تساؤل مطروح: ماذا لو فازت “لوبان” بالانتخابات الفرنسية؟

تشير استطلاعات الرأي إلى تقدم الرئيس الفرنسي المنتهية ولايته إيمانويل ماكرون على حساب منافسته زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقرر لها غدا الأحد، بنسبة تتراوح ما بين ٥٣ و ٥٥٪ مقابل ٤٧ و ٤٥ تقريبا لصالح لوبان، إلا أن هذا التقدم يبدو غير مطمئنا بعض الشئ، مما يجعل فوز ماكرون بالجولة الأخيرة أمرا ليس مؤكدا، وتظل هناك إمكانية لقلب الطاولة لصالح لوبان، خاصة أنها ركزت على أهم ما يحتاجه الناخب الفرنسي، وهو القدرة الشرائية التي تضررت كثيرا في الفترة الأخيرة، الأمر الذي يطرح تساؤلا هاما عن ماذا لو نجحت مارين لوبان مرشحة اليمين المتطرف في الوصول إلى الإليزيه، وما الذي سيعنيه فوزها على أصعدة مختلفة؟.

تأثيرات داخلية:

تبنت مارين لوبان مجموعة من الأفكار الاقتصادية المغايرة للأفكار التي كان معروفا بها والدها الداعم للسوق الحرة والقطاع الخاص والتدخل المحدود من قبل الحكومة في السياسة العامة، وأصبحت داعمة لتدخل الدولة بهدف رفع معناة المواطنين الفرنسيين خلال ولاية ماكرون الأولى، كما وصفتها. ومن أبرز السياسات التي وعدت بالتركيز عليها حال فوزها في الانتخابات دعم السلع المحلية، وخفض سن التقاعد إلى ٦٠ سنة بعدما أراد ماكرون رفعه إلى ٦٥ سنة، وهو ما اعتبرته يعطل من عجلة العمل والنمو ويؤدي إلى زيادة الإجازات المرضية، وبالتالي سيكون مكلفا لخزينة الدولة، ووعدت أيضا بإلغاء ضريبة الدخل لمن تقل أعمارهم عن 30 عاماً، وخفض ضريبة القيمة المضافة على الطاقة من 20 : ٥,٥ ٪، عما وعدت برفع الحد الأدنى للأجور وبالأخص للعاملين بالمستشفيات والمعلمين بنسبة ١٥٪. وقد تكون هذه الإجراءات هي من قوت من شوكة لوبان في هذه الانتخابات مقارنة بسابقتها.

وعلى جانب آخر، أعلنت عزمها حظر ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تجدد المواجهات بين مؤيدي هذه الخطوة ومعارضيها، وعلى رأسها المواجهات بين المسلمين أو الفئة غير البيضاء وقوات الشرطة، بعد سيل من الاحتجاجات التي أغرقت فرنسا خلال ولاية ماكرون الأولى، مثل السترات الصفراء وغيرها، مما سيؤجج الأوضاع داخليا ويجعلها على المحك في أي وقت، الأمر الذي قد تطال تداعياته الساحة الأوروبية عامة، وقبل كل ذلك سيحرمها من أصوات المسلمين البالغ عددهم ٦ مليون مسلم تقريبا. الأمر نفسه بالنسبة للمهاجرين، بعدما أعلنت نيتها تقديم المواطنين الفرنسيين على المهاجرين في ما يتعلق بأمور الإسكان والتوظيف والرعاية الاجتماعية، بل وتعديل الدستور من أجل ذلك إذا لزم الأمر.مما قد يؤدى إلى تصاعد الإسلاموفوبيا والعنصرية في فرنسا، وقد تنتقل إلى أوروبا.

ورغم محاولات لوبان المتكررة للمراوغة حول نواياها بخصوص التعامل مع المسلمين والمهاجرين، إلا أن البعض اعتبرها فاقدة للمصداقية، بعد أن تزامنت تصريحاتها المعتدلة مؤخرا مع بدء الادعاء العام الفرنسي في التحقيق بعد تلقيه تقريرا الشهر الماضي من مكتب مكافحة الاحتيال الأوروبي، اتهم مارين لوبان وبعض المقربين منها بإساءة استغلالها الأموال العامة الأوروبية عندما كانت عضوا في البرلمان الأوروبي في الفترة من ٢٠٠٤ وحتى ٢٠١٧.

ماذا عن الاتحاد الأوروبي؟:

تعهدت لوبان في وقت سابق بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي ومن منطقة اليورو والعودة للتعامل بالفرنك الفرنسي، بالإضافة إلى قطع المساهمات الفرنسية في ميزانية الاتحاد الأوروبي،كما وعدت بأنها ستوظف وكلائاً في الجمارك لفحص البضائع التي تدخل فرنسا، بما فيها الآتية من دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، بدعوى مكافحة الاحتيال من ناحية، ودعم المنتجات المحلية من ناحية أخرى، ويرى محللون أن هذه الخطوة من شأنها أن تقوض السوق الموحدة، وقد تضع باريس في مواجهة صدامية مع المفوضية الأوروبية وأعضاء الاتحاد الأوروبي الآخرين.

كما تصر زعيمة اليمين المتطرف على أن القانون الفرنسي يجب أن تكون له اليد العليا والأسبقية على قوانين الاتحاد الأوروبي، وتقول إنها تريد في النهاية استبدال الاتحاد الأوروبي بـ” أوروبا الأمم “، رغم أنها لم توضح كيف سيبدو ذلك، ورغم أنها تراجعت بعد ذلك عن تصريحاتها الخاصة بأوروبا الأمم، والانسحاب من الاتحاد الأوروبي، إلى أن عادت مجددا وأكدت على نيتها تقليص الدعم الفرنسي للاتحاد، والخروج من منطقة اليورو.

ومن جهة أخرى، سارعت لتهنئة الرئيس المجري فيكتور أوربان بعد فوزه في الانتخابات التي عقدت في مطلع الشهر الجاري، على الرغم من الاتهامات المباشرة الموجهة من قبل الاتحاد الأوروبي ضد أوربان، والتي تتعلق بانتهاك سيادة القانون وقمع حرية وسائل الإعلام والفساد. كما أن وصول لوبان إلى الحكم سيزيد من نفوذ اليمين المتطرف في أوروبا، حيث ستكون حليفة للزعيمين المجري والبولندي اليمينيين الشعبويين، من الممكن أن يشكلوا جبهة لعرقلة إصلاحات الاتحاد الأوروبي.

وبناءا على ذلك، فإن خطط لوبان وسياساتها بشأن الاتحاد الأوروبي تثير القلق والشكوك لدى بروكسل، فمعظم مقترحاتها كفيلة _ حال تنفيذها _ بتقويض قانون الاتحاد الأوروبي وتهديد السوق الموحدة. إلا أنه من الناحية العملية من الصعب جدا تنفيذ مقترحات لوبان حال فوزها بالانتخابات، وهذا يرجع إلى أن فرنسا دولة مؤسسات، فلابد من موافقة الجيش والبرلمان على سبيل المثال، وهي مسألة ليست بالسهلة.

مواقف دولية مغايرة:

وعلى الصعيد الدولي، وجهت تهم عديدة إلى لوبان بشأن علاقتها مع موسكو والرئيس بوتين، بعدما حصل حزب لوبان على قرض مصرفي من بنك روسي في عام 2014، كما استضافها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين قبل فترة من الانتخابات الرئاسية لعام 2017، الأمر الذي أثار شكوكا عن مدى إمكانية وجود تدخل روسي في الانتخابات الفرنسية. ورغم محاولتها الاستفادة من الحرب الروسية الأوكرانية لتؤكد أن موقفها تغير من الرئيس بوتين، بعدما نددت بالحرب الروسية على أوكرانيا، إلا أنها أكدت على إمكانية عودة روسيا كحليف مرة أخرى بعد انتهاء الحرب، كما وصفت نفسها في مقابلة لها مع رويترز بأنها ” ديجولية ” وستكون على مسافة واحدة بين واشنطن وموسكو.

لذا، من شأن فوز لوبان بالانتخابات الرئاسية أن يكون داعما قويا لبوتين، سواء في الموقف الفرنسي من الحرب الروسية على أوكرانيا، أو استراتيجية روسيا بشأن اختراق وتقسيم الغرب عامة، وبالتالي قد تعمل لوبان بشكل منفرد دون التنسيق مع شركائها الأوروبيين، مما قد يؤثر على فعالية منظومة العقوبات المفروضة على روسيا أيضا، خاصة وأنها أكدت رفضها للعقوبات الغربية على روسيا كونها عاملا مؤثرا في تقويض القدرة الشرائية للفرنسيين.

كما تريد لوبان إنهاء عضوية فرنسا في حلف الناتو، في تحد واضح للمنظمة الأمنية الغربية المستمرة منذ فترة ما بعد الحرب الباردة، وأعربت عن ذلك من خلال تصريحاتها مرارا، كما أعلنت عزمها السعي لإيجاد أرضية مشتركة للتقارب بين الناتو وروسيا، لأمر الذي يثير تحفظات غربية تجاه السياسة الخارجية للوبان بوجه عام. بعد أن أكدت أيضا على رغبتها وقف مشاريع تطوير الأسلحة المشتركة بين فرنسا وألمانيا.

أضف إلى هذه التأثيرات على المستوى العالمي، فبفضل موقف لوبان من الهجرة إلى فرنسا قد يتقلص نفوذها العالمي والتاريخي في أفريقيا، والعالم بوجه عام.

وفي المناظرة التي جمعت ماكرون ولوبان الأربعاء الماضي، حاول ماكرون استغلال هذه النقاط تحديدا من أجل زعزعة الثقة في لوبان وبرنامجها أمام الرأي العام الفرنسي، الذي اعتاد أن تكون المناظرة التي تعقد قبيل ساعات من الانتخابات محددة بشكل كبير لوجهته المقبلة في التصويت، وخاصة تلك الفئة التي امتنعت عن التصويت، أو الأصوات التي صوتت لأحد مرشحي الجولة الأولى، ولم تحسم قرارها بعد بالتصويت لماكرون أو لوبان أو الامتناع عن التصويت من الأساس.

ولكن حقيقة الأمر، أن وصول مارين لوبان إلى قصر الإليزيه ليس ببعيد تماما، رغم أن ماكرون حتى الآن يظل الأوفر حظا، وذلك بعد نجحت بشكل كبير من التنصل _ ولو ظاهريا _ أمام الرأي العام الفرنسي من هويتها اليمينية المتطرفة بعدما انفصلت عن حزب أبيها جان لوبان بعد خسارتها للانتخابات السابقة أمام إيمانويل ماكرون، وبعد أن تخلت عن بعض أفكارها المثيرة للجدل في الشارع الفرنسي، مثل استعادة عقوبة الإعدام، كما استغلت الحرب في أوكرانيا لتؤكد على أن علاقتها بالرئيس بوتين قد تغيرت.

وفي الختام، الأفكار التي تنادي بها لوبان لن تستطيع تحقيقها بسهوله حال فوزها بالانتخابات، فمن المؤكد أنه ستواجهها عقبات كبيرة، سواء داخل البرلمان الذي لا يملك فيه حزب التجمع الوطني ( حزب لوبان ) سوى سبعة مقاعد من إجمالي ٥٧٧ مقعدا، أو الصعوبة في إقناع الكفاءات بالانضمام إلى حزبها، فضلا عما ستجده من معارضة قوية في بروكسل، أو من قبل واشنطن نفسها التي لن تقبل بانسحاب فرنسا من الناتو أو بعلاقتها بروسيا.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى