موانئ الصومال.. بوابة إثيوبيا إلى البحر الأحمر أم بداية لإعادة رسم موازين القوة؟
بين حق الوصول إلى البحر وحدود الأمن القومي المصري.. أين تقف مقديشو وأديس أبابا؟

ليست كل الأخبار التي تمر أمامنا مجرد أخبار، وليست كل التصريحات السياسية عبارات عابرة تنتهي بانتهاء المقابلة أو المؤتمر. هناك تصريحات تفرض على صانع القرار أن يتوقف أمامها، وأن يقرأ ما وراء الكلمات، وأن يسأل: ماذا تعني اليوم؟ وماذا يمكن أن تعني غداً؟
ومن هذا المنطلق، فإن تصريحات الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بشأن استعداد بلاده لإتاحة استخدام ميناءين أو ثلاثة موانئ صومالية أمام إثيوبيا لأغراض الاستيراد والتصدير تستحق قراءة هادئة وعميقة بعيداً عن الانفعال، ولكن أيضاً بعيداً عن الاستهانة. فالقضية ليست في حق إثيوبيا في الوصول إلى البحر، فهذا حق مشروع للدولة الحبيسة في إطار القانون الدولي والاتفاقات التي تنظم علاقاتها بالدول الساحلية. القضية الحقيقية هي: ما طبيعة هذا الوصول؟ وما مدته؟ ومن يديره؟ وما حدوده؟ وهل سيظل تجارياً ولوجستياً أم يمكن أن يتحول بمرور الوقت إلى نفوذ سياسي أو أمني أو عسكري؟ هنا تحديداً تبدأ أهمية الموضوع بالنسبة إلى مصر.
عندما يصبح الميناء أكثر من مجرد ميناء
الموانئ في عالم اليوم لم تعد مجرد أرصفة للسفن ومخازن للبضائع. الميناء قد يكون مركزاً للتجارة، وممراً للطاقة، ومحطة لإعادة التصدير، وأداة نفوذ اقتصادي، وفي بعض الحالات نقطة ارتكاز جيوسياسية. ولهذا، فإن النظر إلى أي ترتيب يتعلق بالموانئ الصومالية من زاوية تجارية فقط سيكون قراءة ناقصة.
فالساحل الصومالي يتمتع بموقع بالغ الحساسية على المحيط الهندي وخليج عدن، بالقرب من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي ترتبط مباشرة بحركة التجارة العالمية وقناة السويس.
ومن هنا، فإن أي تغير طويل المدى في طبيعة الوجود الإقليمي على الساحل الصومالي لا يمكن فصله عن معادلات أمن البحر الأحمر. وهذا لا يعني أن مجرد استخدام إثيوبيا لميناء صومالي يمثل تهديداً لمصر، لكن يعني أن طبيعة الاتفاق وشروطه وآليات تنفيذه هي التي تحدد حجم التأثير الاستراتيجي، وهنا يجب أن نكون أكثر دقة من إطلاق الأحكام المسبقة.
إثيوبيا وحق الوصول إلى البحر
إثيوبيا دولة حبيسة، ومن الطبيعي أن تبحث عن منافذ بحرية تخدم اقتصادها وتقلل من تكلفة تجارتها الخارجية، والقانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يعترف للدول الحبيسة بحق الوصول إلى البحر وحرية العبور وفق ترتيبات يتم الاتفاق عليها مع دول العبور، مع احترام سيادة هذه الدول ومصالحها المشروعة.
كما أن إعلان أنقرة الموقع بين إثيوبيا والصومال في ديسمبر 2024 فتح الباب أمام ترتيبات تسمح لإثيوبيا بالوصول إلى البحر من خلال ترتيبات تجارية متفق عليها، مع التأكيد على احترام سيادة الصومال ووحدة أراضيه.
إذن ليس من الحكمة أن تقدم مصر نفسها باعتبارها معارضة لحق إثيوبيا في التجارة والوصول إلى البحر.
لكن هناك فارقاً كبيراً بين حق الوصول التجاري وبين إنشاء نفوذ دائم أو وجود أمني أو عسكري، وهذا الفارق يجب ألا يضيع وسط الضجيج السياسي.
أين تكمن نقطة القلق المصرية؟
الأمن القومي لا يقوم على النوايا المعلنة فقط، وإنما يضع في حساباته احتمالات المستقبل. ولذلك، فإن القاهرة من حقها أن تطرح أسئلة واضحة: من سيقوم بإدارة الميناء؟ ما مدة الاتفاق؟ هل سيكون هناك حق في إنشاء منشآت خاصة؟ هل توجد ترتيبات أمنية مستقلة؟ هل يسمح الاتفاق بوجود قوات أو عناصر عسكرية أجنبية؟ هل يمكن استخدام بعض المنشآت في أغراض مزدوجة تجارية وعسكرية؟ هل هناك أطراف إقليمية أو دولية ستقوم بالتمويل أو الإدارة أو الحماية؟ وهل توجد ضمانات تمنع تحويل الترتيب التجاري مستقبلاً إلى موطئ قدم استراتيجي؟
هذه ليست أسئلة عدائية.
هذه هي أبجديات الأمن القومي.
فالدول لا تنتظر حتى تظهر النتائج على الأرض ثم تبدأ في البحث عن أسبابها.
الاستخدام المزدوج •• عندما يتغير معنى المنشأة
من أخطر ما يجب الانتباه إليه في عالم اليوم مفهوم الاستخدام المزدوج، فالمنشأة التي تُنشأ لخدمة التجارة قد تكتسب، بحكم موقعها وتجهيزاتها، أهمية أخرى في أوقات الأزمات، وقد تكون البنية اللوجستية ومناطق التخزين ومحطات الوقود وشبكات الاتصالات ومرافق الصيانة وطرق الإمداد ذات قيمة تتجاوز الاستخدام التجاري إذا ارتبطت بترتيبات أمنية أو عسكرية. ولا يعني ذلك أن كل ميناء تجاري هو مشروع عسكري مقنع، كما لا يصح اتهام أي طرف بمجرد الاحتمال، لكن التخطيط الاستراتيجي لا ينتظر وقوع الخطر حتى يبدأ في التفكير، فالعبرة ليست فقط بما كُتب في الاتفاق، وإنما كذلك بما يمكن أن تسمح به بنيته وآليات تنفيذه على المدى الطويل، وهنا يجب أن تكون الضمانات القانونية والسيادية واضحة منذ البداية.
مصر والصومال •• شراكة لا ينبغي اختزالها
قد يقول البعض: وماذا يحق لمصر أن تقول للصومال؟ والإجابة واضحة: الصومال دولة ذات سيادة، ومن حقه أن يحدد سياسته الخارجية والاقتصادية.
لكن مصر أيضاً دولة ذات مصالح، ومن حقها أن تحمي أمنها القومي ومصالحها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. والعلاقة بين القاهرة ومقديشو ليست علاقة طارئة فرضتها الظروف الحالية. مصر دعمت الدولة الصومالية ووحدة أراضيها، ووقفت إلى جانبها في مواجهة محاولات تفكيكها، وقدمت دعماً سياسياً وأمنياً وإنسانياً، وصولاً إلى الشراكة الاستراتيجية التي تم الإعلان عنها بين البلدين.
ومن ثم، فإن المطلوب ليس أن تتدخل مصر في القرار الصومالي، وإنما أن تحافظ على هذه الشراكة، وأن تجعلها أكثر عمقاً وأكثر قدرة على الصمود أمام التحولات الإقليمية.
وهنا أعتقد أن الدرس الأهم هو أن العلاقات الاستراتيجية لا تحميها النوايا الطيبة وحدها، وإنما تحميها المصالح المشتركة والمشروعات المشتركة والحضور المستدام.
ماذا لو تحولت الموانئ إلى أدوات نفوذ؟
هنا يجب ألا ننظر إلى إثيوبيا وحدها، فالقرن الأفريقي أصبح ساحة تتقاطع فيها مصالح دول إقليمية وقوى دولية وشركات ومجموعات اقتصادية وأمنية، والدولة التي تدخل ميناءً اليوم من بوابة التجارة قد تبحث غداً عن شبكة لوجستية، ثم عن استثمارات في الطاقة والنقل، ثم عن نفوذ اقتصادي وسياسي. وهذا لا يعني أن كل استثمار أجنبي يحمل مشروعاً خفياً، لكن الدولة الذكية تضع دائماً السيناريو الأسوأ في حساباتها دون أن تبني سياستها عليه قبل ظهور الأدلة، وهنا تكمن قيمة التخطيط الاستراتيجي.
لا نريد مواجهة مع الصومال •• بل نريد وضوحاً
مصر لا تحتاج إلى مواجهة سياسية مع مقديشو، ولا تحتاج إلى لغة تهديد، ولا تحتاج إلى الدخول في معركة إعلامية مع دولة تربطها بها علاقات تاريخية واستراتيجية. ما تحتاجه هو حوار صريح: أن تقول القاهرة لمقديشو نحن نحترم سيادتكم، ونحترم حقكم في تنمية اقتصادكم واستثمار موانئكم، ونتفهم حق إثيوبيا في الوصول التجاري إلى البحر، لكننا نريد أن نعرف بوضوح حدود هذه الترتيبات وضماناتها وطبيعتها، وألا تتحول في المستقبل إلى ترتيبات تمس أمن البحر الأحمر أو مصالح مصر أو الأمن العربي. هذه الرسالة أكثر قوة من أي خطاب انفعالي.
ماذا يجب أن تفعل مصر؟
١- فتح حوار استراتيجي مباشر مع القيادة الصومالية حول طبيعة أي ترتيبات بحرية مستقبلية مع إثيوبيا، مع احترام كامل للسيادة الصومالية.
٢- متابعة الإطار القانوني لأي اتفاق مينائي، خصوصاً ما يتعلق بمدة التعاقد والإدارة والتمويل والاستخدامات الأمنية والعسكرية.
٣- دعم الدولة الصومالية اقتصادياً وتنموياً، لأن الدولة القوية القادرة على إدارة موانئها وحدودها ومياهها الإقليمية تمثل عامل استقرار لمصر والمنطقة.
٤- زيادة الحضور الاقتصادي المصري في الصومال، وعدم ترك المجال مفتوحاً أمام الآخرين في قطاعات الموانئ والنقل واللوجستيات والطاقة.
٥- تعزيز التعاون المصري مع دول البحر الأحمر والقرن الأفريقي، لأن أمن البحر الأحمر لا يمكن التعامل معه بمنظور ثنائي ضيق.
٦- الحفاظ على قنوات الاتصال مع إثيوبيا، فالتفاوض لا يعني التنازل، والحوار لا يعني الضعف، بل قد يكون في كثير من الأحيان الوسيلة الأكثر فاعلية لحماية المصالح.
٧- وضع الموانئ والبنية التحتية البحرية في قلب التقدير الاستراتيجي المصري، ودراسة أي تغير في ملكيتها أو إدارتها أو طبيعة استخدامها باعتبارها جزءاً من منظومة الأمن البحري الإقليمي.
دروس لا ينبغي أن نغفلها
١- الجغرافيا لا تتغير، لكن طريقة استثمارها تتغير.
٢- العلاقات السياسية وحدها لا تكفي لبناء نفوذ مستدام.
٣- الموانئ أصبحت جزءاً من معادلات القوة والنفوذ، وليس فقط من منظومة التجارة.
٤- أي اتفاق اقتصادي يجب أن تتم قراءته أيضاً من زاوية الأمن القومي، خصوصاً عندما يتعلق بموقع جغرافي شديد الحساسية.
٥- مصر تحتاج إلى الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة الاستباق في ملفات البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
٦- دعم الدول الشقيقة يجب أن يقترن ببناء مصالح متبادلة تجعل استمرار الشراكة مصلحة للطرفين.
في النهاية •• لا أعتقد أن من الحكمة أن نصف الموقف الصومالي بمجرد الطعنة قبل أن نعرف تفاصيل أي اتفاق نهائي، كما لا أعتقد أن من الحكمة أن نتعامل معه باعتباره مجرد صفقة تجارية لا تستحق الاهتمام.
بين الموقفين توجد مساحة واسعة من العمل السياسي والاستراتيجي. إثيوبيا تبحث عن منفذ إلى البحر، والصومال يبحث عن استثمارات وعوائد اقتصادية وتعزيز لمكانته، وقوى إقليمية ودولية تنظر إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي باعتبارهما مساحة مهمة للنفوذ والمصالح.
أما مصر، فعليها أن تنظر إلى المشهد كله من زاوية واحدة لا تتغير: أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية وحماية البحر الأحمر وباب المندب وتأمين الطريق المؤدي إلى قناة السويس.
ولذلك، فإن القضية ليست: هل نسمح لإثيوبيا بالتجارة عبر ميناء صومالي أم لا؟ القضية الأعمق هي: كيف نضمن ألا يتحول الحق المشروع في الوصول إلى البحر إلى وسيلة لإعادة رسم موازين القوة في البحر الأحمر على نحو يضر بمصالح مصر والمنطقة؟ في قضايا الأمن القومي لا ننتظر حتى تتحول الاحتمالات إلى حقائق، ولا نبني مواقفنا على الظنون. نقرأ المشهد مبكراً، نتحرك في الوقت المناسب، ونحمي مصالحنا بالحكمة والقوة معاً.
فالبحر الأحمر ليس مجرد طريق للملاحة، وباب المندب ليس مجرد نقطة على الخريطة، ومن يفهم قيمة الجغرافيا جيداً يعرف أن حماية المصالح تبدأ قبل أن يبدأ الخطر في الظهور.