لواء أحمد زغلول يكتب: محطات في حياتي.. المحطة السادسة عشرة

دروس القيادة والإنسانية في مسيرتي العملية
من أبرز المحطات التي كانت محورية في تشكيل حياتي العملية والشخصية، تلك التي شهدت علاقتي الوطيدة بالرائد سلامة نصر الله نصر أبو خوار؛ أحد أبطال الوطن الذين غرسوا فيَّ العديد من القيم الإنسانية والمهنية. فقد كانت علاقتنا تتجاوز حدود العمل والمهنة، لتصل إلى أعمق مستويات الإنسانية.
لم يكن الرائد سلامة بالنسبة لي مجرد زميل في العمل، بل كان المعلّم والأب الذي طالما حلمت به بعد وفاة والدي، رحمه الله. وكان بمثابة المرآة التي أرى فيها نفسي وأفكاري. لم يكن معلمًا في المجال الأمني فحسب، بل كان قدوة في الحياة، ومصدر إلهام، ومسؤولًا عن توجيهي في مسيرتي المهنية والشخصية.
ورغم أنني كنت في منصب أعلى منه بحكم طبيعة الوظيفة، وكان يفوقني في العمر بنحو عشرين عامًا، فإن العلاقة بيننا قامت على المحبة والود والاحترام والتقدير المتبادل. كان ينظر إليّ كابنٍ له، ويعاملني كأبٍ وأخٍ وصديق، بينما كنت أراه أنا مصدرًا لا ينضب من الحكمة والحنكة.
وفي هذا المقال، أسلّط الضوء على هذه العلاقة الفريدة، التي كانت مدرسة حقيقية في القيادة والتوجيه والإخلاص، وتعلمت منها دروسًا لا تُنسى.
أبطال سيناء ومنظمة سيناء العربية
قبل أن أستعرض المزيد عن علاقتي بالرائد سلامة نصر الله، لا بد من الإشارة إلى أن هذه القصة ليست مجرد حكاية عن معلّم حكيم ينتمي إلى جهاز أمني، بل عن شخصية عظيمة كانت جزءًا من منظومة نضالية وطنية كبرى: منظمة سيناء العربية، التي عمل تحت رايتها (757) مجاهدًا، وقدّمت للوطن كوكبة من الأبطال الذين ضحّوا بأرواحهم من أجل تحرير أرضهم من الاحتلال الإسرائيلي.
وكان الرائد سلامة نصر الله أحد هؤلاء الأبطال الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية الدفاع عن الأرض والكرامة والتاريخ. لم يكن بطلاً في ساحات القتال فقط، بل كان أيضًا قائدًا فكريًا وأخلاقيًا، رسّخ قيم الوطنية والإيمان بحق الأرض.
وينتمي الرائد سلامة إلى قبيلة السواركة، إحدى أكبر القبائل السيناوية، التي عُرفت بمواقفها البطولية في مقاومة الاحتلال. وعندما التقيت به، أدركت أنني أمام رجل لا يملك فقط خبرة العمل الاستخباراتي، بل يمتلك رؤية واضحة عن الوطن والمجتمع والإنسان.
العلاقة الإنسانية •• الأب والأخ والصديق
كان من النادر أن ألتقي بشخص مثل الرائد سلامة، الذي تجاوز في نظري حدود الزمالة المهنية. فقد اتسمت علاقتنا بالصدق والحب والتوجيه الدائم. كان يحفزني باستمرار على أن أكون قائدًا ناجحًا، ولم يعاملني يومًا كزميل عمل فقط، بل كابنٍ يحرص عليه، ويوصيه، ويقدّم له النصائح التي تشكّل مسار حياته.
كان يلاحظ أدق التفاصيل في شخصيتي، ويتوقع مني دائمًا أن أكون في مصاف القادة الناجحين. تعلمت منه أسمى معاني الصدق والأمانة ونكران الذات. وكان يردد دائمًا: “إذا كنت تريد أن تكون قائدًا حقيقيًا، فعليك أن تكون صادقًا مع نفسك أولًا، ومع من حولك ثانيًا.”
كانت هذه الكلمات مرشدًا لي في مسيرتي، وأسّست لكثير من نجاحاتي على المستويين المهني والشخصي. ولم يقتصر توجيهه على العمل فقط، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية؛ فكان يعلمني كيف أكون إنسانًا أفضل، وكيف أواجه التحديات بثبات، دون أن أفقد توازني.
كان يرى فيّ إمكانيات كبيرة، ويشجعني على تحقيق أقصى ما أستطيع، وبفضل هذا الدعم المستمر، توليت مناصب مرموقة في العمل الأمني، وأصبحت جزءًا من منظومة تهدف إلى حماية الوطن وأمنه.
الرؤية التي زرعها فيّ •• القيادة الحقيقية وفتح الفرص للآخرين
تجلّت علاقتنا الإنسانية في مواقف عديدة، كان يوجّهني خلالها بحكمة وحرص. كان يراني قائدًا مستقبليًا، ويدفعني لأن أكون قادرًا على اتخاذ القرارات الصائبة، وإدارة المواقف باحترافية، ويشجّعني دائمًا على أن أكون قائدًا يفتح الفرص للآخرين.
وفي هذا السياق، لا أنسى سؤاله الذي ترك أثرًا عميقًا في نفسي: “هل تحب أن تكون مديرًا على مديرين، أم مديرًا على خفراء؟”
لم يكن السؤال عابرًا، بل درسًا عميقًا في فلسفة القيادة؛ فالقائد الحقيقي، في نظره، لا يُقاس بقدرته على السيطرة، بل بقدرته على تمكين الآخرين، وتعظيم إمكانياتهم، ومنحهم الثقة ليكونوا جزءًا من النجاح الجماعي.
وكان يردد دائمًا: “القائد الحقيقي هو من يكون مرآة لفريقه، يُظهر لهم إمكانياتهم، ويمنحهم الثقة لتطوير أنفسهم.”
دروس تعلمتها من مرآتي في الحياة العملية والشخصية
كان الرائد سلامة بمثابة مرآتي في حياتي العملية والشخصية. رأيته حاضرًا في معظم القرارات التي اتخذتها، وفي كل تحدٍ واجهته. كان يوجّهني دائمًا نحو الأفضل، وينبّهني إلى ضرورة الصدق والأمانة مهما اشتدت الظروف.
تعلمت منه أن القيادة لا تعني امتلاك السلطة أو التفوق على الآخرين، بل تعني مساعدة الآخرين على النجاح، ومنحهم الفرصة للنمو والتطور. كما تعلمت أن نكران الذات والتضحية من أجل الفريق هما جوهر القيادة الحقيقية.
ومع كل منصب أعلى وصلت إليه، كنت أدرك أكثر أن تعاليمه كانت الأساس الذي بنيت عليه نجاحاتي، وأن أثره الإنساني والمهني سيظل حاضرًا في مسيرتي ما حييت.
توصيات القيادة الحقيقية وتعظيم المرؤوسين
من خلال تجربتي مع الرائد سلامة أود أن أقدم بعض التوصيات التي أعتبرها ضرورية لكل قائد يسعى لتحقيق النجاح، وهذه التوصيات تعتبر أساسيات يجب أن تظل في قلب كل قائد يرغب في التأثير بشكل إيجابي في فريقه وفي المجتمع ككل:
١- تعظيم المرؤوسين: القيادة الحقيقية هي التي تعطي الفرص للآخرين لتطوير أنفسهم. يجب على القائد أن يعمل على تمكين فريقه وفتح المجال لهم لإظهار إمكانياتهم. القائد الذي يُمكّن مرؤوسيه يُسهم في تنمية المجتمع ككل ويخلق بيئة عمل إيجابية تؤدي إلى الإبداع والنمو المستدام.
٢- التوجيه والإلهام: القائد يجب أن يكون مصدر إلهام لفريقه، ويجب أن يساعدهم في اكتشاف قدراتهم ويحفزهم للوصول إلى أقصى إمكانياتهم. إن الفارق بين القائد العادي والقائد الاستثنائي هو قدرته على تحفيز الآخرين على أن يكونوا أفضل من أنفسهم.
٣- نكران الذات: القيادة لا تعني التفوق على الآخرين بل تعني العمل من أجل الصالح العام ودعم الفريق لتحقيق النجاح الجماعي. القائد الذي يعرف متى يتخلى عن الاهتمام بمصالحه الشخصية ويضع مصلحة الفريق والوطن نصب عينيه هو القائد الذي يبني ويُعمِّر المؤسسات.
٤- الصدق والأمانة: يجب أن يتحلى القائد بالصدق في تعاملاته مع الفريق، والقيادة التي تعتمد على الأمانة والشفافية ستؤدي إلى بناء الثقة والاحترام المتبادل. إن القيادة التي تفتقر إلى هذه القيم تفقد القدرة على التأثير الفعّال وتدمّر الثقة بين الأفراد، كما أن القائد الذي يلتزم بالصدق في أفعاله وكلماته يكون قدوة لمرؤوسيه، مما يشجعهم على أن يكونوا أكثر نزاهة في تعاملاتهم اليومية سواء في العمل أو في حياتهم الشخصية.
٥- تقديم الفرص للجميع: على القائد أن يعمل على أن يكون الجميع جزءاً من عملية اتخاذ القرار، وهذا يساهم في تعزيز الولاء والابتكار في الفريق. عندما يُشرك القائد مرؤوسيه في القرارات فإنه يخلق جواً من الشراكة الحقيقية، مما يجعل الجميع يشعرون بمسؤوليتهم تجاه نجاح الفريق. هذا النوع من القيادة يؤدي إلى أن يصبح الجميع شركاء في النجاح، وهذا يعزز من ثقافة العمل الجماعي.
٦- التعلم المستمر: يجب أن يكون القائد دائماً في حالة تعلم وتطوير مستمر. لا يوجد قائد يمكنه النجاح دون أن يستمر في تعلم المهارات الجديدة حتى نكون دائماً في حالة استعداد للنمو.
٧- الحفاظ على التوازن بين العمل والحياة الشخصية: القائد الذي يقدر أهمية الحياة الشخصية لأفراده سيحقق بيئة عمل مثمرة، وضرورة إيجاد التوازن بين العمل والحياة الشخصية؛ فالقائد الناجح هو من يستطيع إدارة ضغوط العمل مع الحفاظ على علاقاته العائلية والاجتماعية السليمة، وبالتالي يكون أكثر قدرة على اتخاذ قرارات حكيمة وفعّالة في العمل.
حين تتحول التجربة إلى رسالة للأجيال
في هذه المحطة من محطات حياتي، المحطة السادسة عشر، أجدني أمام تجربة إنسانية ومهنية لا يجوز أن تُروى لمجرد الذكرى، بل يجب أن تُقدَّم كرسالة ووصية ومرجع تعليمي لكل من يتصدى لمسؤولية القيادة، ولكل شاب يسعى إلى النجاح، ولكل قائد يتطلع إلى أن يترك أثراً حقيقياً لا منصباً عابراً. على الرغم من أن بطل هذه المحطة يُعتبر مرؤوساً يُفترض أنه تحت قيادتي، ولكن بخبرته وذكائه الفطري كان قدوة في مسيرة حياتي. لم يكن وحده القدوة، بل يوجد كثيرون ممن بنوا شخصيتي وكان لهم دور كبير في نجاحي، وسوف أسرد بطولاتهم في محطات حياتي القادمة.
لقد كان الرائد سلامة نصر الله – رحمه الله – نموذجاً نادراً للمعلم الحقيقي الذي جمع بين البطولة الوطنية والنقاء الإنساني والضمير المهني والحكمة العميقة. لم يكن بطلاً لأنه حمل السلاح فقط دفاعاً عن الوطن، بل لأنه حمل القيم والمبادئ وزرعها فيمن حوله دون ضجيج أو ادعاء. كان يؤمن بأن الرجال تُصنع، وأن القادة يُبنون، وأن أعظم إنجاز للقائد هو أن يرى من حوله أفضل منه لا أقل.
علّمني أن المنصب لا يصنع القيمة، بل القيمة هي التي ترفع صاحبها إلى أي منصب، وعلّمني أن احترام الكبير واجب حتى وإن كان مرؤوساً لك وظيفياً، لأن الخبرة والعمر والتجربة كنوز لا تُشترى ولا تُفرض بالأوامر. وعلّمني أن القيادة ليست في إصدار التعليمات، بل في احتواء الرجال وفهم دوافعهم وبناء ثقتهم بأنفسهم، ومنحهم الفرصة ليخطئوا ويتعلموا ثم ينجحوا ويبدعوا.
وكان دائماً يؤكد لي بالفعل قبل القول أن القائد الناجح هو من يرى في مرؤوسيه طاقات لا أعباء، ويصنع منهم رجالاً نافعين للوطن لا أدوات تنفيذ، ويزرع فيهم الانتماء لا الخوف، ويقدّم القدوة قبل الأوامر، ويؤمن أن النجاح الحقيقي هو نجاح الفريق لا الفرد.
ومن هنا فإن رسالتي إلى شبابنا وإلى كل من يتولى موقع قيادة في أي مجال، أقول لهم:
تعلموا من هذه التجارب الحقيقية لا من الشعارات، اجعلوا من مناصبكم جسوراً لعبور الآخرين إلى النجاح لا أسواراً تعزلهم عن الفرص، واحترموا من سبقوكم، وأنصتوا لأصحاب الخبرة، ولا تنسوا أن القائد يُقاس بما يتركه من رجال بعده لا بما يجلس عليه من كراسٍ.
أما أنت يا معلمي ويا أبي ويا أخي ويا صديقي، يا من كنت مرآتي في حياتي العملية والشخصية ومصدر إلهامي في كل مرحلة، أقول لك:
رحلت بجسدك لكنك باقٍ بقيمك وبما زرعته فينا من مبادئ، وبكل قائد خرج إلى الحياة يحمل بصمتك دون أن يراك. ستظل قدوة للأجيال القادمة ودليلاً حياً على أن الوطنية أخلاق، وأن القيادة رسالة، وأن العظمة الحقيقية في نكران الذات وخدمة الوطن والإنسان.
رحمك الله رحمة واسعة، وجعل ما قدمته للوطن ولرجاله في ميزان حسناتك، وجزاك عني خير الجزاء.
وستبقى ما حييت محطة مضيئة في حياتي وعلامة فارقة في مسيرتي، ودروسك ستظل نبراساً نهتدي به في طريق القيادة والمسؤولية وخدمة مصر الغالية.
في النهاية، من خلال تجربتي مع الرائد سلامة نصر الله، ومن خلال الرؤية التي ألهمني بها، يجب أن أؤكد على أهمية بعض المبادئ التي أرى أنها أساسية لنجاح أي قائد:
١- العناية بالإنسان قبل المنصب: القائد الذي يهتم برعاية أفراد فريقه أكثر من المنصب الذي يشغله هو قائد حقيقي. النجاح ليس في التسلط على الآخرين، بل في أن تكون سنداً لهم على الصعيدين الشخصي والمهني.
٢- القدرة على احتواء الأخطاء والتعلم منها: أخطاء الأفراد يجب أن تكون مصدراً للتعلم والنمو لا للانتقاد أو الهدم. القائد الناجح هو من يستفيد من أخطاء الآخرين لتحفيزهم على الإبداع.
٣- الاستماع الجيد وتقدير الرأي الآخر: القائد يجب أن يكون مستمعاً جيداً، يقدر الرأي الآخر ويعطي فرصة لكل فرد للتعبير عن أفكاره. هذا يعزز الإبداع ويضمن أن القرارات المتخذة تعكس مصلحة الجميع.
٤- استمرار التحفيز وتقديم الفرص: تقديم الفرص المستمرة للأفراد للتطور هو أحد أهم المسؤوليات القيادية. يجب على القائد أن يمنح مرؤوسيه فرصاً للنمو والتعلم حتى يشعروا بالتمكين ويحققوا النجاح الشخصي والجماعي.
رسالة تقدير واحترام لكل من علّمني ووجّهني لكي أكون إنساناً نافعاً للوطن، وكان له فضل في تكوين وبناء شخصيتي الحياتية. لقد كنتم منارتي التي كانت نبراساً لتفوقي ونجاحي. أدعو لكم بدوام الصحة والعافية لمن على قيد الحياة، والرحمة والمغفرة لمن رحلوا عن عالمنا.