شبح نيتانياهو يعاود الظهور

د. عبد العليم محمد

تواجه حكومة بينيت-لابيد فى إسرائيل مأزقا كبيرا، وذلك بعد انسحاب أحد أعضاء الكنيست من حزب رئيس الوزراء الحالى يمينا؛ وهى عيديت سيلمان من الائتلاف الحاكم، ومن ثم لم تعد تحظى هذه الحكومة بأغلبية 61 نائبا فى الكنيست، وتساوى أعضاء الكنيست المؤيدين للحكومة مع الأعضاء المعارضين لها أى 60 نائبا لكل فريق.

جاء هذا الانسحاب والمأزق الذى تسبب فيه على خلفية علاقة الدين والدولة فى إسرائيل، والذى تأسس منذ البداية على الخطاب المعروف لبن جوريون أول رئيس وزراء إسرائيلى حول الإبقاء على الوضع الراهن فى علاقة الدولة الصهيونية بالدين، لتجنب الخلاف حول دستور إسرائيل أثناء مناقشة هذا الموضوع، وتلخص هذا الوضع فى احترام يوم السبت والطعام اليهودى وعدم تجنيد المتدينين الأرثوذوكس، وكانت المحكمة العليا الإسرائيلية قد حكمت ببطلان الإجراءات المتبعة فى المستشفيات بتحريم إدخال منتجات الخبز المخمرة إليها أيام السبت، وذلك بناء على الطلب الذى تقدمت به جمعية عدالة المدافعة عن حقوق الأقلية العربية فى المستشفيات، والذين يخضعون لهذه الإجراءات فى أثناء علاجهم واعتبار ذلك إكراها دينيا يهوديا، يجافى حقوق الأقلية العربية فى الكرامة والمساواة، وبتطبيق حكم هذه المحكمة أعلنت النائبة سيلمان انسحابها من الائتلاف احتجاجا على هذا الحكم وتطبيقه الذى يعوق من وجهة نظرها هوية إسرائيل كدولة يهودية.

أصبح مصير الحكومة الإسرائيلية منذ 6 أبريل 2022 تاريخ انسحاب هذه النائبة معلقا ومعرضا لشتى الاحتمالات؛ سحب الثقة منها وتشكيل حكومة جديدة، أو اتخاذ قرار بحل الكنيست وإجراء انتخابات جديدة مبكرة، أو انهيار الائتلاف فى حال انسحب عضو آخر منه، خاصة أن المراقبين يرون أن انسحاب سيلمان جاء عقب ممارسة ضغوط من حزب الليكود ونيتانياهو وإغراءات بشغلها مكانة متقدمة فى قائمة الليكود الانتخابية، إذا ما تم حل الكنيست وأن توكل إليها وزارة الصحة فى حال تشكيل حكومة جديدة بقيادة نيتانياهو، واعتبار أن هذه الضغوط يمكنها أن تستمر على أحد النواب الآخرين فى الائتلاف، وفى حال حدوث ذلك يصبح انهيار الائتلاف مؤكدا.

القانون الإسرائيلى لا يسمح بإسقاط الحكومة فى حال فقدانها للأغلبية بعضو واحد، ولكن عمليا يفضى ذلك إلى شل عمل الحكومة وأدائها فى الكنيست إلى حد كبير، من ناحية أخرى فإن سحب الثقة من الحكومة غير ممكن، إلا إذا تم إقراره بأغلبية 61 عضوا على الأقل، كذلك الأمر فيما يتعلق بحل الكنيست والذى يحتاج لموافقة 61 نائبا، وكلا الاحتمالين يواجهان عقبات قانونية وسياسية، غير أنه فى جميع الحالات فإن إجراء انتخابات مبكرة يبدو أقوى الاحتمالات، إذا ما عجز الائتلاف الحاكم عن تصويب موقفه. يبدو حتى الآن أن الرابح الأكبر وربما الوحيد من جراء هذا الموقف هو «بنيامين نيتانياهو»، ليس فحسب لأنه صاحب الإسهام الأكبر باعتباره زعيم الليكود فى الضغط على النائبة للانسحاب، ولكن أيضا لظروف عديدة؛ أولها أن محاكمته ممتدة ولم يبت فيها حتى الآن وقد يستغرق الأمر عامين أو ثلاثة رغم ظهور شهود جدد فى القضايا المرفوعة ضده، منحت استقالة هذه النائبة «لنيتانياهو» فيما يبدو قبلة الحياة، ذلك أنها أفضت إلى زعزعة المعسكر المناوئ له فى الليكود والمنافسين له فى رئاسته؛ خاصة يسرائيل كاتس ونير بركات ورئيس الكنيست الأسبق، فإذا جرت انتخابات مبكرة فإن نيتانياهو سيخوضها باعتباره رئيس وزعيم حزب الليكود، ولم يقل القضاء كلمته بعد فى القضايا المرفوعة ضده، وذلك يعنى أنه يحتفظ بصورته لدى الرأى العام.

والحال أن حكومة بينيت تواجه مأزقا مفتوحا، فنجاح الدفع باستقالة نائب من حزب رئيس الوزراء، يمكن ان يتكرر مع أحد النواب الآخرين، ولن يألو نيتانياهو جهدا فى سبيل ذلك، من ناحية أخرى فإن هذه الحكومة إذا ما حاولت أن تبحث عن شبكة أمان لتغطيتها فى الكنيست، خاصة من قبل نواب القائمة المشتركة العرب، فإنها ستجد الباب موصدا فى وجهها؛ بسبب سياساتها العنصرية والاقصائية التى ترفضها هذه القائمة.

على صعيد آخر فإن الحكومة الحالية فضلا عن أزمة الائتلاف المشكل لها؛ عدم التجانس والهشاشة التى يحظى بها، تواجه تحديات تتعلق بالمواجهة مع الشعب الفلسطينى فى الأقصى والقدس، وتشجيع المستوطنين والمتطرفين دينيا على اقتحام الأقصى فى شهر رمضان، وتزامن الشهر الكريم مع أعياد الفصح اليهودية، وهى المواجهات التى يتصدى فيها أبناء الشعب الفلسطينى والمقدسيين للمتطرفين والمستوطنين، ويرفضون ومعهم السلطة الفلسطينية دعاوى تقاسم الأقصى زمنيا أو مكانيا. جذور الأزمة الراهنة بصرف النظر عن التفاصيل القانونية والفنية والمآلات التى قد تنتهى إليها، تكمن فى تجذر يمينية الائتلاف الحاكم والمعارضة اليمينية الاستيطانية وتبنى سياسات الفصل العنصرى ويهودية الدولة والتنكر لحق الشعب الفلسطينى فى دولته والقدس والحرية ورفض التسوية وفق مبدأ حل الدولتين المعترف به دوليا وعربيا وفلسطينيا، ولا شك أن تأثير هذه الجذور العميقة لأزمة الحكومة الراهنة ستلاحق أية حكومة إسرائيلية مقبلة طالما بقيت الأمور على ما هى عليه، ولن تنجو أية حكومة مستقبلية من تأثيرات هذه الجذور، خاصة أن الشعب الفلسطينى بكل فئاته يعى أن قضيته تستعصى على التجاوز والتجاهل والتصفية، وأن حقوقه فى الكرامة والمساواة والحرية غير قابلة للتصرف.

نقلا عن جريدة الأهرام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى