لواء دكتور أحمد زغلول يكتب: في غزة.. لا نكبر

استوقفني مشهد بسيط، لكنه يحمل من المعاني ما يفوق كثيرًا من البيانات والتقارير. كان مذيع يتحدث مع طفل فلسطيني من قطاع غزة، وطرح عليه السؤال الذي اعتدنا أن نطرحه على الأطفال: (عاوز تطلع إيه لما تكبر؟)

صمت الطفل لثوانٍ قليلة، ثم قال: (إحنا هنا في غزة ما بنكبرش.. إحنا ممكن نستهدف ونموت في أي لحظة).

ثلاث ثوانٍ فقط كانت كافية لتختصر مأساة كاملة. فالطفل في الحياة الطبيعية يفكر في الغد، ويحلم بالمهنة التي يريدها، وبالمدرسة التي سيذهب إليها، وبالحياة التي تنتظره. أما هذا الطفل فلم يكن يفكر في ماذا سيصبح عندما يكبر، بل في سؤال أكثر قسوة: هل سيصل أصلًا إلى مرحلة الكِبَر؟

هنا تكمن المأساة، حين تُسرق من الطفل فكرة المستقبل. الحرب لا تهدم المنازل فقط، ولا تنتهي آثارها بانتهاء القصف. أخطر ما يمكن أن تفعله بالإنسان أن تسلبه الإحساس بالمستقبل. حين يصبح الطفل معتادًا على الخوف والنزوح وفقدان الأقارب، فإن آثار الحرب لا تبقى خارج الإنسان، وإنما تدخل إلى تكوينه النفسي والاجتماعي، وتؤثر في نظرته إلى الحياة والغد.

ولهذا، فإن عبارة الطفل ليست مجرد إجابة عابرة، إنها تختصر مأساة جيل يعيش المستقبل باعتباره احتمالًا لا وعدًا. وهنا يبرز سؤال لا يجوز أن نتجاهله: ماذا يفعل العالم عندما يتحول الخوف من الموت إلى جزء من تكوين طفل؟

الطفل ليس طرفًا في الصراع

قد تختلف المواقف السياسية، وتتباين الروايات، وتتعدد الحسابات العسكرية، لكن هناك مبدأ يجب ألا يختلف عليه اثنان: الطفل ليس طرفًا في الحرب.

القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان يقرران حماية خاصة للأطفال والمدنيين، ويؤكدان ضرورة احترام قواعد حماية المدنيين، ومبادئ التمييز والتناسب، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الأضرار الناجمة عن العمليات العسكرية. كما تؤكد اتفاقية حقوق الطفل حق كل طفل في الحياة والبقاء والنماء والحماية.

وهذه الحماية لا تتوقف على جنسية الطفل أو دينه أو الجهة التي يعيش تحت سيطرتها. لذلك، فإن أي انتهاكات بحق الأطفال والمدنيين يجب أن تُوثق وتُحقق فيها الجهات المختصة وفق القواعد القانونية الدولية، بعيدًا عن التعميم أو الانتقائية أو تحويل المأساة الإنسانية إلى مادة للمزايدة السياسية.

رسالة إلى العالم

لا تسألوا الطفل في غزة فقط: ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟ اسألوه أولًا: هل لديك فرصة لكي تكبر؟

فالطفل الذي لا يعرف إن كان سيصل إلى الغد لا يمكن أن نطالبه بأن يرسم مستقبله، والطفل الذي فقد بيته أو مدرسته أو أحد أفراد أسرته يحتاج إلى أكثر من الغذاء والدواء؛ يحتاج إلى الأمان والتعليم والأسرة والرعاية الصحية والدعم النفسي. فإذا أعادت الحرب بناء الخوف داخل الطفل، فإن آثارها ستبقى حتى بعد توقف القتال.

رسالة إلى المنظمات الدولية

المطلوب من المنظمات الدولية أكبر من إصدار البيانات وتعداد الضحايا. المطلوب حماية فعلية للمدنيين والأطفال، وضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية بصورة آمنة، وحماية المنشآت الطبية والتعليمية، وتوفير الرعاية للأطفال المتضررين، ودعم آليات التوثيق والتحقيق المستقلة وفق القانون الدولي. والأهم أن تصبح حماية الأطفال جزءًا أساسيًا من أي ترتيبات مستقبلية لوقف القتال أو التسوية السياسية.

وقف إطلاق النار ضرورة، لكن وقف الخوف داخل الطفل يحتاج إلى عمل أطول. ومن هنا، يجب أن تتحول قضية أطفال مناطق النزاع من ملف إغاثي مؤقت إلى ملف استراتيجي دولي.

الدرس الأمني

لقد أثبتت تجارب النزاعات أن الأمن لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها. القوة قد تمنع خطرًا في لحظة، لكنها لا تبني وحدها مجتمعًا آمنًا ومستقرًا. الأمن المستدام يبدأ من الإنسان، فالطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها الخوف، ويفقد الأسرة أو المدرسة أو الإحساس بالأمان، قد يحمل آثار هذه التجربة معه لسنوات طويلة.

ومن هنا، فإن بناء الإنسان جزء أصيل من منظومة الأمن الوطني والإقليمي والدولي. ولهذا، فإن إعادة إعمار غزة لا ينبغي أن تُقاس بعدد المباني التي ستقام فقط، وإنما بقدرة المجتمع على استعادة الإنسان الذي يعيش فيها. فالمبنى يمكن أن يُعاد في سنوات، أما الإنسان الذي تربى على الخوف فقد يحتاج إلى جيل كامل ليستعيد ثقته في الحياة.

توصيات استراتيجية

١- جعل حماية الأطفال والمدنيين أولوية واضحة في أي ترتيبات لوقف القتال أو التسويات المستقبلية.

٢- ضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية بصورة منتظمة وآمنة، مع إعطاء الأطفال والفئات الأكثر احتياجًا أولوية حقيقية.

٣- وضع برنامج دولي لإعادة التعليم للأطفال الذين حُرموا من مدارسهم، لأن المدرسة ليست مكانًا للتعلم فقط، وإنما مساحة للاستقرار وصناعة المستقبل.

٤- توفير برامج متخصصة لإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي للأطفال الذين تعرضوا للنزوح أو فقدان الأسرة أو الصدمات المرتبطة بالنزاع.

٥- توثيق الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال وفق معايير مهنية وقانونية مستقلة، وإحالتها إلى الجهات المختصة وفق قواعد الاختصاص والمساءلة.

٦- ربط إعادة الإعمار بإعادة بناء الإنسان، بحيث تشمل الخطط الدولية التعليم والصحة والدعم النفسي والحماية الاجتماعية إلى جانب البنية الأساسية.

٧- اعتبار حماية الأطفال أحد المعايير الأساسية في تقييم أي ترتيبات سياسية أو أمنية مستقبلية، لأن السلام الذي لا يمنح الطفل فرصة آمنة للنمو يظل سلامًا ناقصًا.

في النهاية، ظل السؤال بسيطًا: ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟ لكن إجابة الطفل كانت أكبر من السؤال. لقد نقلتنا من سؤال المهنة إلى سؤال الحياة، ومن الحديث عن المستقبل إلى مجرد البحث عن فرصة للبقاء.

إحنا هنا في غزة ما بنكبرش، هذه العبارة لا ينبغي أن تمر كجملة عابرة في مقابلة تلفزيونية، فهي تضع العالم أمام سؤال أصعب: إذا كان الطفل لا يملك ضمانة أن يعيش ليكبر، فكيف نطالبه بأن يحلم بمستقبله؟

مسؤولية العالم ليست أن يجيب الطفل عن السؤال، مسؤوليته أن يعيد إليه حقه في أن يحلم. فحين يستطيع الطفل أن يقول: عندما أكبر سأصبح •• نعرف أن المستقبل قد عاد إلى حياته، وهذا في النهاية هو المعنى الحقيقي للسلام.

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى