الالتفاف الوطني: كيف عزز المنتخب المصري مشاعر الانتماء لدى الجماهير؟

نورهان شرارة- باحثة بوحدة الدراسات الدولية 

لا تقتصر البطولات الرياضية الكبرى على كونها منافسات لحصد الألقاب، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى لحظات وطنية فارقة تعيد إنتاج مشاعر الانتماء والهوية الجماعية، وتمنح المجتمعات مساحة نادرة للالتفاف حول رمز وطني جامع يتجاوز الانقسامات السياسية والاجتماعية والثقافية. وفي هذا السياق، يمثل المنتخب الوطني أحد أبرز أدوات القوة الناعمة القادرة على تعزيز التماسك المجتمعي وإحياء الشعور بالفخر الوطني، خصوصًا في اللحظات التي يحقق فيها إنجازات استثنائية.

وتكتسب هذه الظاهرة أهمية خاصة في الحالة المصرية، في ظل وجود تباينات واضحة بين أنماط الخطاب الجماهيري على الفضاء الرقمي، ولا سيما لدى جماعات الألتراس التي ارتبطت منذ نشأتها بهوية احتجاجية، وتحوّل خطابها بعد ثورة 25 يناير 2011 إلى مساحة للتعبير عن مواقف سياسية واجتماعية تجاوزت حدود التشجيع الرياضي التقليدي.

من هنا، تطرح مشاركة المنتخب المصري في كأس العالم 2026 فرصة مهمة لاختبار مدى قدرة الإنجاز الرياضي على إنتاج حالة وطنية جامعة تشمل مختلف الفئات، أو استمرار تمايز بعض الجماعات بخطابها التقليدي.

مشاركة المنتخب بكأس العالم 2026:

وتُعد مشاركة المنتخب المصري في كأس العالم 2026، وما صاحبها من انتصارات، وخاصة الفوز على منتخبي نيوزيلندا وإيران، حدثًا وطنيًا استثنائيًا أعاد إنتاج حالة من الالتفاف الجماهيري حول المنتخب بوصفه رمزًا للهوية الوطنية، وأثار تساؤلات حول طبيعة تفاعل جماهير الكرة المصرية مع هذه اللحظة، ومدى اختلاف هذا التفاعل بين الجمهور العام وجماعات الألتراس.

وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا التحليل إلى قراءة تفاعلات الجمهور المصري العام وجماهير الألتراس على مواقع التواصل الاجتماعي خلال مشاركة مصر في كأس العالم 2026، من خلال رصد طبيعة المحتوى المنشور، وقياس حجم التفاعل معه، وتحليل أنماط الخطاب السائدة، بهدف الكشف عن مدى قدرة الانتصارات الرياضية على خلق حالة من الالتفاف الوطني وإعادة تشكيل الخطاب الجماهيري، وكذلك استكشاف ما إذا كانت هذه اللحظة الرياضية قد أحدثت تحولًا في الخطاب الرقمي لجماعات الألتراس، من خطاب يغلب عليه الطابع الاحتجاجي إلى خطاب أكثر ارتباطًا بمفاهيم الانتماء الوطني.

تفاعلات مواقع التواصل الاجتماعي:

ومع صعود المنتخب المصري إلى نهائيات كأس العالم 2026، رصدنا حالة مصرية لافتة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث جرى تحليل عينة قوامها (25) منشورًا ومقطع فيديو نُشرت على منصة فيسبوك عقب فوز المنتخب المصري على منتخبي نيوزيلندا وإيران، باعتبار المباراتين من أبرز اللحظات التي شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات التفاعل الرقمي لدى الجمهور المصري.

أظهرت نتائج الرصد أن المنشورات محل الدراسة (الرسم البياني رقم 1) حققت تفاعلًا واسعًا بلغ نحو مليون تفاعل، بالإضافة إلى أكثر من (200 ألف) تعليق، بما يعكس حجم الاهتمام الجماهيري الكبير بإنجاز المنتخب المصري.

كما أظهر تحليل التعليقات هيمنة واضحة للخطاب الوطني، إذ تبين أن نحو (90%) من التعليقات تضمنت مضامين تعبر عن الفخر بالمنتخب والاعتزاز بالهوية الوطنية، واستخدمت مفردات مثل: “تحيا مصر”، و”الفراعنة”، و”شرفتونا وفرحتونا”، و”فخورون بمنتخبنا”، كما برزت عبارات تؤكد حالة الالتفاف الشعبي حول المنتخب باعتباره ممثلًا للهوية الوطنية المصرية.

في المقابل، بلغت نسبة التعليقات ذات الاتجاه الناقد أو الرافض نحو (10%) من إجمالي التعليقات، وتركزت مضامينها في التقليل من أهمية البطولة، أو الإشارة إلى أن الانتصارات الرياضية لا ينبغي أن تصرف الانتباه عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يعيشها المواطنون.

وتشير هذه النتائج إلى أن الانتصارات الرياضية للمنتخب المصري أسهمت في خلق حالة من التعبئة الوطنية والالتفاف الجماهيري، انعكست بوضوح في طبيعة التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، حيث طغت المشاعر الوطنية والرموز المرتبطة بالهوية المصرية على الخطاب الرقمي، مقابل تراجع نسبي للأصوات الناقدة أو الرافضة.

وفي المقابل، تم رصد وتحليل التفاعل على الصفحات المخصصة لأعضاء ألتراس الأهلي وألتراس الزمالك، باعتبارهما صفحتين لا تزالان تحملان ملامح الهوية التقليدية للألتراس وخطابهما المرتبط بفترة التوتر مع الدولة.

وكشف الرصد عن وجود تباين واضح بين حالة التعبئة الوطنية التي شهدتها صفحات الجمهور المصري العام على مواقع التواصل الاجتماعي، وطبيعة الخطاب السائد داخل صفحات الألتراس.

فعلى صفحة «ألتراس أهلاوي» لم يتم رصد أي منشور أو مقطع فيديو يتناول مشاركة المنتخب المصري في كأس العالم 2026 أو فوزه على منتخبي نيوزيلندا وإيران، رغم حالة الزخم الجماهيري التي صاحبت الحدث. وبدلًا من ذلك، انحصرت جميع المنشورات والفيديوهات التي تم رصدها في موضوعات تتعلق بتاريخ الخصومة بين الألتراس والدولة، وقضايا الشهداء والقصاص، واستدعاء رموز المرحلة الثورية.

وأسفر الرصد عن تسجيل (11) منشورًا على الصفحة، حققت مجتمعة نحو (1410) تفاعلًا، و(13) تعليقًا، و(45) مشاركة فقط، وهي معدلات تفاعل محدودة للغاية مقارنة بحجم التفاعل الذي حققته المنشورات المرتبطة بالمنتخب المصري على صفحات الجمهور العام، والتي تجاوزت مليون تفاعل ونحو 200 ألف تعليق.

أما صفحة «ألتراس الزمالك»، فلم تتناول البطولة أو مشاركة المنتخب المصري بصورة كاملة، ولم يتم رصد أي منشورات مرتبطة بكأس العالم أو أي تفاعل يُذكر بشأن الحدث.

تشير هذه النتائج (الرسم البياني رقم 2) إلى أن الخطاب السائد داخل صفحات الألتراس لا يزال متمسكًا بمرجعياته التقليدية القائمة على استدعاء الذاكرة الاحتجاجية والثورية، في الوقت الذي شهد فيه الفضاء الرقمي الأوسع حالة من الالتفاف الوطني حول المنتخب المصري. كما تعكس محدودية التفاعل داخل هذه الصفحات تراجع حضور الخطاب التقليدي للألتراس مقارنة بالخطاب الوطني الذي هيمن على تفاعلات الجمهور المصري خلال البطولة.

وتكشف نتائج الرصد والتحليل عن نجاح مشاركة المنتخب المصري في كأس العالم 2026 في خلق حالة واسعة من الالتفاف الوطني بين المصريين على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث هيمنت التعليقات والمنشورات ذات الطابع الوطني على التفاعلات الرقمية، وبرزت مفردات الفخر بالمنتخب والانتماء إلى مصر والاعتزاز بالهوية الوطنية بصورة لافتة.

وفي المقابل، أظهرت نتائج تحليل صفحات الألتراس وجود فجوة واضحة بين الخطاب السائد لدى الجمهور المصري العام والخطاب الذي تتبناه الصفحات المرتبطة بالألتراس. فعلى الرغم من حالة التعبئة الوطنية التي صاحبت انتصارات المنتخب، لم تُظهر صفحات الألتراس أي اهتمام يُذكر بمشاركة المنتخب المصري في البطولة، كما لم يتم رصد أي محتوى يدعم المنتخب أو يعبر عن حالة الالتفاف الوطني التي سادت بين الجمهور العام.

كما أظهر تحليل محتوى هذه الصفحات استمرار حضور الخطاب التقليدي للألتراس، واستدعاء قضايا الشهداء والقصاص والخلاف مع المؤسسات الرسمية، دون ظهور مؤشرات واضحة على تبني خطاب جديد يقوم على دعم الدولة أو مؤسساتها.

وتشير البيانات كذلك إلى محدودية التفاعل داخل صفحات الألتراس مقارنة بالتفاعل الضخم الذي حققته المنشورات المرتبطة بالمنتخب المصري، وهو ما يعكس تراجع تأثير الخطاب التقليدي للألتراس في مقابل صعود الخطاب الوطني بين الجمهور المصري خلال الحدث الرياضي.

في النهاية، يمكن القول إن نتائج هذا التقرير تكشف عن أن الإنجازات الرياضية الكبرى لا تقتصر آثارها على المجال الرياضي، وإنما تمتد لتصبح محفزًا لإعادة تنشيط الهوية الوطنية وتعزيز مشاعر الانتماء الجماعي، وهو ما عكسته بوضوح التفاعلات الرقمية الواسعة التي صاحبت مشاركة المنتخب المصري في كأس العالم 2026. وفي المقابل، توضح الدراسة أن تأثير هذه اللحظات الوطنية يظل متفاوتًا بين الفئات الاجتماعية؛ إذ نجحت في توحيد قطاع واسع من الجمهور حول رمزية المنتخب، بينما ظلت جماعات الألتراس أكثر ارتباطًا بمرجعياتها التاريخية وخطابها الاحتجاجي.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الرياضة تمتلك قدرة كبيرة على إنتاج لحظات وطنية جامعة، لكنها لا تكفي وحدها لإعادة تشكيل الهويات الجماعية التي تشكلت عبر مسارات سياسية واجتماعية ممتدة. ومن ثم، فإن العلاقة بين الرياضة والهوية الوطنية تظل علاقة ديناميكية تتأثر بطبيعة الجماعات المستقبلة وخلفياتها الفكرية والاجتماعية، بما يجعل الإنجاز الرياضي عاملًا مهمًا في تعزيز الانتماء الوطني، دون أن يكون بالضرورة أداة حاسمة لإعادة تشكيل الاتجاهات السياسية أو الهويات الراسخة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى