هل تؤثر الحرب الأوكرانية على مستقبل قادة الدول الغربية؟

لم تقتصر تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على الجانب الاقتصادي فحسب، بعدما أفرزته من مشكلات في مجال الطاقة والمواد الغذائية، بل امتدت تداعياتها إلى حد التأثير على الأنظمة السياسية الغربية القائمة، من خلال التأثير على نتائج الانتخابات التي أعقبت الحرب في بعض الدول الأعضاء في حلف الناتو ولو بطريقة غير مباشرة، وهو ما ينطبق على الانتخابات التي أجريت في المجر في مطلع الشهر الجاري، ومن بعدها الانتخابات الرئاسية الفرنسية، ناهيك عن انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي في نوفمبر القادم، والتي يتوقع أن تحسم لصالح الجمهوريين، وبالتالي تقييد سياسة بايدن خلال العامين المتبقيين من ولايته.

وتأسيسا على ذلك، يناقش هذا التحليل مدى تأثير الحرب الدائرة في أوكرانيا حتى وقتنا هذا على الانتخابات المنتظرة في دول غربية مهمة، والدول التي أجريت فيها الانتخابات بالفعل.

انتخابات المجر:

عقدت انتخابات في المجر في الثالث من الشهر الجاري، وحقق فيها رئيس الوزراء المجري الحالي فيكتور أوربان نصراً انتخابيا كبيرا بنسبة ٥٣ ٪، بالإضافة إلى أغلبية برلمانية لصالح حزبه، مما أثار حفيظة الاتحاد الأوروبي الذي لم يترك فرصة إلا وانتقد فيها سياسة أوربان الداخلية والملف الحقوقي وعلاقته بروسيا، كما شملت الانتقادات الأوروبية سعيه لتأسيس دولة محافظة غير ليبرالية، وبالطبع نتيجة الانتخابات تظهر تأييد الناخبين لاستمرار هذه السياسة. لذا بعدما حسم أوربان نتيجة الانتخابات لصالحه وجه رسالة إلى الدول الأوروبية أكد فيها على انتصاره اللافت على معارضيه، واعتبر أن فوزه في الانتخابات ” يمكن رؤيته من القمر، وبالتأكيد من بروكسل “.

وفي سياق الأزمة الأوكرانية الراهنة، رفض أوربان الاشتراك في العقوبات المفروضة على روسيا، وبالأخص على قطاع الطاقة الروسي، كما امتنع عن تزويد أوكرانيا بالأسلحة، ولم يقتصر الأمر على ذلك فقط؛ بل رفض مرور أي أسلحة قادمة من أوروبا إلى أوكرانيا عبر أراضيه، بسبب اعتبارات أمنية ناجمة عن احتمالية تتبع شحنات الأسلحة والهجوم عليها فوق أراضي بلاده. ومن ناحية أخرى، نجح في إقناع الناخبين بأن المعارضة تسعي لإرسال جنود إلى أوكرانيا، وبناءاً على ذلك عمل على شحن الناخبين بأن الانتخابات ما هي إلا ” معركة بين الحرب والسلام “، كما استغل سلاح الإعلام لإثارة أجواء من الخوف من الانخراط في الحرب وملاقاة نفس مصير أوكرانيا وشعبها بعدما تقاعس الناتو عن حمايتها، كما اعتبر العقوبات الغربية على روسيا ستضر بالمواطنين المجريين.

وبالتالي أصبح الناخبون المجريون يعلمون تماما أنها حرب شرسة ذات طابع عالمي قد تمتد إلى بلادهم في أي لحظة، وهذا التخوف هو ما وحد مؤيدي أوربان ومعارضيه وجعلهم يؤيدون موقفه من الحرب في أوكرانيا، وهو ما انعكس بوضوح في نتائج الانتخابات التي حسمها أوربان بفارق كبير عن أقرب منافسيه، خاصة بعدما أعلن موقفه صراحة من الحرب ورفضه الانغماس المباشر فيها، وهو ما جاء في صالحه وصالح شعبه في الأخير.

الانتخابات الرئاسية الفرنسية:

يعد الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون، هو المستفيد الأول من الحرب في أوكرانيا، إلى جانب حملات المعارضة المتواضعة إلى حد كبير، والتطورات الاقتصادية الإيجابية في الفترة الأخيرة، والتراجع في أعداد الإصابات بفيروس كورونا، مع إظهار نوع من الاستقلالية عن الولايات المتحدة التي عابها الكثير من معارضي ماكرون، والجمهور في الداخل الفرنسي بعد أزمة الغواصات الأسترالية، والانسحاب المفاجئ وغير المحسوب من أفغانستان، فكان أن رفض الاشتراك في قرار واشنطن بحظر استيراد النفط والغاز الروسيين، لبيان عدم خضوعه للإدارة الأمريكية، وفي نفس الوقت ضمان استقرار أسعار الطاقة إلى حد ما داخل فرنسا التي كانت سببا رئيسياً في أزمة السترات الصفراء أواخر ٢٠١٨. الأمر نفسه أكدته استطلاعات الرأي التي أجريت طيلة الأسابيع الماضية، خاصة بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا، والتي رجحت تصويت ما يقارب من ثلث الناخبين الفرنسيين لصالح ماكرون.

كما أكد أيضاً عدد من المحللين على أن احتمالية خسارة ماكرون لهذه الانتخابات ضعيفة، بل تكاد تكون معدومة مع استمرار القتال في أوكرانيا، وما أدى إليه من تحول في أولويات الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي إلى الاهتمام بتغطية الأحداث في أوكرانيا، ونتيجة للجهود الدبلوماسية التي قام بها ماكرون خلال الحرب وقبلها، التي أظهرته كرجل دولة يبذل جهدا إضافيا من أجل إرساء السلام، أضف إلى ذلك تزامن الحرب والانتخابات مع رئاسة فرنسا للاتحاد الأوروبي الذي فرض عقوبات اقتصادية شديدة على روسيا. ومن المتفق عليه في أدبيات السياسة الخارجية، أنه في حالة وجود أي تهديد خارجي تلجأ الجماهير إلى القائد السياسي، ويترسخ لديهم اعتقاد بأنه لا وقت للانقسام، وبالتالي فالزيارات التي قام بها ماكرون قبيل الحرب، والاتصالات التي استمرت حتى بعد الحرب _ بغض النظر عن نتائجها أو الخلافات في الرؤى بين ماكرون وبوتين _ لفت انتباه الفرنسيين تجاه وضع دولتهم في الحسابات الدولية.

ورغم ذلك، ثمة رأي آخر يرى أن مسألة فوز ماكرون في الانتخابات الرئاسية ليست مؤكدة بعد تقلص الفارق بين ماكرون وأقرب منافسيه مارين لوبان التي أصبحت وجها مألوفا بعد خوضها الانتخابات للمرة الثالثة، بعد أن قدمت وعودا بإصلاحات اقتصادية، كما قامت بزيارة القرى الفقيرة والمدن تسويقا لنفسها بالمدافعة عن الضعفاء مقابل تصوير ماكرون بأنه رئيس للأغنياء فقط. وهنا تجدر الإشارة إلى أن ماكرون أصبح يتقدم بفارق ٤ نقاط فقط في الجولة الأولى، وهي نسبة غير مطمئنة، مما يشير إلى احتمالية فوز لوبان في الانتخابات، أو على الأقل الانتقال معا إلى جولة ثانية، وذلك بحسب أخر استطلاع رأي أجراه معهدا “أوبينيون واي ” و” كيا بارتنرز”، وأعلنت نتائجه قبل توقف الحملات الانتخابية بساعات، سجل خلاله ماكرون تراجعا إلى نسبة ٢٦ ٪ مقابل ٢٢ ٪ لصالح لوبان، ويتقلص الفارق أكثر في الجولة الثانية، حيث تشير التوقعات إلى فوز ماكرون على لوبان بنسبة 53 ٪ في مقابل 47%، بالمقارنة مع 55 ٪ مقابل في 45% قبل أسبوع.

الكونجرس الأمريكي:

في الثامن من شهر نوفمبر القادم تجرى انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي على كل مقاعد مجلس النواب الـ ٤٣٥ و34 من مقاعد مجلس الشيوخ المائة، ومن المرجح بشكل كبير أن يخسر الحزب الديمقراطي أمام الحزب الجمهوري، مما سيؤثر بالطبع على أجندة وقرارات بايدن، التي سيصيبها بذلك الشلل بسبب معارضة الجمهوريين لسياسة بايدن خلال العامين المتبقيين في ولاية الرئيس الأمريكي.

وهذه النتيجة تعتبر متوقعة بعد الهزات الأخيرة الواضحة في قرارات الإدارة الأمريكية، خاصة بعد الانسحاب غير المحسوب من أفغانستان، وبعض القرارات المتعلقة بالسياسة الداخلية، مثل الفشل في مواجهة فيروس كورونا أو فرض التطعيم مما أدى إلى زيادة أعداد الإصابات، وأيضا قضايا الفساد التي تلاحق نجل الرئيس الأمريكي، والبلبلة الإعلامية التي أثارتها في الفترة الأخيرة، ناهيك عن الحرب الأوكرانية وتداعياتها السلبية سياسيا واقتصاديا.

هذا بالإضافة إلى فشل بايدن في استصدار قرار من المحكمة الدستورية العليا بإلزام العاملين في المؤسسات التي يزيد عدد العاملين فيها عن مائة فردا بتلقي اللقاح المضاد لفيروس كورونا، ومعارضة النائبة كريستين سينما وجون مينشين لتمرير مشروع يهدف إلى تعديل إجراءات مجلس الشيوخ لتمرير القرارات كما يرغب بايدن، لأن القانون لن يتم تمريره سوى بموافقة جميع الديمقراطيين ال ٥٠ على الأقل، مما يشير إلى وجود خلافات داخل حزب الديمقراطيينبين التقدميين والتقليدين،وعدم قدرة بايدن على توحيد الصف داخل حزبه، وكل هذا تزامن مع تراجع لافت في شعبية بايدن.

وعليه، قد يدعم هذا الطرح _ ما لم تظهر أي تطورات ترجح كفة الديمقراطيين مرة أخرى _ بالسوابق التاريخية في هذا الشأن نتيجة الأزمات التي واجهتها الإدارة الحاكمة في كل فترة، وأصبح شبه تقليد متعارف عليه أن يخسر حزب الرئيس الأمريكي الكثير من المقاعد في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، ويبدو أن حزب الرئيس الحالي لن يخرج عن هذا التقليد، ومن الأمثلة على ذلك، في فترة الرئيس السابق دونالد ترامب عندما فقد حزب الجمهوريين ٤١ مقعدا في انتخابات ٢٠١٨ لصالح الديمقراطيين، كما سبق وأن حدث في فترة الرئيس السابق باراك أوباما عندما فقد الحزب الديمقراطي حوالي ٦٣ مقعدا في مجلس النواب لصالح الحزب الجمهوري في انتخابات ٢٠١٠.

لذا، فإن تركيز الإدارة الأمريكية ينصب في الوقت الراهن على معالجة الآثار الاقتصادية الناجمة عن الأزمة الأوكرانية، وعلى رأسها أسعار الوقود، لتفادي خسارة كبيرة تبدو متوقعة في ظل الفارق الضئيل بين الحزبين في الكونجرس الأمريكي، خاصة وأن الحزب الجمهوري يكفيه فقط الفوز بستة مقاعد إضافية في مجلس النواب، ومقعد واحد إضافي في مجلس الشيوخ لتؤول الأغلبية إليهم.

وتأسيسا على ما سبق، يمكن القول أن الحرب الأوكرانية أثرت في اتجاهات التصويت لصالح الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء المجري، بعدما رجحت معظم الاستطلاعات قبل الحرب صعوبة حسم الانتخابات لصالحهما. كما أن الموقف المحايد الذي اختاره أوربان لدولته أكسبه تأييد قطاع كبير من الشعب، من ضمنهم من كانوا معارضين له، ولكن في الوقت ذاته لم تحدث تداعيات الحرب تغير ملحوظ في النخب السياسية في أي من تلك الحالات.

وقياسا على ذلك، إذا حاولنا قياس إمكانية تأثير الأزمة الأوكرانية على الأنظمة الحالية في دول أخرى كبريطانيا وألمانيا، رغم عدم خوضهما أي انتخابات خلال الحرب، لكن بالنظر إلى موقف بريطانيا من الحرب المعادي صراحة لروسيا والداعم سياسيا وعسكريا لأوكرانيا في ظل الأزمات الداخلية المحيطة برئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، وعلى رأسها قضية داونينج ستريت- لا يتوقع أن يستمر (جونسون) لولاية أخرى. على خلاف ألمانيا، التي لم ترسل حتى الآن كافة الأسلحة التي تعهدت بها إلى أوكرانيا، ومازالت تحاول الحفاظ على الشعرة التي تستند إليها علاقاتها بموسكو، لذا فلا يتوقع أن تكون الأزمة الأوكرانية محددا رئيسيا لاستمرار شولتز لفترة ثانية من عدمه، خاصة وأنه لم يوافق على حظر صادرات الطاقة الروسية، على غرار فرنسا.

وختاما، يمكن القول إن الحرب الروسية الأوكرانية أثرت بشكل كبير على المستوى العسكري والاقتصادي والسياسي، ليس على مستوى الأطراف المتحاربة فحسب، بل تجاوز ذلك إلى حدود دول أخرى، كما هو الحال بالنسبة للمجر وفرنسا والولايات المتحدة، كما يتوقع مزيدا من التأثيرات إذا طال أمد هذه الحرب أكثر.

 

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى