سلاح العطش.. كيف تعيد أزمات المناخ تشكيل خريطة الإرهاب في الساحل الأفريقي؟

استنادا إلى تقرير معهد الاقتصاد والسلام بالتعاون مع برامج الأمم المتحدة للبيئة الصادر عن عام ٢٠٢٦، أشارت المعطيات الاستراتيجية إلى أن أكثر من ٦٠٪ من أراضي مناطق رئيسية في حوض الساحل الأفريقي (بوركينا فاسو وأجزاء من مالي والنيجر) باتت خارج سيطرة الدول المركزية تماما. تزامن ذلك مع موجة جفاف غير مسبوقة تسببت في تآكل الرقعة الزراعية بنسبة تخطت ٤٠٪، وتشريد ونزوح أكثر من ٣٠ مليون إنسان يتنافسون بضراوة على ما تبقى من مصادر المياه وشبكات الري في حوض بحيرة تشاد والقرن الأفريقي.
في البؤر الجغرافية السابق الإشارة إليها، عمدت التنظيمات الإرهابية، مثل “نصرة الإسلام والمسلمين” و“داعش الساحل”، إلى استغلال الفراغ الناتج عن عجز الحكومات، عبر فرض سيطرة قسرية على آبار المياه الجوفية، والسيطرة على مسارات الرعي، وتحويل الموارد المائية النادرة إلى أدوات ابتزاز وإكراه للمجتمعات المحلية، وفرض لجان إدارية موازية تضمن ولاء السكان وتخلق بيئة حاضنة بالقوة، مستفيدة من موجات التهجير القسري لتجنيد الشباب الفاقدين لسبل العيش.
في هذا السياق، يبرز السؤال البحثي المركزي: كيف تستثمر التنظيمات الإرهابية في حزام الساحل وأفريقيا أزمات الشح المائي والتغير المناخي كأداة لإعادة هندسة ملاذاتها الجغرافية وتوسيع نطاق التجنيد؟ وما هي التداعيات الاستراتيجية على الأمن الإقليمي؟
الإرهاب البيئي:
اعتمدت التنظيمات الإرهابية تاريخيا على الخطاب الأيديولوجي أو التعبئة الطائفية والعرقية كمدخل رئيسي لتثبيت أقدامها في مناطق الهشاشة والصراع. غير أن التدهور المناخي الحاد والتصحر المستمر خلال السنوات الأخيرة فرضا واقعا بنيويا جديدا؛ إذ تراجعت دافعية الانتماء العقائدي لصالح “اقتصاد البقاء”. فأدركت الجماعات، مثل “نصرة الإسلام والمسلمين” و“داعش الساحل”، أن السيطرة على العقول لم تعد تسبق السيطرة على البطون، فتحولت من كيانات مسلحة تسعى لإسقاط النظم إلى سلطات أمر واقع، تحتكر إدارة شؤون المجتمعات المحلية عبر التحكم في الموارد النادرة، مستغلة عجز الدول المركزية عن تقديم أي مظلة إغاثية للمجتمعات المتضررة.
فعلى سبيل المثال، في المناطق الواقعة بين حدود مالي وبوركينا فاسو، عمدت التنظيمات المسلحة إلى فرض سيطرتها الكاملة على آبار المياه الجوفية الوحيدة المتبقية، وتنظيم عملية توزيع الحصص المائية للمزارعين والرعاة بشرط الولاء المطلق ودفع الزكاة الإجبارية، لتتحول بذلك المياه من نعمة طبيعية إلى أداة إكراه وتثبيت نفوذ جغرافي. وتشير هذه الممارسة إلى تبدل جوهري في مفهوم البيئة الحاضنة؛ فلم تعد تنشأ نتيجة القناعة الفكرية، بل بفعل القسر المادي والحاجات المعيشية الملحة، وهو ما يفرض على مراكز التفكير إعادة النظر في أدوات الرصد والتقييم التي تتجاهل الأمن البيئي.
في سياق متصل، تعيد المقارنة التاريخية بين سلوكيات تنظيم “داعش” في سوريا والعراق خلال فترة سيطرته على حوضي دجلة والفرات ومناطق الآبار النفطية، وبين ما تفعله تنظيمات الساحل الأفريقي اليوم، إنتاج عقيدة الاستنزاف البيئي بأساليب متطورة؛ فبينما استخدم داعش السيطرة على سد الفرات وسدود أخرى وسحب المياه كأداة إخضاع طائفي ومجتمعي، وشارك في تلويث الموارد الطبيعية وحرق آبار النفط لتشكيل دروع دخانية، تعتمد جماعات الساحل اليوم على سلاح العطش والتحكم في الآبار الجوفية كورقة ضغط.
في هذا السياق، تؤكد مخرجات هذا النهج التاريخي والمعاصر بوضوح أن التنظيمات الإرهابية تتبنى استراتيجية تحويل الطبيعة إلى سلاح دمار مزدوج، حيث لا يقتصر التهديد على إفشال الدول المركزية فحسب، بل يمتد إلى إحداث تخريب بيئي وبنيوي طويل الأمد يدمر سبل العيش لقرون قادمة. بناء عليه، واستشرافا للمستقبل، فإن استمرار هذا النمط يعني تحول الأزمات المناخية إلى محرك رئيسي ومستدام لتفريخ جيل جديد من الجماعات المسلحة العابرة للحدود، ما لم تتبن الاستراتيجيات الدولية مقاربة أمنية-بيئية مشتركة تحمي الموارد المائية وتقوض جذور التطرف من بيئته الحاضنة المستجدة.
البدائل الخدمية:
مع اتساع رقعة الأراضي الخارجة عن سيطرة الحكومات المركزية نتيجة عجز الموازنات وغياب التخطيط الاستباقي لمواجهة التغيرات المناخية، نجحت التنظيمات الإرهابية في ملء الفراغ المؤسسي بطريقة براغماتية خبيثة. لم تقتصر هذه التنظيمات على رفع السلاح، بل أنشأت لجانا إدارية محلية تختص بفض المنازعات الدموية التقليدية بين الرعاة والمزارعين الناتجة أصلا عن ندرة الماء، وفرضت تسويات وقواعد فصل قسرية تضمن ولاء الطرف الأقوى. هذا الدور جعل التنظيم يبدو في نظر مجتمعات محلية مهمشة بمثابة المنظم المؤقت في مواجهة غياب أو تراجع دور الدولة.
يتضح ذلك جليا فيما قامت به خلايا تابعة لتنظيم القاعدة في مناطق حوض بحيرة تشاد، من حفر آبار بديلة وحل نزاعات على المراعي بين قبائل الفولاني والمجتمعات الزراعية، مستغلة بطء وتيرة الإغاثة الحكومية، لتظهر الدولة بمظهر العاجز وغير الكفؤ. وتدعم هذه الاستراتيجية تفوقا تكتيكيا للمتطرفين في استغلال الأزمات البيئية؛ حيث تتحول التغيرات المناخية إلى مسرح استراتيجي لإضعاف شرعية الدول المركزية وتآكل هيبتها، مما يعقد جهود مكافحة الإرهاب التي تقتصر على الحلول الأمنية البحتة.
التهجير القسري:
أدى الشح المائي والجفاف المتلاحق إلى موجات نزوح داخلي وهجرة قسرية لملايين البشر من المناطق الريفية والرعوية نحو أطراف المدن الكبرى أو دول الجوار، مما خلق كتلا بشرية هشة تعيش في مخيمات تفتقر لأدنى مقومات الحياة. هذه البيئة العشوائية شكلت مفرخة بشرية مثالية لشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود وتجارة البشر، التي تتقاطع مصالحها بشكل عضوي مع التنظيمات الإرهابية، عبر إغراء الشباب الفاقدين لسبل العيش بالمال أو حمايتهم مقابل الانخراط في مسارات التهريب المسلح أو العمل كخلايا نائمة توظف للتجنيد.
وقد رصدت تقارير استخباراتية إقليمية ارتفاعا حادا في أعداد الشباب المنضمين لصفوف الجماعات المسلحة في منطقة الساحل الأوسط، والذين تنحدر أصولهم من قرى دمرها الجفاف تدميرا كاملا، ولم يجدوا خيارا معيشيا سوى قبول العروض المالية للشبكات الإرهابية المرتبطة بتجارة المخدرات والتهريب عبر الصحراء. إذ تؤكد هذه المعطيات أن الإرهاب المناخي يمثل حلقة وصل مدمرة تغذي شبكات الجريمة وتجعل من الهجرة القسرية موردا بشريا متجددا، مما يحتم مقاربة أمنية إقليمية تشمل إدارة الموارد المائية وحماية المجتمعات الهشة كخط دفاع أول ضد التطرف.
تشير المعطيات السابقة إلى أن التنظيمات المسلحة تتبنى استراتيجية تحويل الطبيعة إلى سلاح مزدوج لا يقتصر على إفشال الدول المركزية فحسب، بل يمتد إلى إحداث تخريب بيئي وبنيوي طويل الأمد يدمر سبل العيش. إذ يعد هذا النهج محركا رئيسيا لتفريخ جيل جديد من الأزمات المناخية، ويتسبب في تغذية شبكات الجريمة العابرة للحدود وتجارة البشر، مما يخلق بيئة حاضنة بالقوة لتجنيد الشباب الفاقدين لسبل العيش.
لذا، يقتضي الوضع الراهن تبني مقاربة أمنية إقليمية متجددة وشاملة لا تقتصر فقط على الحلول الأمنية البحتة لمكافحة الإرهاب، بل يقتضي الأمر سن استراتيجيات دولية ومحلية مشتركة تحمي الموارد المائية، وتدعم المجتمعات الهشة باعتبارها خط الدفاع الأول ضد التطرف. كما يجب التركيز على تقويض جذور التطرف في بيئته الحاضنة من خلال معالجة التغيرات المناخية، وسد الفراغ المؤسسي والخدمي الذي تستغله التنظيمات الإرهابية لإعادة هندسة مساحات نفوذها وتوسيع نطاق تجنيدها.