فرص المعارضة التركية في مواجهة أردوغان

اجتمع زعماء ستة أحزاب تركية معارضة أكثر من مرة منذ فترة قصيرة من أجل التوافق على خطة أولية لإلغاء النظام الرئاسي والعودة إلى النظام البرلماني بعد انتخابات ٢٠٢٣، كما من المفترض أن يتم الاتفاق ولو مبدئيا حول مرشح عن المعارضة الذي لم يعلن عنه بشكل رسمي حتى تاريخه في مواجهة أردوغان، وضم الاجتماع مجموعة من الأحزاب ذات رؤى سياسية وفكرية وأيديولوجية متناقضة إلى حد كبير، الأمر الذي أثار العديد من التساؤلات حول أهمية الاجتماع؟ وأثره على إمكانية تكوين تحالف شامل وحقيقي في المستقبل؟ وهل تشكل الأحزاب الصغيرة فرصة لتحالف الجمهور أو الشعب لحسم الانتخابات ؟ وهل تكفي هذه التحركات للحديث عن فرص أي من التحالفين ؟.

تجاذب حزبي:

بعد تحول النظام السياسي التركي من النظام البرلماني إلى الرئاسي وفقا للتعديلات الدستورية التي أجريت في ٢٠١٧، بدأت تختلف ملامح الاستقطاب بين الأحزاب السياسية لتتسع وتشمل أيديولوجيات متباعدة بشكل كبير، بعد أن أقر التعديل الدستوري الأخير قانونية تشكيل تحالفات سياسية بين الأحزاب، فتشكل على إثره تحالفان مهمان على الساحة السياسية في تركيا، الأول هو تحالف ” الجمهور ” الذي يضم حزب العدالة والتنمية الحاكم وحزب الحركة القومية، والثاني هو تحالف ” الشعب ” الذي يضم حزب الشعب الجمهوري المعارض وحزب الجيد، وقد تشير اجتماعات المعارضة مؤخرا إلى احتمالية انضمام كلا من حزب السعادة والشعوب الديمقراطي والتقدم والمستقبل إلى تحالف المعارضة، مما سيعطيه ميزة وقوة في مواجهة حزب أردوغان باعتباره عابر للأيديولوجيات ( علماني _ قومي _ يساري _ إسلامي )، وبالتالي سيضمن تأييد قطاعات واسعة من الشعب،ورغم أن ذلك لم يتأكد بشكل نهائي بعد، لكن يظل حضورهم في حد ذاته مؤشر على أن المبدأ قيد التفكير.

وتأتي هذه الاجتماعات كمكملة لسلسلة الاجتماعات التي عقدتها أحزاب المعارضة منذ مطلع العام الجاري، ولكن يشوبها نوع من القصور إلى حد ما، باعتبار أن جميعها طالبت بالعودة إلى النظام البرلماني مرة أخرى، ولم تشر إلى أي اسم من المرجح أن يكون هو مرشح المعارضة الذي سيواجه أردوغان في الانتخابات، فمن الملاحظ أن الفكرة التي اجتمعت حولها هذه الأحزاب بمختلف أيديولوجياتها هي إزاحة أردوغان نفسه فقط. ورغم ذلك تظل أهمية الاجتماع كونها المرة الأولى التي تصدر فيها الأحزاب بيانا مشتركا، نص على قناعة هذه الأحزاب بأن تركيا تمر بـ” إحدى أكبر الأزمات السياسية والاقتصادية في تاريخها”، لذا وصفت الاجتماع بأنه “حدث تاريخي” و” خطوة مهمة على طريق تأسيس تركيا المستقبل”. وتم توقيع البيان المشترك في ٢٨ فبراير، وهو تاريخ له دلالته ورمزيته؛ إذ هو ذكرى الانقلاب على حكومة نجم الدين أربكان، وهو ما حدث بالفعل، ولم يؤجل رغم تصاعد الأزمة الأوكرانية.

لكن، لم يأت توافق المعارضة التركية من خلال البيان المشترك فقط، فمع تذبذب الاقتصاد التركي، وتهاوى الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي في الفترة الأخيرة، نتيجة لتداعيات فيروس كورونا، وبعض السياسات الداخلية والخارجية لأردوغان، والتي أثرت على الاقتصاد التركي إلى حد كبير، كما أصبحت محل انتقاد كبير سواء على مستوى النخب السياسية أو الرأي العام الداخلي، مما أثر بالتبعية على شعبية أردوغان بالسلب، بعد أن كان يحظى بدعم شعبي واسع خاصة من قبل المحافظين والإسلاميين، بل طالبت المعارضة التركية نتيجة لكل ذلك بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، واعتبرت أن هناك أزمة حكم غير قادر على إدارة البلاد واجتياز الوضع الراهن، الأمر الذي قوبل برفض قاطع من قبل أردوغان وحزبه، وهو رفض متوقع ومنطقي، لأن قبول أردوغان بذلك في ظل تشتت أوراقه الداخلية والخارجية يعنى نهاية أردوغان وحزبه سياسيا بعد هيمنة سياسية علي السلطة التنفيذية والتشريعية دامت لقرابة عقدين.

معارضة رخوة:

لا اختلاف حول أهمية ورمزية اجتماعات الأحزاب الستة على نهج مشترك في الفترة القادمة، وما يمثله هذا التحالف من شمول وقوة وامتلاكه لقاعدة شعبية عريضة، وباعتبارها أيضا ضمن سوابق نادرة الحدوث في تاريخ تركيا الحديث، إلا أنه من ناحية أخرى يعتبر احتمال بعيد أن تتوحد المعارضة التركية على قلب رجل واحد وتحالف واحد بسبب التعارض الأيديولوجي الواضح، أو أن تجمع على اختيار مرشح لها في الانتخابات المقبلة، وإلا أعلنوه أو أشاروا إليه على الأقل خلال الاجتماعات، واستغلوا الفترة المقبلة في الدعاية والحشد السياسي له على غرار أردوغان وحزبه، وقد يدعم ذلك سوابق سياسية عدة كان آخرها الفشل في تكوين تحالف معارض قوي خلال الانتخابات السابقة، كما أن تحالف الشعب ذاته يتخلله خلافات بين حزب الجيد ( قومي ) والشعب الجمهوري، على إثر تعاون الأخير مع حزب الشعوب الديمقراطي ( ممثل الأكراد ).

وحاليا يبدو الأمر أصعب نظرا لزيارة عدد الأحزاب والانشقاقات السياسية، كما أن المعارضة تفتقد إلى التوافق ليس فقط على مستوى التحالف، وإنما على مستوى الحزب نفسه، فحزب الشعب الجمهوري يرغب رئيسه كليتشدار أوغلو في الترشح للانتخابات القادمة، كما يريد أكرم إمام أوغلو ( رئيس بلدية إسطنبول ) والعضو في الحزب نفسه الترشح أيضا، وحتى الآن لم يحسم الحزب قراره في ذلك، وبالتالي قد يكون التفاؤل الجدي في هذا الشأن سابقا لأوانه حتى الآن على الأقل.

وقد يشير إلى الخلاف في صفوف المعارضة أيضا تأجيل الإعلان عن البيان المشترك بعد اجتماع ١٢ فبراير مباشرة، مما قد يلمح إلى عدم التوافق حوله أيضا، وحتى بعد إصداره بعد الاتفاق على النظام البرلماني المعزز والاجتماع الذي تلاه في مارس لم ينم أي منهما عن احتمالية توافق حول مرشح عنهم، وأسفر فقط عن إنشاء لجان من أجل تطبيق رؤيتهم المشتركة في الانتقال من النظام الرئاسي الحالي إلى النظام البرلماني المعزز حال فوزها بالانتخابات، ويكاد يكون الهدف الوحيد والقاسم المشترك الذي تبنى عليه كل التوافقات بين الأحزاب المعارضة هو رفضهم استمرار أردوغان بحد ذاته، والعودة إلى النظام البرلماني.

أزمة ثقة:

لا يمكن إغفال وجود نوع من العنجهية السياسية بين الأحزاب الستة، فلن يقبل أي حزب أن يحسب البيان أو الاجتماع أو النجاح في تكوين تحالف أو أي مكاسب سياسية تتمخض عن ذلك كنصر سياسي لحزب بعينه، على خلاف ما يريده حزب الشعب الجمهوري باعتباره الأكبر بينهم. كما لم يتأكد حتى الآن انضمام حزب التقدم والمستقبل، والتحفظ الذي أبداه الأخير صراحة حول جزئيات خاصة بفلسفة التحالف المعارض وقيادة التحالف وغيرها من الأمور الهيكلية. وفي السياق نفسه، لم يتأكد انضمام حزب السعادة للتحالف المعارض، خاصة بعد اجتماع زعيمه كرم الله أوغلو في وقت سابق بالرئيس أردوغان، وبالتالي قد يكون الحزب يعمل حاليا على تقييم بدائل عديدة حتى موعد الانتخابات، وهو ما أعلنه الحزب بالفعل.

لذا لا يزال هناك أزمة ثقة في صفوف المعارضة التركية، فالحديث عن سعي تحالفي الجمهور والشعب إلى استقطاب الأحزاب الأصغر، لا ينفي وجود احتمال ثالث، فقد يتم تشكيل تحالف ثالث يضم حزب السعادة والتقدم والمستقبل، وبالتالي لن يخرج هذا الاجتماع عن كونه ورقة تفاوضية وتقييم لخيارات إضافية أمام تلك الأحزاب، التي لم تبد أي مؤشر واضح عن تحركاتها المستقبلية، وبالتالي غير موثوق في توجهها النهائي حتى الآن.

كما أن من أعلنوا عن ترشحهم من حزب الشعب الجمهوري قد لا يوافق عليهم حزبي المستقبل والتقدم حال انضمامهما للتحالف، إذا أخذنا في الاعتبار تناقض المرجعية السياسية والفكرية للمرشحين _ وحزب الشعب الجمهوري نفسه _ وهذين الحزبين، فضلا عن الخصومة التاريخية التي تجمعهما به، باعتبارهما كانا يشاركان العدالة والتنمية نفس العقيدة والعقلية قبل الانشقاق عنه في ٢٠١٩.

معضلة عميقة:

واستنادا لما سبق، لا يزال أمام حزبي المستقبل والتقدم عدة خيارات، إما الانضمام إلى التحالف المعارض، وتبدو هذه الفكرة واقعية إلى  حد ما بعد انضمامها للاجتماع الأخير، ولكن في هذه الحالة هل سيتغاضى الحزبان تماما عن فكرة التباعد الأيديولوجي مع الحزب ومرشحيه؟. أو الانضمام للتحالف الحاكم، وبذلك يكون حضور الاجتماع مجرد ورقة تفاوضية للضغط على العدالة والتنمية لتقديم تنازلات أكثر، وفي هذه الحالة الأمر نفسه قد ينطبق على حزب السعادة، ورغم أن فكرة العودة إلى العدالة والتنمية بعيدة إلى حد ما، إلا أنها ليست بغريبة على الساحة التركية، لأن العودة ستكون تحت لواء تحالف الجمهور وليس العدالة والتنمية نفسه. أو تكوين تحالف جديد يضم الأحزاب الصغيرة.

إلا أن كل هذا لن يغفل إمكانية خوض الانتخابات بصورة منفردة، حال النجاح في تجاوز العتبة الانتخابية ( ١٠ ٪ ) أو اعتماد القانون الانتخابي الجديد وخفض العتبة الانتخابية إلى ٥ أو ٧ ٪، وبالتالي أمام الأحزاب الصغيرة بدائل عديدة يجرى تقييمها خلال الفترة المقبلة لحين اقترب موعد الانتخابات، خاصة وأنه في قانون الانتخابات الجديد لن يسمح للأحزاب الصغيرة التي تدخل في تحالفات سوى بالحصول على نسبتها من الأصوات، ومع خفض العتبة البرلمانية إلى 7 في المائة، فإن الأحزاب الصغيرة ستجد صعوبة في الدخول إلى البرلمان رغم التحالف، بعد أن كان يكفي سابقاً الدخول في تحالف لدخول البرلمان بعد الحصول على أصوات تمكن الأحزاب من الحصول على مقاعد في البرلمان. وحتى هذا التاريخ، فسيقع الاختيار على البديل الذي سيوفر مكاسب سياسية وفرصا مغرية لتلك الأحزاب أيا كان، لأن الهدف الأول والأخير للأحزاب هو الفوز ودخول البرلمان.

وأخيرا، يعتبر هذا الاجتماع بمثابة خطوة أولى مهمة ومميزة وتنطوي على هدف إعلامي في طريق التوافق، لكنها ليست الأخيرة، فلابد من البناء عليها، وتكون البداية بعدما تم الاتفاق على بيان مشترك كمقدمة للتوافق، الاتفاق حول مرشح بعينه، لكن بشكل عام لا يسع الوقت الحالي الحديث عن فرص المعارضة في الانتخابات المقبلة، فلابد أن تتضح صورة التحالفات النهائية أو شبه النهائية على الأقل، ولكن حال نجاح تحالف الشعب في جذب الأحزاب الصغيرة والجديدة، فسيشكل ذلك تحديا كبيرا لحزب العدالة والتنمية، وبالأخص على صعيد الانتخابات التشريعية ستكون فرصه في الحسم أكبر، لأن المناخ الدولي ( الحرب الأوكرانية ) ومحاولاته إصلاح الوضع الاقتصادي الداخلي من بوابة السياسة الخارجية في الوقت الراهن يصب حتى الآن في صالح تحالف أردوغان.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى