يا مصر.. بتعمليها إزاي؟.. كيف حوّلت الدولة المصرية سنوات العواصف إلى مسيرة بناء لا تتوقف؟

قد تستطيع دولة أن تنتصر في معركة، لكن الأصعب أن تنتصر على سلسلة متلاحقة من الأزمات دون أن تتوقف عن البناء. فعندما يصبح السؤال أكبر من مجرد إعجاب..

هناك سؤال يتردد كثيرًا في الداخل والخارج، ليس لأنه يحمل دهشة عابرة، وإنما لأنه يبحث عن تفسير لحالة تبدو مختلفة عن كثير من التجارب: يا مصر.. بتعمليها إزاي؟

كيف استطاعت دولة تعرضت، خلال سنوات قليلة، لاهتزازات سياسية، وضغوط اقتصادية، وحرب على الإرهاب، وجائحة عالمية، واضطرابات إقليمية متلاحقة، أن تستمر في البناء، بينما كانت دول أخرى تؤجل أحلامها حتى تهدأ العواصف؟

إن هذا المقال لا يسعى إلى تمجيد مجرد، ولا إلى تجاهل ما واجهته مصر من صعوبات حقيقية شعر بها المواطن في حياته اليومية، وإنما يحاول قراءة تجربة دولة من منظور استراتيجي؛ تجربة تؤكد أن الأمم لا تُقاس بعدد الأزمات التي مرت بها، بل بقدرتها على تحويل تلك الأزمات إلى محطات انطلاق. لقد اعتادت مصر، عبر تاريخها، أن تواجه المحن، لكنها في العقد الأخير واجهت ما يشبه “العاصفة الكاملة”: تحديات داخلية وخارجية، واقتصادية وأمنية وصحية وإقليمية، جاءت متتابعة دون أن تمنح الدولة فرصة لالتقاط الأنفاس. وكان المنطق يقول إن عجلة البناء يجب أن تتوقف، لكن ما حدث كان العكس.

من اختبار البقاء.. إلى استعادة التوازن

أعقبت أحداث يناير مرحلة بالغة التعقيد في التاريخ المصري الحديث، فقد تأثرت قطاعات الاقتصاد، وتراجعت الاستثمارات، وواجهت مؤسسات الدولة تحديات كبيرة في بيئة اتسمت بارتفاع الاستقطاب السياسي وعدم اليقين. وفي مثل هذه الظروف، تلجأ دول كثيرة إلى إدارة الأزمة فقط، وتؤجل أي رؤية للمستقبل، لكن التجربة المصرية سارت في اتجاه آخر، فكان الهدف الأول هو الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة باعتبارها الضامن الأساسي لاستمرار الوطن، ثم الانتقال تدريجيًا من إدارة الأزمة إلى استعادة القدرة على التخطيط والعمل. كانت تلك السنوات درسًا قاسيًا، لكنها كشفت، في الوقت نفسه، أن الدولة التي تمتلك مؤسسات راسخة تستطيع أن تستعيد توازنها مهما بلغت شدة العاصفة.

عندما اختار المصريون طريق الدولة

جاءت أحداث الثلاثين من يونيو لتشكل نقطة تحول في مسار الدولة المصرية، وتنظر إليها الدولة المصرية وقطاعات واسعة من المصريين باعتبارها تعبيرًا عن إرادة شعبية لإعادة بناء مؤسسات الدولة، بينما توجد رؤى سياسية أخرى تختلف في تقييمها. ومهما اختلفت القراءات، فإن السنوات التالية شهدت انتقالًا واضحًا نحو مشروع واسع لإعادة بناء الدولة، وتعزيز الاستقرار، والانطلاق في برامج إصلاح وتنمية امتدت إلى معظم القطاعات.

ولم تكن المهمة سهلة، ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة تعيد بناء مؤسساتها، كانت تواجه، في الوقت نفسه، تحديات أمنية خطيرة، وضغوطًا اقتصادية متزايدة، ونقاشات سياسية حادة على المستويين الداخلي والخارجي. لكن الرهان كان واضحًا:

إذا بقيت الدولة قوية، أصبح الإصلاح ممكنًا، أما إذا ضعفت الدولة، فلن يكون هناك إصلاح أصلًا.

معركة لم تكن على الأرض فقط.. بل على مستقبل الوطن

لم تكن مواجهة الإرهاب مجرد عمليات أمنية أو عسكرية، بل كانت معركة على هوية الدولة، وعلى حق المجتمع في أن يعيش آمنًا، وعلى قدرة الوطن على أن يواصل البناء. وقد دفعت القوات المسلحة والشرطة المصرية ثمنًا باهظًا من دماء أبنائها في هذه المواجهة، بينما كان الهدف الأبعد هو حماية الدولة من الدخول في دوامة الفوضى التي شهدتها بعض الدول في المنطقة. والدرس الذي خرجت به مصر من تلك المرحلة أن الأمن والتنمية ليسا طريقين منفصلين، بل طريق واحد؛ فلا تنمية بلا أمن، ولا أمن مستدامًا من دون تنمية تمنح المواطن الأمل.

بينما كان العالم يتوقف.. كانت مصر تبحث عن طريق للاستمرار

ثم جاءت جائحة كورونا، فأغلقت الحدود، وتوقفت حركة الطيران، واهتزت الاقتصادات، وأصبح العالم كله أمام امتحان غير مسبوق. في تلك اللحظة، لم يكن أمام أي دولة حلول مثالية، لكن كان عليها أن توازن بين حماية صحة المواطنين والحفاظ على استمرار مؤسساتها واقتصادها.

وفي مصر، اتجهت الجهود إلى دعم المنظومة الصحية، وتوسيع حملات التطعيم، والحفاظ على استمرار الخدمات الأساسية، إلى جانب مواصلة تنفيذ عدد من المشروعات القومية، مع برامج لدعم الفئات الأكثر احتياجًا. وفي الوقت نفسه، برزت تجربة مكافحة فيروس “سي” بوصفها إحدى أهم قصص النجاح في القطاع الصحي، مؤكدة أن الاستثمار في الإنسان ليس إنفاقًا، بل استثمار في قوة الدولة نفسها.

وهنا بدأ يتشكل مفهوم جديد للأمن القومي، فلم يعد الأمن حدودًا فقط، بل أصبح مستشفى، ومدرسة، وطريقًا، ومحطة كهرباء، وشبكة صرف صحي، وشبكة معلومات، وقدرة على إدارة الأزمات. ولعل هذه كانت إحدى أهم التحولات في فلسفة الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة.

حين اشتعل العالم.. لم تنطفئ ورشة البناء

بعد أن بدأت الدول تتعافى تدريجيًا من آثار جائحة كورونا، لم يمنح العالم فرصة حقيقية لالتقاط الأنفاس. فقد شهد اضطرابات اقتصادية عالمية، وتقلبات في أسعار الطاقة والغذاء، وضغوطًا تضخمية غير مسبوقة، ثم جاءت أزمات إقليمية متلاحقة ألقت بظلالها على منطقة الشرق الأوسط، بما حملته من انعكاسات اقتصادية وأمنية على دول المنطقة.

وكان من الطبيعي أن تتأثر مصر، باعتبارها جزءًا من الاقتصاد العالمي، وباعتبار موقعها الجغرافي الذي يجعلها في قلب محيط إقليمي شديد الحساسية. لكن اللافت أن الدولة، رغم تلك الظروف، لم تتعامل مع الأزمات باعتبارها مبررًا لإيقاف البناء، بل باعتبارها دافعًا لمواصلة العمل.

استمرت مشروعات الطرق والمحاور، وتواصل تطوير الموانئ والمناطق اللوجستية، وامتدت المدن الجديدة شرقًا وغربًا، وتواصلت مشروعات استصلاح الأراضي، وتطوير شبكات الكهرباء، والتوسع في الطاقة الجديدة والمتجددة، وبرامج التحول الرقمي، ومبادرات تطوير الريف، وتحسين الخدمات العامة. لقد كانت الرسالة واضحة: إذا كانت الأزمات تفرض واقعًا جديدًا، فإن الدولة يجب أن تكون أكثر استعدادًا له، لا أكثر ترددًا في مواجهته.

القوة لا تُبنى بالسلاح وحده

ربما كان من أكبر التحولات التي شهدتها الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة إعادة تعريف مفهوم القوة، فلم تعد القوة تُقاس فقط بما تمتلكه الدولة من قدرات عسكرية، رغم أهميتها، وإنما أصبحت تُقاس أيضًا بقدرتها على إنتاج الغذاء، وتأمين الطاقة، وبناء بنية تحتية حديثة، وإدارة الأزمات، وتطوير التعليم والصحة، وتعزيز كفاءة مؤسساتها.

ومن هذا المنطلق، اتجهت الدولة إلى تحديث منظوماتها المؤسسية، وتطوير قدراتها في مجالات القيادة وإدارة الأزمات، في إطار رؤية أشمل لتعزيز الأمن القومي بمفهومه المتكامل. ولذلك، فإن كل طريق جديد، وكل ميناء حديث، وكل مدينة ذكية، وكل محطة كهرباء، وكل مشروع زراعي، لم يكن مجرد إنجاز تنموي، بل كان جزءًا من معادلة الأمن القومي للدولة.

الإنسان.. الاستثمار الذي لا يخسر

قد تُبنى الطرق في سنوات، وتُشيد المدن في عقود، لكن بناء الإنسان هو المشروع الذي لا يتوقف. ولهذا لم تقتصر الجهود على البنية الأساسية، بل امتدت إلى الاستثمار في صحة المواطن، وتطوير التعليم، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وإطلاق المبادرات التي تستهدف تحسين جودة الحياة. فالإنسان هو الغاية، وهو الوسيلة، وإذا كان الوطن يُبنى بالحجر، فإنه يحيا بالإنسان.

لماذا تبدو مصر مختلفة؟

السؤال الحقيقي ليس: كم مشروعًا أنجزت مصر؟ ولا: كم طريقًا شيدت؟ ولا: كم مدينة بنت؟

السؤال الحقيقي هو: كيف استطاعت أن تفعل ذلك، بينما كانت تواجه كل تلك الضغوط؟

الإجابة، في تقديري، تكمن في أربعة عناصر رئيسية، هي:

١- وجود مؤسسات دولة حافظت على قدرتها على العمل في أصعب الظروف.

٢- تبني رؤية طويلة المدى تقوم على أن التنمية ليست رفاهية، وإنما جزء من الأمن القومي.

٣- الاستثمار المستمر في البنية الأساسية باعتبارها أساس النمو الاقتصادي.

٤- قدرة المجتمع المصري، رغم ما تحمله من أعباء، على الحفاظ على تماسكه وإدراكه أهمية استقرار الدولة.

وهنا تتجلى خصوصية التجربة المصرية، فلم يكن الرهان على تجاوز أزمة بعينها، بل على بناء دولة قادرة على مواجهة أي أزمة قادمة.

ليست نهاية الطريق.. بل بداية مرحلة جديدة

لا أحد يستطيع أن يدعي أن كل التحديات قد انتهت، فالاقتصاد العالمي لا يزال مضطربًا، والمنطقة لا تزال تمر بتحولات متسارعة، والضغوط على الدول النامية ما زالت قائمة. لكن الفارق بين دولة وأخرى ليس في حجم التحديات، وإنما في طريقة التعامل معها.

وقد أظهرت التجربة المصرية أن الاستمرار في البناء أثناء الأزمات يمنح الدولة قدرة أكبر على التعافي عندما تهدأ العواصف. ولهذا، فإن ما تحقق لا ينبغي النظر إليه باعتباره نهاية الطريق، وإنما خطوة في مسيرة تحتاج إلى المزيد من العمل، والإصلاح، وتعزيز الإنتاج، والاستثمار في الإنسان، وترسيخ ثقافة الكفاءة والابتكار.

دروس من التجربة المصرية

لقد قدمت السنوات الماضية مجموعة من الدروس المهمة، من أبرزها الآتي:

١- أن الدولة القوية هي التي تحافظ على مؤسساتها وقت الأزمات.

٢- أن الأمن القومي يبدأ من الإنسان، ولا ينتهي عند الحدود.

٣- أن التنمية ليست ترفًا يُؤجل، بل ضرورة تحمي الاستقرار.

٤- أن الاستثمار في البنية الأساسية هو استثمار في المستقبل.

٥- أن الوعي المجتمعي يمثل أحد أهم عناصر القوة الوطنية.

٦- أن الحوار، والعمل، والانضباط المؤسسي، عوامل لا غنى عنها لعبور المراحل الصعبة.

يا مصر.. بتعمليها إزاي؟

بعد كل ما مر على هذا الوطن، قد يختلف الناس في السياسة، وقد تتباين آراؤهم في الاقتصاد، وقد تتعدد قراءاتهم للأحداث، لكن يصعب إنكار حقيقة واحدة، هي أن مصر واجهت خلال سنوات قليلة تحديات متلاحقة، واستمرت في العمل، وحافظت على مؤسساتها، وواصلت تنفيذ مشروعاتها، وسعت إلى تعزيز قدراتها في مجالات متعددة.

ولعل السر لا يكمن في أن مصر لم تعرف الأزمات، بل في أنها لم تسمح للأزمات أن تصبح قدرها. لقد آمنت بأن انتظار الظروف المثالية قد يطول، وأن المستقبل لا يُمنح للأمم، بل تصنعه بإرادتها.

ولهذا، لم تكن التنمية في مصر رد فعل على أزمة، بل أصبحت نهجًا مستمرًا، ولم يكن الأمن مجرد مهمة عسكرية، بل مشروعًا وطنيًا يشمل الإنسان، والمؤسسة، والاقتصاد، والمعرفة.

وهكذا، كلما ظن البعض أن العاصفة ستوقف المسيرة، كانت مصر ترد بطريق جديد، أو مدينة جديدة، أو مستشفى جديد، أو مدرسة جديدة، أو مشروع يفتح بابًا جديدًا للأمل.

وهنا فقط تتضح الإجابة:

يا مصر.. بتعمليها إزاي؟

لأنها دولة لا تقيس نفسها بحجم الأزمات التي تواجهها، بل بحجم الإرادة التي تمتلكها لتتجاوزها، وتواصل البناء، وتكتب مستقبلها بيدها.

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى