العدالة الدولية في ميزان القوة.. قراءة استراتيجية في مستقبل النظام الدولي وإشكاليات إصلاحه

منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، والعالم يحاول أن يقنع نفسه بأنه استوعب الدرس. كانت الخسائر أكبر من أن تُنسى، والدمار أوسع من أن يُختزل في أرقام. ومن بين أنقاض تلك الحرب وُلدت الأمم المتحدة، ومعها منظومة من المواثيق والقواعد التي أراد لها العالم أن تمنع تكرار الكارثة.

حماية السلم والأمن الدوليين، واحترام سيادة الدول، وصون حقوق الإنسان، والاحتكام إلى القانون بدلاً من القوة المنفردة؛ مبادئ لا يختلف اثنان على أهميتها. لكن بعد أكثر من ثمانية عقود، يبقى السؤال قائمًا: هل أصبح القانون الدولي بالفعل هو الحاكم للعلاقات بين الدول؟ أم أنه يعمل بكامل قوته فقط عندما تسمح له موازين المصالح بذلك؟

هنا، في تقديري، تكمن الأزمة. فالعالم لا يعاني نقصًا في المواثيق أو الاتفاقيات، ولدينا من النصوص والقواعد ما يكفي لتنظيم العلاقات الدولية وحماية الشعوب من ويلات الصراعات. لكن المشكلة تبدأ لحظة الانتقال من النص إلى التنفيذ، خاصة عندما يصطدم القانون بمصالح دولة كبرى أو بحسابات تحالف سياسي أو عسكري.

وقد شهدنا عبر العقود أزمات متشابهة، لكن العالم لم يتعامل معها بالطريقة نفسها. ففي أزمة تتحرك العواصم الكبرى سريعًا، وتنعقد الاجتماعات، وتصدر القرارات، وتُفرض العقوبات، وفي أزمة أخرى لا نسمع سوى بيانات القلق والدعوة إلى ضبط النفس، بينما تستمر الحرب ويتسع عدد الضحايا.

لماذا يختلف الموقف؟

الإجابة ليست بعيدة. فموقع أطراف الصراع على خريطة القوة الدولية له تأثير لا يمكن تجاهله. ويظل مجلس الأمن أحد أبرز الأمثلة على هذه الإشكالية. ولا يمكن إنكار الدور الذي قام به المجلس في إدارة أزمات ونزاعات عديدة، لكن حق النقض (الفيتو) أصبح يفرض سؤالًا مشروعًا: كيف نتحدث عن إرادة المجتمع الدولي، بينما تستطيع دولة واحدة أن توقف قرارًا تؤيده غالبية واسعة من دول العالم؟

أنا أدرك أن العلاقات الدولية لم تُبنَ يومًا على المثاليات وحدها. فالدول تتحرك وفق مصالحها، والقوى الكبرى تحسب خطواتها بمنطق النفوذ والأمن والمكاسب الاستراتيجية. هذه حقيقة قديمة قِدم الصراع بين الدول، لكن فهم الحقيقة لا يعني قبول الخلل إلى ما لا نهاية.

فإذا أصبح القانون حاسمًا أمام الضعفاء، ومترددًا أمام الأقوياء، فنحن لا نتحدث عن أزمة سياسية عابرة، بل عن أزمة ثقة في النظام الدولي ذاته.

ويمتد الأمر إلى القضاء الدولي؛ فصدور حكم قضائي مهم، لكن الأهم هو القدرة على تنفيذه. فالعدالة لا تكتمل بمجرد كتابة الحكم وإعلانه، وإنما تبدأ عندما يصبح القانون نافذًا على الجميع، دون النظر إلى حجم الدولة أو قوتها أو شبكة تحالفاتها. فالقانون الذي لا يمتلك أدوات إنفاذه قد يحتفظ بقيمته القانونية، لكنه يفقد تدريجيًا هيبته وتأثيره.

وقد أعادت الحرب في غزة هذه الأسئلة إلى الواجهة بقوة. فبعيدًا عن اختلاف المواقف السياسية تجاه الصراع، فإن حجم معاناة المدنيين وطول أمد الأزمة الإنسانية وضعا المجتمع الدولي أمام اختبار بالغ الصعوبة.

والسؤال هنا أكبر من غزة، رغم فداحة ما يحدث: ماذا يفعل النظام الدولي عندما تتعارض العدالة مع المصالح؟

هل قيمة الإنسان واحدة بالفعل أينما كان؟ وهل تتحرك المؤسسات الدولية بالقوة والسرعة نفسيهما في كل الأزمات؟ أم أن الجغرافيا والتحالفات وموازين القوة ما زالت تحدد حجم الاستجابة وحدودها؟ أسئلة صعبة، لكنها ضرورية.

وفي المقابل، أرى أن علينا، نحن في العالم العربي والدول النامية، أن نواجه حقيقة أخرى لا تقل أهمية.

لا يكفي أن تكون صاحب حق

قد تبدو العبارة قاسية، لكن التاريخ يؤكدها. فالسياسة الدولية لا تتحرك بالتعاطف وحده، والحقوق تحتاج إلى دول تعرف كيف تحميها وتدافع عنها.

وهنا لا أتحدث عن القوة العسكرية فقط، فمفهوم القوة أشمل بكثير. فالدولة القوية تبدأ من المدرسة قبل ميدان القتال، ومن تعليم يصنع عقلًا قادرًا على التفكير، وجامعة تنتج المعرفة، وبحث علمي يفتح أبواب المستقبل، واقتصاد يستطيع تحمل الضغوط، وصناعة تنافس، وتكنولوجيا لا نكتفي بشرائها من الآخرين.

والقوة أيضًا إعلام يفهم أن الصراع اليوم لم يعد على الأرض فقط، بل على العقول والوعي والرواية التي تصل إلى العالم. والقوة مؤسسات تعمل بكفاءة وتحترم القانون. ثم تأتي القوات المسلحة القادرة على حماية الدولة وردع من يفكر في تهديد أمنها أو مصالحها.

لكن هناك عنصرًا أراه أكثر خطورة من كثير من أدوات القوة، وهو تماسك المجتمع.

لقد علمنا التاريخ أن الدول لا تسقط دائمًا بسبب قوة أعدائها، وأحيانًا يبدأ الضعف من الداخل، عندما تتآكل الثقة، وتتسع الانقسامات، وتصبح المصالح الضيقة أكبر من المصلحة الوطنية.

ومن هنا، فإن الحديث عن ازدواجية المعايير الدولية، رغم صحته في حالات كثيرة، لا يجب أن يتحول إلى شماعة نعلق عليها ضعفنا.

نعم، النظام الدولي يحتاج إلى إصلاح، لكن ماذا فعلنا نحن لبناء قوتنا؟ هل استثمرنا كما ينبغي في التعليم؟ وهل أعطينا البحث العلمي مكانته الحقيقية؟ وهل امتلكنا التكنولوجيا، أم ظللنا مجرد مستهلكين لها؟ وهل بنينا اقتصادات قادرة على الصمود وقت الأزمات؟ هذه أسئلة يجب أن نواجهها بشجاعة.

أنا لا أرى أن العالم يحتاج إلى هدم النظام الدولي القائم، حيث إن هدمه قد يفتح أبوابًا لفوضى أشد خطورة، لكن إصلاحه أصبح ضرورة.

إعادة النظر في آليات اتخاذ القرار الدولي، وتوسيع المشاركة في صناعة هذا القرار، وتعزيز استقلال المؤسسات الدولية، والحد من الانتقائية في تطبيق القانون؛ كلها قضايا لم يعد من الممكن تأجيلها.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي لأي دولة أن تنتظر من العالم أن يحمي مصالحها نيابة عنها. فالدول التي بنت قوتها فرضت حضورها، والدول التي امتلكت العلم والاقتصاد والتكنولوجيا والردع أصبحت شريكًا في صناعة القرار، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.

القانون مهم، والعدالة ضرورة، والسلام غاية تسعى إليها الشعوب

لكن السلام الذي لا تحميه القوة قد يصبح هشًا، والحق الذي لا يجد من يدافع عنه قد يبقى سنوات طويلة حبيس القرارات والتصريحات والوثائق.

إن مستقبل النظام الدولي، في تقديري، يتوقف على معادلة دقيقة، وهي عدالة لا تخضع للانتقائية، وقوة مسؤولة لا تتحول إلى عدوان.

وحتى يصل العالم إلى هذه المعادلة، علينا أن نقرأ التاريخ جيدًا؛ فالعالم قد يستمع إلى صاحب الحق، لكنه يحسب ألف حساب لصاحب الحق عندما يمتلك القوة التي تحمي حقه.

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى