عودة شبح الإرهاب

د. حسن حماد

مرة أخرى يعود شبح الإرهاب من جديد ليحصد عددًا من أرواح أبنائنا ممن ماتوا من أجل أن نحيا نحن فى عزة وأمن وسلام. ويبقى السؤال: إلى متى سنظل نحيا فى هذه المأساة؟ والإجابة فى نظرى هى أن هذا المسلسل الدامى لن ينتهى طالما أننا ننظر إلى قضية الإرهاب بوصفها قضية أمنية، وطالما أن المصادر الفكرية للإرهاب لم تزل تستوطن العقل المسلم وتهيمن على العقل الجمعى للجماهير التى تم إرضاعها منذ عشرات السنوات بخطاب أصولى تكفيرى.

إن الإرهاب المقدس، أو الإرهاب الذى يمارس باسم الدين يرتبط بنيويًا بالتطرف الدينى، فالمصدر الذى منه تتكاثر وتتوالد كافة الأفعال، التى توصف بأنها إرهابية دينية يقف وراءه التطرف الدينى، فالإرهاب الدينى يبدأ أولًا فى الرأس أو الدماغ كفكرة قبل أن يتحول إلى سكين أو قنبلة أو حزام ناسف. ولكن ترى ما الذى يجعل الإنسان متطرفا دينيا، ومن ثَمَّ إرهابيا؟

هل الظروف الاجتماعية والاقتصادية السيئة؟ هل الظروف السياسية القمعية؟ هل هيمنة الخطاب الأصولى وتجذره فى البنية الثقافية هو المسئول؟ أم أن هناك غرائز عضوية ودوافع فطرية تعبر عن نفسها سيكولوجيا وتدفع الإنسان إلى التطرف وممارسة العدوانية بلا رحمة تجاه بعض المخالفين له فى الرأى والعقيدة؟

الواقع أننى على قناعة تامة بالرؤية الجدلية للعالم، وعلى ذلك فهناك علاقة جدلية تربط بين الظواهر المتنوعة للوجود: بين الإنسان وواقعه، وبينه وبين الطبيعة، وبينه وبين الآخرين. ووفقا لهذا المنهج فإن ما هو اجتماعى وسياسى وثقافى وعقائدى ليس مستقلا عما هو فسيولوجى ونفسى، أعنى أنه حتى لو سلمنا بوجود دوافع غريزية فى البشر، فإن هذه الدوافع تخضع للواقع الاجتماعى والتغير التاريخى. وبالمثل فإن خضوع الإنسان المتكرر لمثيرات اجتماعية وثقافية ذات طبيعة نمطية (مثلما يحدث فى طقوس السحر والشعوذة) يمكن أن يخلق لدى الإنسان على المدى البعيد أو القريب (بحسب درجة خضوعه لعمليات الإيحاء والإيهام) استجابات وردود أفعال يمكن أن تكون ذات طبيعة فسيولوجية وجسدية. وهذه الاستجابات قد تتحول بدورها، نتيجة تثبيتها وتعزيزها إلى حاجات تكون أقرب إلى الدوافع البيولوجية، والتى يمكن أن تنتقل عبر الجينات الوراثية من أجيال سابقة إلى أجيال أخرى جديدة.

إن الشخصيات الإرهابية التى تمارس العنف باسم الدين هى شخصيات يسيطر عليها دافع الموت أو غريزة الموت (بلغة فرويد). وهؤلاء يندفعون إلى ممارسة العنف بشكل هوسى نظرًا لإيمانهم المطلق بأنهم يمارسون نوعا من الجهاد المقدس. وأنهم بفعلهم هذا إنما يطبقون شريعة الله.

ويُعد الموت بواسطة التفجير الانتحارى أكثر الأساليب الإرهابية شيوعًا فى الآونة الأخيرة. وغالبًا ما يقع أصحاب هذا النوع من الإرهاب تحت وهم أنهم استشهاديون، ولكن هؤلاء يتناسون أن الشهيد الحقيقى هو من يجعل من موته حياة للآخرين، وليس موتا مجانيا للأبرياء وإزهاقا لأرواح الأطفال والنساء. إن هذا النوع من المنتحرين يسقط ضحية للخداع وغسيل الأدمغة. وهو يندفع بوهم البحث عن البطولة والخلود إلى التورط فى مثل هذه الأعمال الإجرامية.

والحقيقة أن المفجر الانتحارى يسلك بدافع من الرغبة فى تحقيق الذات، وهو يجسد على نحو كرنفالى عنيف الصورة المبتذلة لإنسان معدم مقهور يحاول أن يؤكد ذاته ووجوده أمام نظام قاس صارم لا يعرف الرحمة ولا المهادنة. ولأنّ الإرهابى الانتحارى لا يملك سوى جسده، لذلك يكافح من أجل أن يصنع من ذاته التافهة المحدودة حدثا فريدا تهتز له الدنيا ويضطرب له العالم، إنه يحاول أن يصنع من جسده المحروم (الذى يمثل فى مخيلته رمزا للمدنس) جسرًا للوصول إلى الجنة، ومعبرا لبلوغ الملكوت. إنه يحاول أن يخلق شيئا من لا شيء، وهو ينتزع قيمته عن طريق الفوضى والعماء، ويجاهد من أجل تسليط الفوضى على هذا الوجود ويؤكد فاعليته عبر الهدم والتدمير وإعدام الحياة.

إن الإرهابى الأصولى هو أقرب ما يكون إلى الإنسان العدمى كلاهما يستهدف نشر الفوضى والعماء فى هذا العالم، إنه على حد تعبير “تيرى إيجلتون” فى كتابه «الإرهاب المقدس» ليس أمامه سوى خيارين: إما الحقيقة المطلقة أو الفوضى، ولأنه لا يعثر على هذه الحقيقة المطلقة ولا يستطيع أن يحققها فى الواقع، لذلك فهو يستسلم للفوضى، وينشر الموت والدمار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى