د. عبدالحميد كمال يكتب..2027 عام انتخابات المحليات (الفرص – التحديات)

من المنطقي والمفيد أن نقدم التوصيف الراهن لأوضاع المحليات في بلدنا، حتى يكون نقطة انطلاق إلى تحديد الفرص الذهبية لحل تلك المشكلة، ومن هنا نقول:
لا شك أن بلادنا قد خسرت، بطول المحافظات المصرية من أسوان إلى الإسكندرية، بسبب تأخير إصدار قانون الإدارة المحلية الجديد المستحق، باعتباره من القوانين المكملة للدستور. وقد تعددت مظاهر الخسائر وفقًا للنقاط التالية:
أولًا: الواقع والتقارير الرسمية
كشفت التقارير الرسمية عن الواقع الراهن لأوضاع المحليات في بلدنا عن:
١. تراكم ما يزيد على 24 مليون طن قمامة سنويًا من مخلفات المواد الصلبة والزراعية ومخلفات الهدم والبناء.
٢. وجود 97 ألف عقار قابل للسقوط ومصنف غير كامل للترميم ومطلوب هدمه، وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء. هذا غير الحوادث المتكررة وشبه اليومية لظاهرة سقوط العمارات، التي كان آخرها منشورًا عن حادث سقوط عقار الإسكندرية يوم 25 أغسطس 2026.
٣. التعديات على 3 ملايين ونصف مليون فدان من الأراضي الزراعية، و4 مليارات متر مربع تعديات على أراضي البناء، غير مخالفات البناء الأخرى للقيود والارتفاعات والأبراج السكنية المخالفة.
٤. وجود 306 آلاف من الأسواق العشوائية بالمحافظات، تشمل كافة أنواع الأسواق (تجاري غذائي/ حرفي ومختلط)، وفق تقرير لجنة الإدارة المحلية عن الأسواق العشوائية المقدم، والذي نوقش في دور الانعقاد الخامس 2020، الفصل التشريعي الأول.
٥. يوجد 1090 موقفًا لسيارات الأجرة الميكروباص، و868 ساحة انتظار غير رسمية عشوائية.
٦. عدم وجود عدالة في توزيع المخصصات المالية بين المحافظات، وفقًا لتقرير لجنتي الخطة والموازنة والإدارة المحلية لمجلس النواب الأخير، أبريل 2026، حيث تحصل محافظات على نصيب الأسد، مثل (القاهرة والإسكندرية..)، بينما تعاني محافظات أخرى من انخفاض المخصصات المالية في الوجهين القبلي والبحري وإقليم القناة.
٧. منظومة الشكاوى الحكومية: وقد أدت المظاهر السابق ذكرها على أرض الواقع، عن مستوى الخدمات بأرقامها الرسمية، إلى حجم من الشكاوى بلغ أكثر من 2 مليون شكوى عام 2025، وفق تصريحات السيد رئيس الوزراء عن دور منظومة الشكاوى الحكومية (صوتك مسموع/ نحن معك وشكاوى المراكز التكنولوجية بالمحافظات).
وقد ثبت من تحليل البيانات وطبيعة الشكاوى أن أكثر من 80% منها كان بسبب الخدمات المحلية.
ثانيًا: خسائر الحكومة
حملت الحكومة المركزية وحدها عبء الانفراد بالصلاحيات الكاملة لإدارة 27 محافظة، و189 مركزًا، و249 مدينة، و91 حيًا، و1331 وحدة محلية، و3381 قرية وتوابعها. وقد أدى ذلك، بسبب تطبيق المركزية الشديدة وعدم تطبيق اللامركزية، إلى تفاقم المشاكل والتعقيدات المرتبطة بالأعباء الاجتماعية والاقتصادية، وبسبب الانفراد بتحديد أسعار الخدمات والمنتجات المحلية على المواطنين.
١- ١٢ وزيرًا للإدارة المحلية: كما تحملت الحكومة أعباء تعيين 12 وزيرًا للإدارة المحلية من بعد ثورة 25 يناير 2011 وحتى الآن، وهم الوزراء المحترمون: (اللواء عبد السلام المحجوب/ اللواء محسن النعماني/ دكتور محمد أحمد عطية/ اللواء أحمد زكي عابدين/ دكتور محمد علي بشر “الإخواني”/ اللواء عادل لبيب/ دكتور أحمد زكي بدر/ دكتور هشام الشريف/ اللواء أبو بكر الجندي/ اللواء محمود شعراوي/ اللواء هشام آمنة/ والسيدة منال عوض وزيرة الإدارة المحلية الحالية).
٢- 127 محافظًا: كما تحملت الحكومة أعباء إصدار قرارات تنفيذية بتعيين 127 محافظًا في عدد من حركات المحافظين، سواء بالتعيين أو التغيير، وشملت التغييرات كافة المحافظات على مستوى الجمهورية، هذا غير تعيين عشرات من نواب المحافظين من الشباب. وقد كشف تقرير عن مركز بصيرة لأبحاث قياس الرأي العام، عن تقييم أداء المحافظين والعلاقة برضا المواطنين في المحافظات، عن وجود فجوة بين أداء المحافظين ورضا المواطنين.
٣. الوثائق الرسمية: كشفت رؤية مصر للتنمية المستدامة، المعروفة باسم رؤية 2030، والتي أعلنت فيها الحكومة عن الانتهاء من إجراء انتخابات المجالس المحلية خلال عام 2017.
كما حددت وثيقة البرنامج التنفيذي للحكومة، التي نشرت تحت عنوان كبير (نعم نستطيع)، وهي الوثيقة التي قدمتها حكومة رئيس الوزراء المهندس شريف إسماعيل إلى مجلس النواب، بالتحديد سنة 2017 عامًا للمحليات وإجراء الانتخابات باعتبارها مطلبًا ديمقراطيًا ودستوريًا.
ثالثًا: خسائر البرلمان
كما خسر البرلمان القيام بدوره الأصيل والأهم وصلاحياته في التشريعات التي يحتاجها المجتمع، خصوصًا التي لها أولوية دستورية، بغياب قانون الإدارة المحلية الجديد، والذي رفضه المجلس أثناء مناقشته أمام الجلسة العامة بتاريخ 22 ديسمبر 2019، حيث وقف زعيم الأغلبية، رئيس حزب مستقبل وطن، النائب “أشرف رشاد”، ليعلن رفضه باسم الأغلبية لمشروع القانون الذي تقدمت به لجنة الإدارة المحلية، واستخلاصًا من أربع قوانين قدمها النواب (محمد عطية الفيومي/ عبد الحميد كمال/ محمد فؤاد/ أحمد السجيني، وتعديل للنائب عبد المنعم العليمي)، والذي استمرت مناقشاته وإعداده وتقديمه للجلسة العامة لمدة 72 يومًا، وعلى مدار أكثر من 255 ساعة عمل، إلى أن العضو (أشرف رشاد)، زعيم الأغلبية البرلمانية باسم (حزب مستقبل وطن)، قد أعلن رفضه لمشروع القانون الجديد أمام الجلسة العامة للبرلمان، وتضامن معه النائب (أيمن أبو العلا)، رئيس حزب المصريين الأحرار. وقد قدم الاثنان مبررات للرفض لثلاثة أسباب:
١. عدم دستورية القانون.
٢. عدم استعداد الحكومة لإجراء الانتخابات المحلية.
٣. عدم جاهزية الأحزاب لانتخابات المحليات.
وهنا تم التصويت بالأغلبية، وتم تجميد مشروع القانون.
وبالرغم من أن الأقلية داخل البرلمان، من نواب تكتل 25-30 المعارض البرلماني وبعض النواب المستقلين، ردوا على تلك المبررات، فإنه في النهاية كان التصويت لصالح الأغلبية.
وقد خسر البرلمان كثيرًا بسبب ضياع وقت المجلس وهدر جهود النواب في مناقشة القضايا المحلية، وعدم القيام بدورهم التشريعي والرقابي، ومناقشة السياسات العامة، والموافقة على الموازنة والميزانية والحساب الختامي وغيرها من المهام الأصيلة للمجلس، وهنا قد خسر المجلس أيضًا سمعته في عدم الانتهاء من قانون مكمل للدستور.
المبررات الوهمية ضد القانون:
كما استمرت الحكومة والأغلبية البرلمانية التابعة لها داخل البرلمان في تصدير مجموعة من المبررات التي أدت إلى تأخير صدور قانون الإدارة المحلية طوال السنوات الماضية، ومن هذه المبررات:
١. ارتفاع التكلفة المالية الكبيرة لانتخابات المحليات.
٢. عدم جاهزية الأحزاب وتنسيقية الشباب لانتخابات المجالس المحلية.
٣. طرح الحكومة عددًا من البدائل للمجالس المحلية بأسماء مختلفة، منها: المجالس الاستشارية، والمجالس المؤقتة، والمجالس الاقتصادية والاجتماعية.
٤. التبرير بوجود فجوة عمرية بين الشباب منذ 2008 وحتى 2026، بين جيل من الشباب لا يعرف المحليات.
٥. عدم وجود مقرات كافية للمجالس المحلية الشعبية.
٦. تزاحم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بغرفتيها، نواب وشيوخ، وانتخابات النقابات العمالية، وعدم وجود زمن لانتخابات المحليات.
٧. إعادة التقسيم والتوزيع الإداري للمحافظات بشكل أفقي وإنشاء موانئ للمحافظات.
٨. تعارض المحليات مع المجتمعات العمرانية الجديدة.
٩. شبهة عدم الدستورية لمشاريع القوانين المقدمة أمام مجلس النواب عن المحليات.
١٠ فزاعة فوز الإخوان المسلمين والسيطرة على المحليات.
١١. صعوبة إجراء انتخابات المحليات والتمثيل النسبي للفئات التي حددها الدستور بين العمال والفلاحين والمرأة والمسيحيين وذوي الاحتياجات الخاصة.
١٢. التمسك من قبل الحكومة بالمركزية الشديدة خوفًا من تفكك البلاد.
١٣. عدم اعتماد الموازنات المالية المخصصة لانتخابات المحليات.
١٤. سحب برامج تثقيف الشباب ونقل الخبرة لهم من أجل المحليات، وهي البرامج التي أعلنت عنها عدد من الوزارات، منها الشباب والرياضة والمحليات وغيرها.
١٥. صعوبة تنفيذ رؤية مصر (20/30) أو برنامج الحكومة التنفيذي (نعم نستطيع).
وقد أدت تلك المبررات وغيرها، رغم تفنيدها، إلى تأخير إصدار قانون الإدارة المحلية الجديد.
الفرصة الذهبية لإجراء انتخابات المحليات عام 2027:
أولًا: يعتبر عام 2027 هو المناسب زمنيًا لإجراء انتخابات المجالس المحلية الشعبية، وذلك لخلو هذا العام من أي انتخابات رئاسية أو برلمانية أو نقابية، ولا يوجد به أي نوع من التزاحم الزمني مع أي انتخابات أخرى.
ثانيًا: وجود إجماع من الأحزاب والقوى السياسية من كافة الاتجاهات أمام مؤتمر وتوصيات الحوار الوطني 2023، بأهمية وسرعة إجراء انتخابات المجالس المحلية الشعبية وإصدار القانون، وهي التوصية التي أكد عليها رئيس الجمهورية وتعهد بضرورة أن يتم تنفيذ كافة توصيات مؤتمر الحوار الوطني.
ثالثًا: رغبة كبيرة من المواطنين في المحليات والجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني بضرورة انتخابات المحليات، باعتبارها داعمة جماهيريًا لإنجاح الانتخابات.
الخلاصة
وجود مشروع قانون متكامل يشمل 156 مادة، مقسمة على أربعة أبواب:
الأول.. عن التنظيمات الأساسية للإدارة المحلية.
الثاني.. المجالس المحلية.
الثالث.. الموارد المالية.
الرابع.. التنظيمات الأساسية للإدارة المحلية.
وقد قدم المشروع متسقًا ومتوافقًا مع دستور 2024، وهو المشروع المقدم بفلسفة واضحة للقانون، والذي ينظم أشكال الوحدات المحلية والقواعد الخاصة بها من حيث تشكيلها وآليات العمل وعلاقات كل منها بمستويات التدرج الإداري، من خلال مراعاة العمل على تنظيم أشكال الوحدات الإدارية والمجالس المحلية.
وقد فضل مشروع القانون الجديد نظام المجلسين: (المحلي الشعبي) المنتخب، والآخر (المجلس التنفيذي) المعين، وذلك لفصل الرقابة عن التنفيذ، مؤكدًا أن التنمية بالمشاركة حق المجالس المنتخبة في تقديم الأولويات وتحديدها، مع تلازم السلطة والمسؤولية والمحاسبة، ثم الانتقال إلى اللامركزية العامة للدولة وفق برنامج زمني محدد.
ويأتي ذلك بعد أن قدم مشروع القانون المتكامل من اللجنة المشتركة من “لجنة الإدارة المحلية ومكتبي لجنتي الشؤون الدستورية والتشريعية والخطة والموازنة” في ديسمبر 2019.
وهو ذات المشروع الذي تم تأجيله وتجميده بفعل الأغلبية أمام الجلسة العامة لمجلس النواب في ذات التاريخ المذكور.
كما أن القانون لا يتعارض مع اللائحة الداخلية المعروفة بالقانون رقم واحد لسنة 2016، ويتوافق مع الدستور ومواد اللائحة التي تؤكد على دور لجنة الإدارة المحلية وباقي اللجان.
والأمر لا يحتاج سوى إعداد التقرير وطرحه على الجلسة العامة للمجلس طبقًا للائحة وطبقًا للدستور.
وأخيرًا، تبقى الأسئلة الإيجابية المهمة من أجل مستقبل بلادنا:
أيهما أفضل: أن نبقى سنوات طويلة بدون مجالس محلية منتخبة تمارس حقها الدستوري؟
أيهما أفضل: زيادة حجم الفساد أم مواجهته لصالح التنمية المستدامة لبلادنا؟
أيهما أفضل: انخراط الشباب المصري وتمكينه في أوسع مشاركة، أم تركه إلى السلبية، حيث إن أكثر من 65% من مجموع الشعب المصري شباب، ويمكنه المشاركة بشكل فاعل في انتخابات المجالس المحلية وتكوين صف ثانٍ من الكوادر الشابة يكون دائمًا لمستقبل بلادنا والمشاركة في تحمل المسؤولية؟
وهنا، أعتقد أنه آن الأوان، من وجهة نظرنا، وأعتقد أن الجميع يتفق معنا، في أن من المهم الانتصار لحق إصدار القانون في 2027 وإجراء الانتخابات، بحيث يكتمل العمل الديمقراطي ومؤسسات الدولة طبقًا للدستور.