“ستاندرد آند بورز”.. هل فعلاً وصلت ديون مصر إلى مرحلة الحرج؟

بدأ عام 2022 بصدور عددا من التقارير الصادرة عن كبرى المؤسسات الاقتصادية حول العالم، لتتعرض إلى الفرص التي يحظى بها الاقتصاد المصري، وجاذبيته للاستثمارات، كان آخرها التقرير الصادر عن صندوق النقد الدولي، الذي وضع مصر كثاني اقتصاد عربي وإفريقي بحلول عام 2022، وذلك في ظل سياسات الإصلاح الاقتصادي والهيكلي، والتي كان لها عظيم الأثر في تنمية تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى الاقتصاد المصري، متوقعة معدلات نمو مرتفعة للاقتصاد المصرى خلال العام الجارى. وتعد تلك التوقعات الايجابية من المؤسسات الدولية ذات الثقة بمثابة مرآة واقعية لتقييم الخطوات والسياسات المتخذة لصالح دعم دور الاقتصاد المصرى، خاصة بعد مواجهته لجائحة كورونا واثبات قوته على الاستمرارية والتخطي لانعكاسات تلك الأزمة.

ومع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وتضرر دول العالم أجمع، أعلنت مؤسسة “ستاندرد آند بورز”(هي شركة خدمات مالية متخصصة في البحوث والتحليلات المالية على الأسهم والسندات، مقرها بالولايات المتحدة الأمريكية. كما أنها واحدة من وكالات التصنيف الائتماني الثلاث الكبار)- عن تثبيت التصنيف الائتماني لمصر بالعملتين المحلية والأجنبية عند مستوى «B.B» مع الإبقاء على نظرة مستقبلية مستقرة، وجاء ذلك التثبيت بمثابة شهادة دولية على قدر جيد إلى حد كبير من الاستقرار الاقتصادي المصرى. كما توقعت أن تصبح مصر ضمن أكبر مُصدِر للديون السيادية بين الأسواق الناشئة في الشرق الأوسط وإفريقيا، بإصدارات تبلغ 73 مليار دولار خلال العام الحالي 2022. وهو الأمر الذى فتح مجال للجدل والمزايدة على قوة الاقتصاد المصرى من عدمه، وظهرت أراء عدة تدعى إعلان إفلاس مصر دون أدنى تقييم صحيح لوضع الديون الخارجية لمصر أو مدى كفاءة استخدامها من عدمه، وقدرة مصر على السداد التى لم تشهد أى ضعف على الإطلاق.

تأسيساً على ما سبق، يحاول هذا التحليل مناقشة تقرير مؤسسة ستاندرد آتد بورز، ووضع الدين الخارجى لمصر مع تقديم رؤية حقيقة لواقع ومستقبل الدين المصري.

توقعات متعددة:

 أكدت وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيفات الائتمانية إن الاقتراض السيادي العالمي سيصل إلى 10.4 تريليون دولار في نهاية عام 2022، بما يزيد بحوالي الثلث عن متوسطه قبل جائحة فيروس كورونا .وبحسب معهد التمويل الدولي، ارتفع الدين العالمي لمستوى قياسي جديد عند 303 تريليونات دولار في عام 2021، هذا فضلا عن ارتفاع الديون السيادية لأعلى مستوياتها مع تضرر الدول النامية بشكل كبير جداً، خاصة مع توقف قطاعات اقتصادية مؤثرة مثل السياحة، والتي تعد مصدر مهم للدخل لبعض الدول. وزادت الحرب الأوكرانية الأمور سوءاً، وتوقع أن يدخل العالم في أزمة مالية، حيث ترتفع مستويات الديون بالنسبة للدول المتقدمة والنامية بعد الحرب، مع اتجاهها إلى زيادة الإنفاق على التسليح، وهذا قد يخلق تباطؤاً إضافياً في النمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.

شكل رقم (1) نسبة الدين العالمى الى الناتج المحلى الاجمالى خلال الفترة (1970-2020)

أما عن الديون المصرية، فقد أعلن تقرير “ستاندرد آند بروز” أن الديون السيادية المصرية ستصل إلي 73 مليار دولا، حيث تمثل الديون قصيرة الأجل نحو ما بين 26% و 30% من إجمالي أرصدة الديون في مصر، هذا بعد كانت تلك الديون فى حدود 33.6 مليار دولار عام 2017 وتزايدت إلي  38.1 مليار في العام التالي، ثم 45.4 مليار في عام 2019، وأنه على الرغم من الانتعاش الاقتصادي، فإن الاقتراض سيظل مرتفعًا بسبب ارتفاع متطلبات تجديد الديون نتيجة الحرب في أوكرانيا.

وفى نفس الوقت، توقعت ستاندرد آند بورز، أن يحقق الاقتصاد المصري معدل نمو خلال العام المالي الحالي بنسبة 4٪، مع تراجع النشاط الاقتصادي نسبيا بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة والاقتراض، واضطراب سلاسل القيمة بسبب الاختناقات في جانب العرض، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وضعف تدفقات السياحة الوافدة بفعل الحرب الروسية الأوكرانية. وعلى المدى المتوسط، تتوقع الوكالة أن يعاود النمو الاقتصادي فى مصر، مع وجود محركات رئيسية في قطاعي البناء والطاقة، وسيتم دعم ذلك من خلال إجراءات الإصلاح الاقتصادي المختلفة للحكومة بما في ذلك خطتها الوطنية للإصلاح الهيكلي، والتي تتطلع إلى تحسين الاستثمارات والصادرات وتحقيق نمو قوي بقيادة القطاع الخاص.

وتتوقع “ستاندرد آند بورز”، أن يظل العجز الكلي للموازنة العامة للدولة عند حوالي 7٪ من إجمالي الناتج المحلي في عامي 2022 و2023، وتتوقع أن يؤدي زيادة الإنفاق بسبب ارتفاع مستويات أسعار السلع الأساسية إلى الحد من الأثر الإيجابي لإصلاحات إدارة الضرائب وتوسيع القاعدة الضريبية، بالإضافة إلى نمو الإنفاق الذي سيكون مدفوعًا إلى حد كبير بالاستثمارات الرأسمالية والإعانات والمنح والمزايا الاجتماعية والرواتب.

أسباب متنوعة:

تتجه ديون العالم نحو الارتفاع، حيث تشير التوقعات الحالية إلى تسجيل الدين العالمي مستوى 300 تريليون دولار بنهاية العام الحالي 2022، وهو رقم غير مسبوق لم نشهده في كل الأزمات الاقتصادية التي واجهت العالم، وبالتالي فالأزمة عالمية وليست متعلقة بمصر فقط. وتتعدد الأسباب التى تقف وراء الارتفاع المتوقع للديون المصرية نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية، وان كان أبرزها:

(*) ارتفاع حجم الاستثمار الحكومى فى قطاعات تنموية هامة مثل البنية التحتية، وقطاع النقل والاتصالات، والمشروعات الاجتماعية وأهمها مبادرة حياة كريمة وتكافل وكرامة. والتزامها بتلك الخطط التنموية التى لابد من الاستمرار فيها وتنفيذها.

(*) خطط التحفيز المختلفة التى أعلنتها مصر منذ جائحة كورونا وحتى الوقت الراهن، حيث سبق وأن أعلنت الحكومة المصرية خطة التحفيز في مارس 2021، والتي بلغت قيمتها 100 مليار جنيه (6.393 مليار دولار) في إطار مواجهة الجائحة الصحية. وفى ظل الحرب الروسية الأوكرانية، تم الإعلان عن برنامج لمشاركة القطاع الخاص في الأصول المملوكة للدولة بمستهدف 10 مليار دولار سنويًا ولمدة 4 سنوات، مما يدعم فكرة تعاون كافة أجهزة الدولة وقطاعاته بما يصب في النهاية نحو دفع عجلة الإنتاج.

(*) اضطرار الحكومة المصرية لرفع معدلات الفائدة المحلية تزامنا مع رفع البنوك المركزية الكبرى، وخاصة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، لمعدلات الفائدة، وهو الأمر الذي سيرفع فاتورة الفائدة على الديون الجديدة، وذلك لاستبقاء الاستثمارات في أدوات الدين المحلية، علاوة علي رفع سعر الفائدة المدفوع للمكتتبين في السندات بالعملات الأجنبية.

(*) ارتفاع معدل التضخم، مما يجعل من عملية الاقتراض بالعملة المحلية مسألة مكلفة للدولة، نظرا لارتفاع معدلات الفائدة الاسمية على السندات التي تصدر بالعملة المحلية.

وضع الديون:

ارتفع الدين الخارجي لمصر خلال الفترة من 2017 وحتى الوقت الحالي بنسبة 62.6 %، بعدما قفزت من مستوى 82.9 مليار دولار في نهاية 2017 إلى نحو 134.8 مليار دولار في الوقت الحالي، بمتوسط زيادة سنوية يبلغ نحو 10.38 مليار دولار بما يوازي ارتفاعاً سنوياً بنسبة 12.52 %، وفقاً لبيانات البنك المركزي.

وبلغت نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 32.6% بنهاية عام 2021 بعد أن كانت 9 .33% فى  منتصف عام 2020 كما هو موضح بالشكل رقم (3)، وما زالت في الحدود الآمنة طبقاً للمؤشرات الدولية .كما أظهرت بيانات البنك المركزي ارتفاع الدين الخارجي لمصر بنهاية الربع الثاني من العام المالي الجاري 2021-2022 بنحو 8.1 مليار دولار مقارنة بالربع السابق له من نفس العام المالي الجاري، لتسجل 145.529 مليار دولار. وينقسم الدين الخارجي لمصر بين 132.7 مليار دولار ديونًا طويلة الأجل، 12.8 مليار دولار ديونًا قصيرة الأجل.

شكل رقم (2) حجم الديون الخارجية لمصر خلال الفترة (2000-2020) مليار دولار

شكل رقم (3) نصيب الدين الخارجى الى الناتج المحلى الاجمالى لمصر خلال الفترة (2018-2020)

هذا وقد بلغ نصيب الحكومة العامة من الدين الخارجي نحو 82.445 مليار دولار، منها ديون طويلة الأجل بقيمة بلغت نحو 80.455 مليار دولار بنهاية العام المالي، بما يمثل 55.4 % من إجمالي الدين الخارجي، والسندات 28.709 مليار دولار، والقروض نحو 51.736 مليار دولار. وقد مثلت الدیون طویلة الأجل المضمونة وغیر المضمونة نحو 6.112 ملیار دولار فى نهاية یونیو2020، مثلت2.91٪ من إجمالي الدین الخارجي)، معظمها من المؤسسات الدولیة والإقلیمیة، والسندات، وودائع غیر المقیمین  كما بلغت الدیون قصیرة الأجل نحو 9.10 ملیار دولار بما یعادل  8.8 ٪ من إجمالي الدین الخارجي.

مدى الإفلاس:

الإفلاس السيادي (Sovereign default) هو فشل أو رفض حكومة دولة سداد دينها بالكامل، أو الحصول على أموال من جهات خارجية لدفع ثمن ما تستورده من البضائع والسلع، وقد يرافقه إعلان رسمي من قبل الحكومة بعدم السداد (الرفض) أو السداد الجزئي لديونها (المبالغ المستحقة)، أو الوقف الفعلي للدفعات المستحقة.

المشكلة في أزمة الدين الخارجي بشكل عام تكمن في فشل الحكومات عن سداد مستحقات هذه الديون في مواعيدها، وفي حالة مصر، لم يحدث أن تخلفت الحكومة عن سداد أي قسط أو مبلغ مستحق، وهو ما يؤكد أن الأوضاع تسير بشكل سليم وصحيح، وأن الديون الخارجية لمصر تسير وفق معدلات طبيعية على الرغم من أن الدين الخارجي يرتفع لكنه مازال في الحدود الآمنة، خاصة أن أكثر من 65% منه طويل الأجل، وبالتالي لا يشكل قلقا والاقتصاد المصري مازال يسير نحو الأفضل.

كما أن المبلغ الذى أعلنته مؤسسة ستاندرد آند بورز، وهو 73 مليار دولار لعام 2022 تشمل (دين داخلى وخارجى) ربعهم تقريبا دين خارجى بالدولار الأمريكى، ونحو 75% منه دين داخلى بالجنيه المصرى، وبالتالى لا تمثل ضغوط كبيرة على الحكومة المصرية فى السداد لأنها لا تتطلب احتياطيات كبيرة من النقد الأجنبي اللازم للدفع، هذا على عكس تركيا مثلا التى ترتفع حجم ديونها بشكل كبير ونحو 66% منها بالعملة الصعبة وليست المحلية. هذا فضلا على أن تلك الديون السيادية 30% منها تقريبا قصير الأجل، بينما نحو 76% منها ديون طويلة الأجل غير مستحقة فى الوقت الراهن أو السنوات القليلة القادمة.

وبالنظر إلى مصادر إنفاق تلك الديون، سنجد أن حصيلة ديون مصر استخدمت فى السنوات الأخيرة لتمويل عمليات التنمية التي تستهدف زيادة حجم الاقتصاد والناتج المحلي الإجمالي، وهو ما حدث بالفعل وجاءت النتائج إيجابية فى شكل تحسن واضح فى مؤشرات الاقتصاد الكلى. وقد حققت مصر فائض أولي بنسبة 1.46% من الناتج المحلى الإجمالي للعام المالي 2020/2021، تم استخدامه في تمويل جزء من فوائد الدين العام، مما أسهم في خفض العجز الكلى إلى 7.4% من الناتج المحلي، كما انه ما زال فى الحدود الآمنة اقتصاديا، حيث بلغ الدين الخارجي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي حوالي 34 % في عام 2020، وفقًا لتقرير البنك الدولي  بينما بلغ إجمالي الديون الخارجية في اقتصاد أفريقي مهم فى دولة مثل جنوب إفريقيا نحو 170.7 مليار دولار في عام 2020، وشكلت الديون الخارجية 61٪ من الدخل القومي الإجمالي.

وتأسيسا على ما سبق، يجب أن ننظر إلى الدين باعتباره مسألة نسبية في النسب المئوية وليس رقمًا مطلقًا لأنه يقارن بنسبته من الناتج المحلى الإجمالي، وفعاليته أو عبء سداده يعتمد على مدى كفاءة استخدام تلك الديون فى تعظيم الناتج المحلى وتحقيق التنمية، وهو ما تسعى مصر جاهدة فى تحقيقه منذ عام 2016 تحديدا وتطبيق المرحلة الأولى لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، أى أن الاستخدام الأمثل للموارد الاقتصادية سيكون السبيل الوحيد لإصلاح فجوة التمويل في البلاد على المدى الطويل.

 كما أن الرقم الذى أعلنته مؤسسة ساندرد آند بورز مجرد توقع قابل للتغيير وليس حقيقة مطلقة، حيث جاءت تلك التوقعات وسط إعلان استقرار الاقتصاد المصري وتثبيت تصنيفه الائتماني، وهو ما يؤكد قدرة الاقتصاد المصرى على سداد ديونه واستقرارها المالي والاقتصادي بوجه عام. وبناءا عليه، يتضح أن الإصلاحات الاقتصادية والمالية والهيكلية التى اتخذتها الدولة المصرية على مرحلتين من الإصلاح الاقتصادي، المرحلة الأولى (2016-2021)، والمرحلة الثانية (2021-2026)، ساعدت فى توفير قاعدة تمويل محلية قوية ومتنوعة، وجعلت الاقتصاد أكثر قدرة على امتصاص الصدمات ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية .كما ساهمت المشروعات التنموية البرىك فى تحفيز النشاط الاقتصادي بشتى قطاعات الدولة، والحفاظ على معدلات نمو إيجابية رغم التحديات المتعاقبة. وإن كان ذلك أيضا لا يمنع من ضرورة تخفيف عبء الديون الخارجية المصرية حتى لا تستنزف جزء مهم من إيرادات الموازنة العامة، وهذا ما تسعى مصر لتحقيقه منذ سنوات وان كانت الأزمات والصدمات الاقتصادية والصحية الخارجية، هى المعطلة للعديد من الخطوات الاقتصادية التى تتبعها الدولة.

 

د.جيهان عبد السلام

رئيس وحدة دراسات مصر -أستاذ مساعد الاقتصاد بجامعة القاهرة. -حاصلة على دكتوراه الاقتصاد بكلية الدراسات الأفريقية العليا. -عضو هيئة تحكيم البحوث الاقتصادية لدى المركز الجامعي لترامنست. -عضو هيئة تحكيم لدى كلية الاقتصاد والإدارة وعلوم التيسير. -عضو هيئة تحكيم لدى جامعة الشهيد لخضر. -خبير اقتصادي وكاتبة في العديد من المجلات العلمية ومراكز الدراسات.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى