د. مي الدراوي تكتب: أفريقيا ليست القارة المنسية… بل المعادلة التي يعاد بها رسم الاقتصاد العالمي

سلسلة “أفريقيا في قلب المعادلة” — المقال الأول | نوفمبر 2026

هناك حقيقة اقتصادية وسياسية أرى أننا بحاجة إلى إعادة قراءتها جيدًا: أفريقيا لم تعد مجرد قارة تبحث عن فرص التنمية، بل أصبحت قارة تتنافس القوى الاقتصادية الكبرى على الشراكة معها، والوصول إلى أسواقها، والاستثمار في مواردها، والمشاركة في صناعة مستقبلها.

والسؤال الذي أطرحه اليوم ليس: لماذا تتجه مصر إلى أفريقيا؟ بل: كيف يمكن لمصر أن تحول عمقها الأفريقي وموقعها الجغرافي وعلاقاتها السياسية إلى قوة اقتصادية واستثمارية مستدامة؟

من يقرأ خريطة العالم بعين الجغرافيا فقط، يرى أفريقيا قارة شاسعة تحيط بها البحار والمحيطات. أما من يقرأها بعين الاقتصاد والسياسة، فسيرى موقعًا استراتيجيًا يربط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر والمحيطين الأطلسي والهندي، ويمر بالقرب من أهم طرق التجارة البحرية الدولية.

وهنا تأتي مصر، بموقعها الفريد بين أفريقيا وآسيا، وبقناة السويس التي تمثل أحد أهم الممرات البحرية العالمية، لتكون نقطة اتصال استراتيجية بين الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية والآسيوية.

فالجغرافيا قد تمنح الدولة موقعًا متميزًا، لكن الاقتصاد هو الذي يحول هذا الموقع إلى نفوذ وتأثير وفرص عمل واستثمار.

أفريقيا… ثروات العالم وأسواق المستقبل:

عندما نتحدث عن أفريقيا، فنحن نتحدث عن قارة تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة، وتمتلك مساحات زراعية واسعة وموارد طبيعية ومعدنية متنوعة، فضلًا عن طاقات بشرية شابة تمثل أحد أهم عناصر النمو الاقتصادي المستقبلي.

نتحدث عن الذهب والنحاس والكوبالت والليثيوم، وعن الطاقة المتجددة والزراعة والصناعات الغذائية والدوائية، وعن أسواق تحتاج إلى البنية التحتية والتكنولوجيا والتعليم والخدمات المالية. لكن المفارقة الاقتصادية تكمن في أن امتلاك الموارد الطبيعية لا يعني بالضرورة امتلاك القيمة الاقتصادية الناتجة عنها.

فالقارة التي تصدر المواد الخام وتستورد المنتجات المصنعة تفقد جزءًا كبيرًا من فرص خلق القيمة المضافة وتوفير فرص العمل. ومن هنا، أرى أن مستقبل أفريقيا الحقيقي لن يبنى على استخراج الثروات وحده، وإنما على توطين الصناعة، ونقل المعرفة، وتطوير سلاسل الإمداد، وبناء علامات تجارية أفريقية قادرة على المنافسة عالميًا.

أفريقيا لا تحتاج فقط إلى من يشتري مواردها، بل إلى من يشاركها في تصنيع هذه الموارد وتحويلها إلى اقتصاد منتج.

مصر وأفريقيا.. من العلاقات التاريخية إلى الشراكة الاقتصادية:

ارتبطت مصر بالقارة الأفريقية بعلاقات تاريخية وسياسية ممتدة، بدءًا من دورها في دعم حركات التحرر الوطني، وصولًا إلى مشاركتها في مؤسسات العمل الأفريقي المشترك.

لكن المرحلة الراهنة تفرض علينا قراءة جديدة لهذه العلاقات، تتجاوز البعد الدبلوماسي إلى أبعاد التجارة والاستثمار والأمن الغذائي والصناعي.

ومن يتابع التحركات المصرية خلال الفترة الأخيرة، يجد أن الملف الأفريقي حاضر في الاجتماعات الرئاسية والمنتديات الاقتصادية واللقاءات الثنائية ومتعددة الأطراف.

ولعل استضافة مدينة العلمين الجديدة للمنتدى الاقتصادي الأفريقي والاجتماع التنسيقي الثامن للاتحاد الأفريقي، خلال الفترة من 2 إلى 4 أكتوبر 2026، تعكس أهمية الانتقال من مناقشة التحديات المشتركة إلى بحث آليات التمويل والتكامل الاقتصادي وتنفيذ المشروعات.

كما شهدت تلك الفعاليات لقاءات رئاسية وتوقيع مذكرات تفاهم في مجالات التجارة والصناعة والصحة والزراعة والتعاون المؤسسي.

وفي تقديري، فإن أهمية هذه التحركات لا تقاس بعدد الاجتماعات أو الاتفاقيات الموقعة، وإنما بحجم الاستثمارات التي تتحول إلى مشروعات، وحجم الصادرات التي تصل إلى الأسواق، وفرص العمل التي تخلق على أرض الواقع.

فنجاح الدبلوماسية الاقتصادية يبدأ بالاتفاقيات، لكنه يقاس بنتائجها.

الاتفاقيات الأفريقية… هل نمتلك مفاتيح السوق؟

تشارك مصر في أطر اقتصادية وتجارية مهمة، من أبرزها السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا “الكوميسا”، واتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية “AfCFTA”.

وتهدف الاتفاقية القارية إلى بناء سوق أفريقية أكثر تكاملًا، وتسهيل انتقال السلع والخدمات، وخفض الحواجز التجارية والجمركية وفقًا للقواعد والجداول المتفق عليها.

لكن علينا أن ندرك أن الاتفاقيات لا تعني فتح جميع الأسواق بصورة تلقائية، فهناك قواعد منشأ وإجراءات جمركية ومتطلبات فنية ولوجستية تختلف بحسب المنتج والدولة.

وهنا يبرز سؤال جوهري: كم شركة مصرية صغيرة أو متوسطة تعرف بالفعل كيف تستفيد من هذه الاتفاقيات؟ كم مصنعًا مصريًا يمتلك دراسة واضحة للأسواق الأفريقية؟ وكم رائد أعمال يعرف تكلفة تصدير منتجه إلى كينيا أو غانا أو رواندا أو جنوب أفريقيا، ومتطلبات التسجيل والاعتماد والتحصيل المالي؟

إن الفجوة بين توقيع الاتفاقيات والاستفادة الاقتصادية منها تستحق اهتمامًا مؤسسيًا حقيقيًا.

وأرى ضرورة أن تتوسع المؤسسات المعنية في توفير المعلومات التجارية والتدريب والتمويل وضمان الصادرات ضد المخاطر، بما يسمح للشركات الصغيرة والمتوسطة بدخول الأسواق الأفريقية بصورة منظمة.

الزيارات الرئاسية.. حين تتحول السياسة إلى فرص اقتصادية:

لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة، خاصة في قارة تتداخل فيها ملفات الأمن والطاقة والمياه والنقل والاستثمار.

فالزيارات الرئاسية واللقاءات الثنائية تفتح مسارات للتفاهم والتعاون، لكنها تحتاج إلى متابعة فنية وتجارية ومؤسسية حتى تتحول إلى نتائج اقتصادية.

ولذلك، فإنني أرى أن من أهم مؤشرات نجاح أي زيارة أو قمة اقتصادية وجود خطة تنفيذية تتضمن مشروعات محددة، وجدولًا زمنيًا، ومؤسسات مسؤولة، وآليات واضحة لقياس النتائج.

كما أن مشاركة مصر في تجمعات دولية مثل “بريكس”، إلى جانب حضورها في المؤسسات الأفريقية، تتيح مساحات أوسع للحوار بشأن التمويل والتنمية والتجارة والاستثمار.

لكن الاستفادة من هذه المساحات تتطلب سياسات صناعية وتصديرية متكاملة، وقدرة على جذب التمويل وتحسين تنافسية المنتجات المصرية.

القطاع الخاص المصري… شريك لا غنى عنه:

من واقع عملي في ريادة الأعمال والتوسع في الأسواق الأفريقية، أؤمن بأن الشركات المصرية تمتلك فرصًا حقيقية في قطاعات عديدة، من بينها الصناعات الغذائية والملابس والمنسوجات والمستحضرات التجميلية والنباتات الطبية والعطرية والخدمات التعليمية والتدريبية.

لكن التوسع في أفريقيا ليس مجرد شحن بضائع إلى دولة أخرى. إنه فهم لثقافة المستهلك، وطبيعة السوق، والقدرة الشرائية، والتشريعات المحلية، ومخاطر العملة، وتكاليف النقل، واحتياجات الشركاء المحليين.

وأرى أن نموذج الشراكات الصناعية والتجارية بين الشركات المصرية ونظيراتها الأفريقية قد يكون أكثر استدامة من الاكتفاء بالتصدير التقليدي.

فبدلًا من أن نسأل فقط: ماذا يمكن أن نبيع لأفريقيا؟ علينا أن نسأل: ماذا يمكن أن نصنع مع أفريقيا؟ كيف ننشئ مشروعات مشتركة؟ وكيف ننقل الخبرات؟ وكيف نؤهل الشباب والمرأة الأفريقية للمشاركة في سلاسل الإنتاج والتجارة؟

إن الشراكة الاقتصادية الحقيقية ليست علاقة بائع ومشترٍ، وإنما علاقة مصالح متبادلة وقيمة مضافة مشتركة.

التحديات التي لا يجوز تجاهلها:

رغم حجم الفرص، فإن الأسواق الأفريقية تواجه تحديات متفاوتة تتعلق بتكاليف التمويل، وتقلبات أسعار الصرف، وضعف بعض شبكات النقل والربط اللوجستي، والتفاوت في الأطر التنظيمية، فضلًا عن المخاطر السياسية والأمنية في بعض المناطق.

كما أن ارتفاع تكلفة خدمة الديون في عدد من الاقتصادات الأفريقية يضغط على الإنفاق التنموي وقدرة الحكومات على تمويل البنية التحتية.

ولهذا، فإن تعزيز العلاقات الاقتصادية المصرية الأفريقية يحتاج إلى أدوات عملية تشمل التأمين على الصادرات، وتسهيل المدفوعات العابرة للحدود، وتطوير النقل البحري والبري، ودعم المشروعات الإنتاجية المشتركة.

ولا ينبغي أن نختزل أفريقيا في سوق واحدة؛ فهي مجموعة من الاقتصادات المختلفة في مستويات التنمية والتشريعات والفرص والمخاطر.

ماذا نريد من المرحلة القادمة؟

أرى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مفهوم الوجود المصري في أفريقيا إلى مفهوم التكامل الاقتصادي المصري الأفريقي.

نحتاج إلى رؤية تربط الدبلوماسية بالتجارة، والبحث العلمي بالصناعة، والاتفاقيات الدولية بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

نحتاج إلى حضور اقتصادي مصري أوسع، قائم على الشراكة والتنافسية واحترام خصوصية الأسواق المحلية.

كما نحتاج إلى مؤشرات واضحة لقياس تقدم التعاون، تشمل نمو التجارة البينية، والاستثمارات المشتركة، وعدد الشركات التي دخلت أسواقًا جديدة، والوظائف التي أوجدتها هذه الشراكات.

فالقوة الاقتصادية للدول لا تقاس فقط بما تمتلكه داخل حدودها، بل أيضًا بقدرتها على بناء علاقات إنتاجية وتجارية مستدامة خارج هذه الحدود.

وأخيرًا.. أفريقيا ليست خيارًا مؤجلًا إنني أنظر إلى أفريقيا باعتبارها امتدادًا طبيعيًا للمصالح الاقتصادية المصرية، وشريكًا رئيسيًا في مستقبل الصناعة والتجارة والاستثمار.

لكن تحويل هذه الرؤية إلى واقع يحتاج إلى استمرارية في العمل، وتكامل بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والجامعات ومراكز البحث العلمي.

فالمنافسة الدولية على الفرص الأفريقية تتزايد، والقارة نفسها تسعى إلى بناء اقتصاد أكثر استقلالًا وتكاملًا وقدرة على التصنيع.

ولذلك، فإن السؤال الذي أتركه أمام صناع القرار والمستثمرين ورواد الأعمال ليس: هل تمتلك مصر فرصًا في أفريقيا؟

بل هل نمتلك السرعة والجاهزية والمؤسسات القادرة على تحويل هذه الفرص إلى شراكات ومشروعات ونتائج اقتصادية ملموسة؟

فأفريقيا ليست مجرد اتجاه على الخريطة، أفريقيا عمق استراتيجي، وسوق اقتصادية، وشريك في التنمية، وجزء أصيل من مستقبل مصر.

دكتورة مي الدراوي

د. مي الدراوي، عضو الهيئة الاستشارية العليا لمركز رع للدراسات الاستراتيجية، رائدة أعمال وباحثة مصرية تُعرف بلقب "سيدة اللافندر"، ورئيسة مجلس إدارة مجموعة "لافندر لايف للتصدير". تهتم بتعزيز التعاون الاقتصادي المصري الأفريقي، ودعم ريادة الأعمال والتمكين الاقتصادي للمرأة والشباب. تعمل مستشارًا أكاديميًا لعدد من الجامعات المصرية والخليجية. حصلت على الماجستير في التصدير والتجارة الدولية، والماجستير في إعداد مجالس الإدارة وحوكمة الشركات، والبورد الأمريكي في الصيدلة الإكلينيكية، والماجستير في المحاكاة الإكلينيكية. وتشغل عضوية المجلس التصديري للجلود والمنتجات الجلدية، وجمعية سيدات أعمال مصر 21، والغرفة الأفروآسيوية للتجارة والاستثمار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى