حياد أم تحييد: كيف يفسر الموقف التركي في الأزمة الأوكرانية؟

قبل اندلاع الحرب الأوكرانية، وحتى نشوب الحرب بالفعل في الرابع والعشرين من فبراير الماضي، وتحاول أنقرة أن تنئ بنفسها عن أي مواجهة حقيقية مع أحد طرفي الحرب، خشية اتخاذ موقف حاسم على نهج شركائها الغربيين قد يهدد علاقاتها بروسيا المستقرة مؤخرا، أو ارتباطاتها بموجب عضويتها في حلف الناتو في نفس الوقت، وعلى هذا عمدت أنقرة إلى موازنة موقفها بين المعسكر الشرقي والغربي.

تأسيسا على ما سبق، يبقى السؤال، هو: ما هي المبررات التي دفعت أنقرة إلى اتخاذ المسار سابق الذكر، وما هي أهدافها من هذا الحياد، وما إذا كان الحياد هو خيار تركي خالص أم أنه تم تحييدها عمدا؟.

وجهة تاريخية:

ركزت السياسة الخارجية التركية بعد الاستقلال وتأسيس الجمهورية في ١٩٢٣ بعد سقوط الدولة العثمانية على إثر الهزيمة العسكرية في الحرب العالمية الأولى على تعزيز هذا الاستقلال، ومحاولة البقاء على الحياد إقليميا ودوليا، والانكفاء على الشأن الداخلي، واستمر هذا الوضع حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ( والتي كانت علاقات تركيا بالاتحاد السوفييتي خلالها متوترة بعض الشيءعلى إثر اتهام الأخير لأنقرة بأنها سهلت مرور السفن الألمانية عبر مضيقي البسفور والدردنيل )،وحتى انضمت في بداية الخمسينات إلى حلف الناتو، وبدأت تشارك في عملياته مثل الحرب الكورية، وحتى هذا الموقف لم يكن يعبر عن سياسة تركية خالصة، وإنما كان نتيجة لالتزام دولي جماعي بسبب عضويتها في الحلف،وبدأت تنخرط تركيا شيئا فشيئا في الأحداث الإقليمية الساخنة، مثل أحداث البوسنة والهرسك وحرب العراق والقضية القبرصية وخلافاتها مع اليونان والأكراد.

ومن بعدها اتجهت دفة علاقاتها نحو الغرب، كما سمحت خلال حرب الخليج للقوات الغربية باستخدام الأجواء التركية لدخول العراق، وبدأت تطالب بضمها للاتحاد الاوروبي، وتقاربت مع الويات المتحدة التي كثفت من استثماراتها في تركيا في مجالات مختلفة، وتعمقت العلاقات أكثر بعد انضمام أنقرة إلى الاستراتيجية الأمريكية لمحاربة الإرهاب بعد أحداث ١١ سبتمبر، وشهدت تلك الفترة علاقات ” مميزة ” بين واشنطن وأنقرة كما وصفها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، وقد ساعد على ذلك سقوط الاتحاد السوفييتي، كما أن روسيا لم تكن بالقوة المهولة في ذلك الحين.

وهو التوجه الذي استمر حتى الآن، أينعم تحاول أنقرة التظاهر بالحياد في الوقت الراهن حتى لا تغامر بعلاقاتها مع روسيا، غير أن هذا الحياد نفسه يخدم علاقتها بالدول الغربية أكثر _ دون إغفال ما تثمره علاقتها بروسيا _تستخدمه للضغط علي الغرب للحصول على مكاسب تركية، بعد أن توترت علاقات أنقرة بالغرب خلال السنوات الأخيرة، فتركيا لازالت ترغب بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ولازالت من أكبر الأعضاء مساهمة في حلف الناتو، وهو ما لن تضحي به أنقرة مقابل التحالف فعليا مع روسيا، التي ورغم أنه لا توجد ثمة رغبة تركية في توتر العلاقات معها، إلا أنهما بالفعل تجمعهما خلافات في الرؤى السياسية في عدة ملفات، كما أنها ليست بالقوة الهائلة في كافة المجالات مقارنة بالغرب.

حياد تركي:

بعد اندلاع الحرب الأوكرانية انهالت الإدانات من قبل المسئولين الأتراك للغزو الروسي لأوكرانيا، كما فعلت أنقرة اتفاقية مونترو بعد توصيف البرلمان التركي للأحداث في أوكرانيا ب ” الحرب ” وغلق مضيقي البسفور والدردنيل أمام السفن الحربية الروسية، كما أعلنت منذ أيام غلقها للمجال الجوي التركي أمام الطائرات الروسية التي تقل جنودا روس إلى سوريا، الأمر الذي اعتبره البعض ردا على التصعيد الروسي في سوريا في مناطق تنتشر فيها القوات التركية بالتزامن مع العمليات العسكرية ضد حزب العمال الكردستاني في العراق، بينما اعتبره البعض الآخر محاولة إضافية من جانب أنقرة لإثبات حيادها، إلا أن القرار أيا كان هدفه فلن يخرج عن كونه ورقة ضغط لن يكون لها تأثير كبير على العلاقات بين أنقرة وموسكو، لتوظيف انشغال روسيا بالحرب الأوكرانية لزيادة نفوذها في سوريا.

وعلى الجانب الآخر، وجهت أنقرة الاتهامات اللاذعة لحلف الناتو بالتقاعس عن دعم أوكرانيا، وحتى عندما فعلت اتفاقية مونترو، لم تتخذ أنقرة هذا القرار إلا بعد أن تم نقل كافة المعدات الحربية الروسية طيلة الأسابيع التي سبقت الحرب حينما كانت القوات الروسية محتشدة على الحدود، ولهذا لم تتضرر روسيا من هذا القرار بشكل كبير، كما أكد وزير الخارجية التركي أن هذا القرار لن يسري فقط على السفن الحربية الروسية، بل على سفن الناتو أيضا،لذا أبدى مسئولون روس تفهمهم للقرار التركي، هذا بالإضافة إلى أن أنقرة لم تنخرط في حزمة العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، ولعل تصريح أردوغان بأن بلاده ” لن تتخلى لا عن روسيا، ولا عن أوكرانيا ” يؤكد ذلك. كما أن تركيا لم تصوت بنعم على قرار إدانة روسيا في مجلس الأمن

هذا بالإضافة إلى المفاوضات التي تستضيفها تركيا بين روسيا وأوكرانيا، ويرجع السبب في ذلك إلى أنها الوحيد التي تحظى بثقة روسيا وأوكرانيا معا، ولهذا رحب بها من جانب روسيا وأوكرانيا لأن تقوم بجهود الوساطة بينهما، والتي تحاول من خلالها تنظيم لقاء بين بوتين وزيلنسكي. هذا فضلا عن الاتصالات المستمرة بين الطرفين، والزيارات التي سبقت الحرب.

ويعتبر القرار التركي بغلق الأجواء التركية، والقرار السابق بغلق المضائق ما هما إلا رسائل للغرب لتأكيد موقف أنقرةبأنها لا تصطف بشكل كامل إلى روسيا، وأنها ملتزمة بارتباطاتها في حلف الناتو، خاصة وأن روسيا نفسها لا تريد ذلك حتى لا تتخلى أنقرة عن حيادها،وبذلك سيظل تحالفهما الإقليمي مستقرا، لهذا لم تعبأ موسكو كثيرا بالقرارات التركية في مواجهتها، خاصة وأنها لن تؤثرا جوهريا في مجريات حربها في أوكرانيا.

ويأتي الموقف التركي ترجمة للعلاقات المميزة التي تجمعها بروسيا، والملفات المشتركة التي تجمعهما في سوريا وليبيا والقوقاز، فضلا عن علاقات التعاون بين البلدين في المجال العسكري على سبيل المثال، وليس أدل على ذلك من صفقة الأسلحة الروسية التي أدت في الأساس إلى توتر علاقاتها بالدول الغربية. وأيضا المجال الاقتصادي، فروسيا تعتبر أكبر مزود للطاقة بالنسبة إلى تركيا، كما تعتمد الأخيرة أيضا في قطاع السياحة إلى حد كبير على السياح الروس والأوكراني كذلك، هذا فضلا عن واردات المواد الغذائية، ففي العام الماضي استوردت أنقرة 80% من حاجتها من القمح من روسيا وأوكرانيا، وهذا دون إغفال أهمية علاقاتها بروسيا في مساومة الغرب.وهو ما دفع البعض إلى اعتبار الحرب الأوكرانية وضعت أنقرة في موقف لا تحسد عليه خشية الصدام مع روسيا، بينما يري البعض الآخر أنها فرصة لترميم علاقاتها بالدول الغربية، وتعزيز كلمتها داخل أروقة الناتو.

هل تم تحييد تركيا؟:

لقد كثرت التكهنات في الفترة الأخيرة عن احتمالية تحييد لتركيا من قبل واشنطن، لأسباب منها تجنب الانحياز الكامل لروسيا، وفي نفس الوقت الحفاظ على خطوط اتصال مع روسيا عبر تركيا ولو بطريقة غير مباشرة، وهو ما سيستحال أيضا حال انحازت أنقرة شكلا وموضوعا للغرب منذ البداية، وهذا احتمال وارد. إلا أن الاحتمال الأقرب هو اختيار أنقرة بمحض إرادتها للحياد بين الدولتين بشكل ما لتفادي خسارة موسكو، والضغط على الغرب، وكان من المتوقع من قبل واشنطن بالذات بعد سنوات من التوتر مع أنقرة، والذي ازداد بوصول جو بايدن إلى الحكم أن تستغل أنقرة الأزمة للتقرب من الغرب بأن تحذو حذوه بشكل كامل، وهو ما لم يحدث حتى الآن، وعلى هذا الأساس عرضت واشنطن على أنقرة التخلي عن منظومة إس ٤٠٠ لصالح أوكرانيا في الحرب، وهو ما يرجح الاحتمال الثاني، لأنه احتمال بعيد أن تدعو واشنطن أنقرة للتنازل عن المنظومة الروسية والمغامرة بعلاقاتها بروسيا بالكامل تقريبا، وفي نفس الوقت ترغب بأن تكون أنقرة بمثابة خط اتصال مستمر مع موسكو خلال الأزمة، وبالتالي فإن الموقف التركي ينم عن حياد اختياري، باعتبارها جارة لطرفي الحرب.

فما تحاول أنقرة فعله الآن هو اتباع سياسة خارجية متنوعة، للاستفادة من مميزات كل الأطراف، والأصح أن يطلق عليها براغماتية تركية وليس حيادا بالمعنى المعروف، وهي ميزة تجعل الغرب متمسكا بإبقاء أنقرة ضمن الحظيرة الغربية، وهي سياسة المساومات التي ستستمر طالما لم يتطور الأوضاع في أوكرانيا إلى مواجهة عسكرية يكون الناتو طرفا فيها، وفي هذه الحالة ستلتزم تركيا بتعهداتها العسكرية ضمن الحلف، باعتبار أن حلف الناتو هو تحالف عسكري فقط، وما دون ذلك لن يفرض عليها وضعها في حلف الناتو التضحية بخسارة أي حليف خارج مظلة الحلف، وخاصة روسيا. أو في حالة انتخاب رئيسا جديدا خلفا لأردوغان وكانت توجهاته متركزة نحو الغرب.

وأخيرا، بدى الموقف التركي محيرا بالنسبة لكثيرين ممن تساءلوا عن موعد حسم أنقرة لموقفها نهائيا بالتزامن مع طول مدة الحرب،ولكن يمكن القول أن القرار التركي بالتخلي عن الحياد هو قرار يصعب اتخاذه في الوقت الراهن، فهو لا يزال متعلقا بالتطورات العسكرية على الأرض، وانضمام أطراف جديدة من حلف الناتو إلى الحرب _ وإن كان أمرا مستبعدا _ خلال الفترة القادمة، ففي هذه الحالة فقط ستضطر تركيا للوفاء بالتزاماتها المقررة بموجب عضويتها في حلف الناتو، أي اختيار وجهتها النهائية، وهو قرار لا تريد أنقرة اتخاذه إلا في أحلك الظروف.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى