أديس أبابا والقاهرة.. ما وراء القرار؟

قرار دبلوماسي في توقيت شديد الحساسية.. ماذا يجري في قلب القرن الأفريقي؟

هناك أحداث تبدو في ظاهرها صغيرة، لكنها عندما تأتي في توقيت شديد الحساسية تصبح أكبر من تفاصيلها، وقرار إثيوبيا إعلان أحد أعضاء البعثة الدبلوماسية المصرية شخصًا غير مرغوب فيه، ومنحه مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد، ثم الرد المصري بإجراء مماثل، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد خلاف دبلوماسي عابر بين القاهرة وأديس أبابا.

فالقرار الإثيوبي جاء في اليوم نفسه الذي أعلنت فيه أديس أبابا إغلاق سفارتها في أسمرا وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، في تصعيد جديد للعلاقات الإثيوبية – الإريترية، بينما تشهد مناطق في شمال إثيوبيا توترات أمنية وسياسية متزايدة.

ثم جاء الرد المصري هادئًا ومباشرًا، بإعلان أحد أعضاء السفارة الإثيوبية في القاهرة شخصًا غير مرغوب فيه ومنحه 48 ساعة للمغادرة، مع تأكيد القاهرة أن القرار الإثيوبي غير مبرر، وتمسكها باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. هنا لا ينبغي أن نتوقف عند عنوان الخبر، فالسؤال الأهم: ماذا يجري في القرن الأفريقي؟ ولماذا ظهرت مصر في قلب هذا المشهد في هذا التوقيت تحديدًا؟

قرار دبلوماسي •• ولكن بلا أسباب معلنة

أعلنت إثيوبيا قرارها استنادًا إلى اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، لكنها لم تعلن للرأي العام سببًا محددًا أو تفاصيل للسلوك الذي استند إليه القرار، وهنا يجب أن نكون دقيقين، فالقانون الدولي الدبلوماسي يتيح للدولة المضيفة إعلان أحد أعضاء البعثة الدبلوماسية شخصًا غير مرغوب فيه، ولذلك فإن عدم إعلان السبب لا يعني في حد ذاته وقوع مخالفة قانونية من جانب إثيوبيا.

لكن، في المقابل، فإن هذا القرار لا يمثل حكمًا قضائيًا على الدبلوماسي، ولا يشكل بذاته دليلًا على ارتكابه مخالفة أو نشاطًا غير مشروع، وهذه نقطة جوهرية في قراءة الأزمة، فالقرار الدبلوماسي شيء، وإثبات المسؤولية أو المخالفة شيء آخر تمامًا، ومن هنا فإن التعامل المصري الصحيح مع الأزمة يجب أن يقوم على الهدوء وطلب الإيضاحات عبر القنوات الرسمية ورفض أي اتهام غير موثق، مع الاحتفاظ بكل الخيارات الدبلوماسية التي يحفظها القانون.

المشكلة ليست في الدبلوماسي •• وإنما في السياق

لو جاءت الواقعة منفردة، لكان من الممكن التعامل معها باعتبارها خلافًا دبلوماسيًا محدودًا، لكنها لم تأتِ منفصلة. إثيوبيا تواجه توترات متجددة في إقليم تيجراي، في الوقت الذي تشهد فيه علاقاتها مع إريتريا تصعيدًا حادًا، بينما تتداخل في المنطقة ملفات السودان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وقد دعا الاتحاد الأفريقي، في الأول من أكتوبر الجاري، إلى أقصى درجات ضبط النفس والحفاظ على قنوات الاتصال وتسوية الخلافات من خلال القنوات الدبلوماسية والحوار السلمي، في ضوء تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا ومصر. إذن نحن أمام مشهد إقليمي متشابك، وليس مجرد واقعة دبلوماسية منفردة.

بين الاتهام والدليل

خلال التطورات الأخيرة ظهرت اتهامات إثيوبية لمصر وإريتريا والسودان بدعم أطراف معارضة للحكومة الإثيوبية، وهنا يجب أن تبقى الأمور في إطارها الصحيح، فهذه اتهامات منسوبة إلى الجانب الإثيوبي وليست حقائق يمكن التعامل معها باعتبارها مثبتة ما لم تُقدم أدلة يمكن التحقق منها.

وقد نفت أطراف أخرى هذه الاتهامات، فيما لم تتضمن التقارير المتاحة علنًا دليلًا مستقلًا يثبت تورط مصر في تلك الأنشطة. وهنا تظهر قاعدة لا يجوز أن تغيب عن أي قراءة سياسية أو أمنية: ليس كل ما يقال في الأزمات يصبح حقيقة بمجرد إعلانه. هناك فارق بين الاتهام والدليل، وبين التفسير والواقعة، وبين الأزمة الداخلية والبحث عن طرف خارجي لتحميله مسؤولية تداعياتها.

وفي الوقت نفسه، لا يعني ذلك أن مصر يمكن أن تتجاهل ما يحدث في إثيوبيا.

فالقاهرة معنية مباشرة بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي واستقرار السودان وأمن الملاحة وتطورات البحر الأحمر وباب المندب وملف مياه النيل، وكل تطور يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الأمن القومي المصري، لكن المتابعة شيء والتدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى شيء آخر، وهذا هو الفارق الذي يجب أن تحافظ عليه مصر في خطابها وتحركها.

لماذا لا ينبغي أن تنجر مصر إلى معركة التصريحات؟

لأن بعض الأزمات تبدأ بتصريح، ثم تتحول إلى اتهام، ثم إلى رد، ثم يصبح الرد عنوانًا جديدًا للأزمة، وهنا قد تجد الدولة نفسها تتعامل مع أزمة لم تبدأها، ولكنها أصبحت مطالبة بالدفاع عن نفسها في كل وقت وحين.

ومصر ليست مطالبة بأن تدخل في سجال إعلامي مع أديس أبابا، ولا بأن ترد على كل تصريح بتصريح. المطلوب أكثر قوة •• أن تتحدث القاهرة عندما يكون الكلام ضرورة، وأن تستخدم الوثيقة والدليل والقانون عندما يكون الرد مطلوبًا، وأن تترك للوقائع مهمة الرد على ما عدا ذلك.

من المهم ألا تختلط الملفات

فملف سد النهضة له مساره القانوني والدبلوماسي والسياسي، والأزمة الإثيوبية الداخلية لها حساباتها الخاصة، والعلاقات المصرية مع دول القرن الأفريقي والبحر الأحمر لها أبعادها الأوسع، وخلط هذه الملفات في مواجهة واحدة قد يزيد مساحة التوتر بدلًا من أن يحد منها.

ماذا تفعل القاهرة؟

المطلوب ليس التصعيد، وليس التراجع، المطلوب إدارة الأزمة كالتالي:

١- الحفاظ على خطاب دبلوماسي متوازن، مع طلب الإيضاحات عبر القنوات الرسمية بشأن ملابسات القرار الإثيوبي.

٢- التعامل مع أي اتهام لمصر بقاعدة واضحة: إذا وُجد ادعاء فليقدم دليله.

٣- التحرك داخل الاتحاد الأفريقي لشرح الموقف المصري، لا بهدف تحويل المنظمة إلى ساحة مواجهة، وإنما لمنع بناء رواية أحادية الجانب حول الأزمة.

٤- متابعة التطورات الأمنية والسياسية في إثيوبيا وإريتريا والسودان وشمال القرن الأفريقي، لأن تداخل هذه الأزمات قد ينتج تداعيات تتجاوز حدود الدول المعنية.

٥- حماية المصالح المصرية دون الانجرار إلى خطوات انفعالية يمكن أن توسع نطاق الأزمة.

وهذا يتسق مع دعوة الاتحاد الأفريقي إلى خفض التصعيد والحفاظ على قنوات الاتصال والحوار.

الأيام المقبلة •• الأفعال أهم من التصريحات

لا يمكن الجزم مسبقًا بما ستؤول إليه الأزمة، لكن هناك مجموعة من المؤشرات التي تستحق المتابعة: هل ستتوقف الإجراءات عند حدود التبادل الدبلوماسي الحالي؟ هل ستظهر اتهامات جديدة؟ هل ستقدم إثيوبيا تفسيرًا إضافيًا لقرارها؟ هل ستتجه الأطراف إلى خفض التصعيد أم إلى إجراءات دبلوماسية جديدة؟ والأهم، هل سيظل الخلاف في إطاره الدبلوماسي أم ستتداخل معه التطورات العسكرية والسياسية المتسارعة في القرن الأفريقي؟

هذه الأسئلة أهم من الضجيج الإعلامي المصاحب للأزمة، فالمرحلة المقبلة يجب أن تُقرأ من خلال الأفعال لا التصريحات، والتحركات لا البيانات وحدها.

مصر لا تبحث عن مواجهة •• لكنها لا تقبل أن تكون ساحة لأزمات الآخرين

الوقوف إلى جانب مصر في مثل هذه الظروف لا يعني الدعوة إلى التصعيد، ولا يعني الدخول في خصومة مع الشعب الإثيوبي، ولا يعني إطلاق اتهامات مضادة بلا دليل، إنما يعني الدفاع عن الحقيقة واحترام القانون ورفض تحميل مصر مسؤولية أزمات لم يثبت ارتباطها بها، وفي الوقت نفسه الاستعداد الكامل لكل الاحتمالات.

أما إثيوبيا فمن حقها أن تدافع عن أمنها ومصالحها، لكن من حق مصر كذلك أن ترفض أي اتهامات غير موثقة، وأن تطالب بأن تكون العلاقات بين الدول قائمة على الأدلة والقنوات الرسمية، لا على تبادل الاتهامات.

في النهاية، ما حدث بين القاهرة وأديس أبابا خلال الساعات الماضية قد يكون أزمة دبلوماسية محدودة، وقد يكون جزءًا من مشهد أكبر يتشكل في القرن الأفريقي، ولهذا فإن الخطأ هو أن نقرأ الحدث منفصلًا عن محيطه.

مصر لا تحتاج إلى حرب تصريحات، تحتاج إلى حرب حقائق، ولا تحتاج إلى صدام مع أفريقيا، تحتاج إلى حضور أقوى داخل أفريقيا، ولا تحتاج إلى الانفعال أمام اتهام لم يقدم دليله، تحتاج إلى أن تجعل الدليل هو اللغة التي تتحدث بها.

وفي الأزمات الكبرى لا تُقاس قوة الدولة بارتفاع صوتها، وإنما بقدرتها على أن تبقى هادئة وهي تراقب، وحازمة وهي تتحرك، ومستعدة وهي تنتظر. مصر لا تبحث عن مواجهة مع أحد، لكنها في الوقت نفسه لن تسمح بأن تتحول إلى شماعة لأزمات الآخرين.

وفي قلب القرن الأفريقي، حيث تتقاطع المياه والأمن والسياسة والموانئ والحدود والمصالح الدولية، فإن الرسالة المصرية يجب أن تكون واضحة: هدوء بلا ضعف •• حزم بلا تهور •• دبلوماسية بلا تراجع •• واستعداد لا يغفل عن شيء.

هذه هي الدولة التي تعرف كيف تحمي مصالحها دون أن تفقد قدرتها على إدارة الأزمة.

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى