفعل فقط.
الثاني عشر: تحالف ليس ضد أحد بل من أجل البقاء
العلاقة بين مصر والخليج العربي ليست موجّهة ضد دولة بعينها، بل موجّهة لصالح الاستقرار. هي علاقة لا تعادي أحدًا، لكنها ترفض الفوضى، ولا تراهن على الثروة وحدها، بل على العقل، والتوازن، والتحالف الذكي المتزن، في عالمٍ ينهار من أطرافه.
ويظل هذا التحالف خط الدفاع الأول عن بقاء الدول العربية نفسها، في زمنٍ تُباع فيه الدول في الصفقات، بينما اختارت مصر والخليج أن يكونا شريكين لا تابعين.
فحين تتغير خرائط العالم، لا ينجو إلا من يملك حلفاء لا أوهام، ولنبدأ بالإرادة الحقيقية لتحقيق الحلم.